|



ثـورة.. داخـل رأسـي - إكرام الشاعر
حين أضرم البوعزيزي النار في نفسه كنت أنقل «صناديق خضاري» إلى
بيروت استعداداً لبدء عامي الجامعي الأصعب. وحين كانت تونس
ومصر تسقطان طغاتهما بعد سنوات من الظلم، كنتُ أدرس لامتحاني
الفصلي وأخوض غمار مشروع خاص لم يترك لدي وقت حتى لأنام. ورغم
أنني لم أتابع بدقة مجرى الأحداث إلاّ أن جرساً ظل ينبهني وأنا
أرى شعوباً مضطهدة تضحي بالروح في سبيل الحرية والعيش الكريم،
بينما قوى داخلية انتهازية تغتنم الفرصة لتحكم متعاونة مع
القوى الغربية من دون حرج من مشروعاتها التوسعية، وليس في جدول
أعمالها إعادة النظر في معاهدة الصلح المنفرد مع إسرائيل.
تأكدت حينها أن الثوار لم يسقطوا جلاديهم بالضربة القاضية بعد،
مرددة بجزع وزفرة إحباط قولاً في وصف الثورة الفرنسية: «إنها
تلعب بالحرب الأهلية والخارجية، تسخى بالرجال كما لو كانوا
أبخس الحيوانات. تبذر الذهب كما لو كان رصاصاً. إن هيجان
الحرية سيجعل العبودية تحيا من جديد». ثم عدت إلى الغرق في
العمل اليومي، مقاومة محاولات التطويع الشرسة التي تهدف إلى
تحويل الشباب إلى مسوخ هلامية جاهزة للتعليب والاستزلام أو
الهجرة.
بدأ الحراك في سوريا، فكانت لحظة الاختيار بين الثورة
والمقاومة انتحارية، ولاحظت كم أنني بعيدة عن الحقائق القاطعة
التي يمكنها وحدها أن تفرز التغيير بشكل طبيعي، ورحتُ أسائل
نفسي عن ذلك الخضوع الواسع كالدهاء والأدب الجم الذي كنت أمرر
به رسائلي لمن يعيقني خلف طبقات سميكة من المجاملات الأنيقة.
أحاسب ذاتي على أنني أتكلم كثيراً وطويلاً لأتجنب عبارة «نعم»
وعلى الأخص «كلا»، وأكتفي بهز رأسي، وأبتلع صمتي شفرةً.
على إيقاع النجاحات التونسية والمصرية بدأ التحرك لإسقاط
النظام الطائفي في لبنان، فاستبشرت خيراً بمطالبه المحقة،
وإحساسي المتنامي بأننا لن نموت عاجزين متأففين، وأن الـ«هنا»
لن تعود فجوة من المجهول اللامتناهي، حين يخترقها النور لا
يُرى وحين تهب عبرها الريح لا تصدر صوتاً. لكن العدو كان
تنيناً ضخماً بأذرع جبارة، متمرساً في إحراق الأخضر واليابس،
فدفع «الثوار» بعيداً عن شجاعتهم وجسارة حلمهم بضربة ذيل
واحدة. وفي غياب الخطة الواضحة لملم الجميع خيامهم وعادوا
يضطجعون في بيوتهم على الجانب الذي يؤلمهم أقل، فيما زاد مريدو
وأتباع ملوك الطوائف والحرب الأهلية وزمن السلم.
تابعتُ عدم اليأس مؤكدة لنفسي عدم جدوى المعاناة و«حمل السلم
بالعرض» في وسط شبابي إما متخم، لم تلقِ الحياة على كاهله
يوماً مثقال ذرة من كل الثقل الذي أخفاه عنه أبواه طوال سنين،
وإما خائف من المستقبل المثقل بالوعود والخيبات التي لم تقع
بعد إلا من باب الافتراض المحتم، وفي الحالتين يظن أنه من
الأفضل أن «ينأى بنفسه»، لأنه يملك الكثير ليخسره. أكملت ثورتي
داخل رأسي وعملي وقررت أنه لا بد أن تتفتح ياسمينتي على كل
منافذ هذا العيش الكريه الذي أشبه ما يكون بثكنة عسكرية ثبتت
على مدخلها لوحة «نفذ ثم لا تناقش».
صرت أبحث عن الـ«أنا» وسط الجماعة والـ«نحن» التي لم تعطني إلا
شرف الذوبان فيها وتكريس غيابي لوجودها، وعن سبل تحويل ذلك
الرقيب القابع فينا والحريص على التزامنا بالعرف إلى ناقد.
فوجدتُ حصاره الذي من المفترض أن يحميني من فوضى الشغب الطفولي
قد حجب عني حياة كاملة، ملقياً عليها الحجب والأستار الغليظة.
ترسخ لدي اعتقاد أن التغيير يحتاج إلى إنسان آخر! كل ما حولي
سعي هادئ لـ«تصغير» قضاياي و«تبخيس» حقي في النهوض من الواقع
الضاغط: من أولئك النساء اللواتي ينتقمن من ماضيهن بممارسة
الاضطهاد، والرجال الذين يحرسونني بابتسامة مكسورة وأنياب
بارزة، وأستاذي في الجامعة اللبنانية الذي لا يحاسَب ولا شيء
يردعه، إلى رب عمل يستغل طاقتي حتى آخر نفس مقابل دخل لا يبلغ
الحد الأدنى من الكرامة، إلى سائق التاكسي الذي يريد أن يحصل
بالإضافة إلى الأجرة على جولة من المزح الثقيل، إلى طبقة حاكمة
تتبصر لسنوات لإقرار قوانين تخفيض سن الاقتراع وتصحيح الأجور
وضمان الشيخوخة وحماية النساء من العنف، ذلك التبصر ذاته الذي
يؤرق القانون العادل الذي لا يفرق بين قوي وضعيف والحريص على
عدم الوقوع في ذنب الاتهام الجزاف، مكتفياً بالاحتجاز التعسفي
لآلاف السجناء في زنزانات أقرب إلى الزرائب!
مع الثورات العربية عدت ألوح بحمالة مفاتيح أبواب اليوم على
الأقل لأكون في الغد ما أريد. ولن أنهار إن حملوا إليّ بعض
أحلامي الشابة في كيس أسود، مستعدة للتضحية حتى لو احتجت إلى
صبر أكبر بكثير مما قدرت، قوية إلى حد أنني أستطيع أن أحمل
الثورة والمقاومة معاً، مؤمنة أن ثمة عناداً في سبيل أفكار
وأحلام يجب المقامرة من أجله حتى ينتهي كل ما نملك، وأن نغامر
في سبيله حتى تنتهي أعمارنا ويزيد!
شباب السفير - شباب التغيير

العودة الى الصفحة الرئيسية
safsaf.org - 18-01-2012

|