رحلة بولندية جديدة ، في مدينة زاموسك أو زاموش - بقلم نضال حمد 

 

 http://nid.safsaf.org/#163

ألبوم صور من مدينة زاموش وضواحيها

 

عدت نهاية الأسبوع المنصرم من زيارة الى جمهورية بولندا قادتني الى مدن عديدة اهمها كراكوف العاصمة الثقافية والسياحية لبولندا.وكذلك زرت مدن زغوجليتس ، جيشوف توماشوف لوبلسكي وزاموش او زاموسك التي تحظى برعاية منظمة اليونسكو العالمية. استمرت الرحلة من زغوجيليتس على الحدود البولندية الالمانية الى جيشوف على الحدود البولندية الاوكرانية عدة ساعات ، حيث سرنا على الخط الدولي السريع بمحاذاة مدن عديدة منها بوليسوافيتس، ليغنيتسه ، فروتسلاف ، أوبوله ، كاتوفيتسه ، كراكوف. عند كراكوف انتهى الاوتستراد السريع وتابعنا مسيرنا الى مدينة جيشوف التي تبعد نحو 160 كلم عن كراكوف على طريق عادي يعج بالمركبات والشاحنات ، وتوقفنا عدة مرات واستمرت الرحلة من كراكوف الى جيشوف 3 ساعات لتساوي الوقت الذي قطعنا به المسافة الطويلة من زغوجيليتس الى كراكوف. في ذلك الوقت تذكرت صديقي الشاعر الفلسطيني يوسف شحادة الذي يضطر أسبوعيا للسفر عبر هذا الطريق من مكان عمله في جامعة ياغيلونسكي في كراكوف الى منزله وحيث عائلته في جيشوف.

بعد توقف في مدينة جيشوف دام يوم واحد سافرنا الى مدينتي توماش لوبلسكي وزاموش اللتان تبعدان نحو 170 كلم عن جيشوف. وفي الطريق من جيشوف الى زاموسك يمر الإنسان بمدن وبلدات عديدة مازالت تحتفظ بمظاهرها القديمة ، حيث ان تلك المنطقة من بولندا تعتبر من المناطق الزراعية والفقيرة أسوة ببقية مناطق البلاد الشاسعة. في تلك المنطقة من بولندا كان هناك تواجد تاريخي لليهود الذي هاجر معظمهم غازيا الى فلسطين المحتلة منذ بدايات الهجرات الصهيونية المنظمة الى فلسطين الانتدابية إبان الاستعمار البريطاني اللعين. وقد ذكرت مناطق عديدة في مذكرات كثيرين من كبار قادة الحركة الصهيونية.

في مدينة توماشوف لوبلسكي لم يلفت انتباهي أي شيء يذكر ، ولن أتذكر من تلك المدينة سوى الحديث الذي دار بيني وبين خالة زوجتي ، امرأة طاعنة في السن. سألتها عما إذا كانت تتذكر اليهود الذين كانوا يسكنون هناك فأجابت بالإيجاب وقصت على مسامعي ومسامع الحضور قصصا من طفولتها مع اليهود في المنطقة. أذكر منها ما قالته عن أستاذ كان يعلمهم وكان يكره اليهود ، إذا كان يأمر الطلبة يوم السبت بالذهاب لإزعاج اليهود عبر القرع على نوافذهم. وروت كيف ان عجوزا يهوديا اشتكاها لوالدها الذي قام بمعاقبتها ومنعها عن القيام بذلك. وفي رواية أخرى قالت العجوز البولندية أنها تعرف قصة قس بولندي مازال حيا عندما كان طفلا وهو الوحيد الذي نجا من مذبحة نفذها الجنود النازيون حيث قتلوا كافة أفراد عائلته اليهود، وتبناه رجل من المنطقة وعمده في الكنيسة الكاثوليكية وأعطاه اسمه العائلي .. على الطريق من توماشوف لوبلسكي الى زاموش تنتشر القرى والبلدات العديدة مثل كلوتسوفكا ، نيميروفيك، كراسنوبروغ ، وغيرها من الأمكنة حيث السهول والغابات الخضراء تنتشر بكثرة ، والأزهار تزين الحقول وجوانب الطرقات. فيما طيور اللقلاق تحرس أعشاشها وصغارها.  وبمناسبة الحديث عن هذه الطيور يجب ان نذكر أن البولنديين ونتيجة عاداتهم وتقاليدهم وموروثهم الشعبي يتشاءمون في حال رأوا طائر اللقلاق في حالة وقوف أو جلوس ويتفاءلون إذا رأوه في حالة طيران. وفي تلك المنطقة انتشرت أعشاش اللقالق على أعمدة الكهرباء ، وبانت رؤوس الفراخ الصغيرة، ووقفت الأمهات أو الآباء لا ادري يحرسن صغارهن. لذا وخلال تجوالنا الطويل في كل تلك المنطقة لم نر لقلاقا واحدا في حالة طيران . وبالرغم من ذلك كانت رحلتنا سعيدة وانتهت بسلام .

في الطريق أيضا توقفنا في مكان فيه كنيسة وتحت الكنيسة نبع مياه يأتي الناس إليه للتبارك ولتعبئة قوارير مياه الشرب. وعلى الشارع الذي يحاذي الكنيسة كانت عربات للفلاحين تجرها الخيول تقوم بجولات في المنطقة. وعلى بعد عدة كيلومترات من هذه الكنيسة وذاك النبع تقع كاتدرائية كبيرة وقديمة في المنطقة ، جميلة ويتضح انه تم إعادة ترميمها. ففي بولندا الكنائس تحظى بدعم مالي كبير من عامة الشعب. وتعتبر دولة داخل الدولة. والبولنديون بشكل عام يهرعون نهاية الأسبوع وبالذات أيام الآحاد للصلاة في الكنيسة ويقوم بذلك غالبية الناس إما إيمانا أو لإثبات الوجود عن راعي الكنيسة..

 مدينة زاموش أو زاموسك

في مركز زاموسك القديم يرى المرء صالات العرض المقنطرة التي تحيط الساحات وكذلك الممرات المقنطرة والأخرى المؤدية الى الأبنية والأماكن وسط المدينة القديمة ، حيث تنتشر الآن المقاهي والمطاعم والمكاتب السياحية وبعض المحلات التجارية . ويظهر بجلاء وشموخ مركز بلدية المدينة الذي يعتبر تحفة معمارية جميلة. وقد تزينت الأبنية القديمة التي خضعت لعملية إعادة ترميم وتلوين بالألوان الحمراء والزهرية والصفراء والبيضاء والخضراء ، التي جعلت من البلدة القديمة ومبانيها الأثرية الرائعة مجموعة من اللوحات الأشبه بالصور المرسومة بشكل أنيق ومرتب.

عندما يدخل المرء الى المدينة القديمة لا بد أن يرى على يساره مبنى ال (راتوش) الذي يتكون من عدة طوابق ومن برج طويل في منتصفه ساعة حائط، ويتم الصعود الى هذا المبنى عبر درجين من اليمين واليسار.ثم عبر درج ثالث الى أعلى البرج الذي يطل على الساحة وعلى المساحات الأخرى خلفها وخارج البلدة القديمة.

تحظى مدينة زاموسك برعاية منظمة اليونسكو العالمية كواحدة من المدن الأثرية العالمية. وجاء عنها في موقع اليونسكو :

 أنشأ يان زامويسكي هذه المدينة في القرن السادس عشر على الطريق التجاري الذي يصل أوروبا الغربية والشمالية بالبحر الأسود. تبقى زاموسك، التي شُيّدت على نموذج النظريات الايطالية المدينة المثالية والتي بناها المهندس برناندو موراندو البادوفي، المثال الأهم لمدينة عصر النهضة في أواخر القرن السادس عشر والتي حافظت على تصميمها الأصلي وعلى تحصيناتها وعلى عددٍ كبيرٍ من الأبنية حيث تتداخل التقاليد الهندسيّة الايطاليّة مع تلك التي تعود الى أوروبا الوسطى.

اريد لمدينة زاموش ان تكون "مدينة مثالية" حيث  يظهر ذلك في بصمة المهندس المعماري الطلياني برناندو موراندو، وهو مواطن من مدينة بادوفا الايطالية، قام ببناء زاموسك أو "زاموش" باللغة البولندية .  بناء على رغبة الاقطاعي البولندي يان زامويسكي.

مركز زاموش أو السوق "رينيك " وكذلك البلدة القديمة أي " ستاري مياستو "  مثال حي لمدينة تمثل عصر النهضة في وقت متأخر من القرن 16. وقد احتفظت زاموسك بمعالمها التاريخية واستطاعت النجاة من دمار وويلات الحرب العالمية الثانية التي أتت على مدن وبلدات بولندية كثيرة. لذا مازال سوق المدينة القديم وهو مركزها السياحي والتجاري والثقافي والتاريخي يحتفظ بتخطيطه الأصلي. وهناك جدار خارج المدينة القديمة مازال يلف بعض أجزاء المدينة يراه الزائر فور دخوله الى مدينة زاموسك الواقعة على مسافة قريبة من الحدود البولندية الأوكرانية وتجاورها مدنا وبلدات بولندية معروفة مثل مدينة لوبلين التي تبعد عنها 90 كلم ومدينة توماشوف لوبلسكي التي تبعد عنها اقل من 30 كلم. بالإضافة لمجموعة من البلدات الأخرى الصغيرة.

مدينة زاموش - زاموسك تمثل نموذجا فريدا لمدينة عصر النهضة في أوروبا الوسطى، وقد صممت وبنيت على الدوام وفقا للنظريات الايطالية لتكون "مدينة مثالية"، وذلك على أساس الخطة التي كانت نتيجة لتعاون مثالي بين مؤسسها يان زامويسكي والمهندس المعماري المتميز، برناردو موراندو.

وهي مثال بارز لنهج مبتكر لتخطيط المدن، والجمع بين وظائف حضرية عديدة، مثل المسكن والقلعة وفقا لمفهوم عصر النهضة . ونتيجة لهذا الجمع بدت المدينة  متجانسة أسلوبيا في المناطق الحضرية مع مستوى عال من القيم المعمارية والمناظر الطبيعية. وكان من الأصول الحقيقية لهذا البناء الكبير تعزيزه الخلاق مع الانجازات المحلية المعمارية والفنية.

 المدينة تقع على طريق التجارة التي تربط غرب وشمال أوروبا مع البحر الأسود، وكانت فكرة تأسيس البلدة في البداية كمركز اقتصادي قائم على التجارة. على أن يكون المجتمع في هذه المدينة قائم على مستوى عال من التسامح الديني والاثني، فمدينة زاموش منذ البداية كان من المقرر أن تكون متعددة الجنسيات، لذا ظهرت بمظهرها المتعدد وصارت انعكاسا ملموسا من الأفكار الاجتماعية والثقافية في عصر النهضة، والتي تم قبولها بقوة في بولندا. وقد تجسد ذلك من خلال إنشاء جامعة زاموسك الاكاديمية من قبل مؤسس ومالك المدينة.
 

وكان قائد الجيش او ما يطلق عليه  "هتمان" وهو الشخصية المثالية ، المستشار البولندي "يان زامويسكي" مؤسس زاموش ، التي أرادها منذ البداية مدينة جميلة وحديثة ومركزا اقتصاديا قرر بناء زاموسك على غرار المدن التجارية الايطالية. لذا دعا المهندس المعماري الإيطالي، برناردو موراندو الذي كان يعمل بالفعل في وارسو، لتصميم مدينة بوظيفتين: مركز تجاري وسكن لأسرة "هيتمان" اي الاقطاعي مالك المنطقة.استمر البناء لمدة تسع سنوات من 1582-1591 .

 قسم موراندو البناء إلى قسمين مختلفين: في الغرب الإقامة النبيلة، وعلى الجانب الشرقي من البلدة إقامة العامة،  وجاءها التجار من مختلف الجنسيات نتيجة للتسامح الديني الكبير الذي شجع الناس على الاستقرار هناك. ولم تشكل الجذور السلافية للكنيسة الأرثوذكسية فيها عقبة للآخرين، فجاءها الأتراك والأرمن واليهود وغيرهم. وعلاوة على ذلك افتتحت فيها الأكاديمية  أو الجامعة الخاصة بها سنة (1595)، على غرار المدن الايطالية.

 في زاموش هناك شبه في البناء المعماري بعدة مدن في جميع بلدان أوروبا الوسطى بولندا، تشيك، سلوفاكيا، المجر، وفي مناطق ألمانية معينة مثل مدينة هابشتاد هال التاريخية الجميلة. وكذلك في جزء من النمسا وأيضا في أوكرانيا المجاورة حيث تتآخى مدينة زاموش مع مدينتين أوكرانيتين هما لوتسك أو ( ووتسك) و ( جوتكييف) أو (زهوفكافا). كما تتآخى مدينة زاموش مع مدن أخرى في انكلترا ورومانيا وألمانيا. تعتبر مدينة زاموش او زاموسك من الأمثلة البارزة على فن العمارة والعمران البولندييين في القرنين 16 و 17.

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 01-07-2012