في ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا 30 سنة ولن ننسى

بقلم نضال حمد

 

مقدمة

 صباح مثل هذا اليوم 15-9-1982 نهضنا من نصف نومنا في الفاكهاني ببيروت الغربية المحاصرة، لنجد الدبابات الصهيونية مرابطة ومتموقعة تحت شرفاتنا ومقابل منازلنا، قرب الجامعة العربية وفي كلية الهندسة والمدينة الرياضية وفي مكتب الرئيس الراحل ياسر عرفات خلف كلية الهندسة،وعلى حدود مخيمي صبرا وشاتيلا.وفي دوار الكولا ومناطق أخرى كثيرة من بيروت الصمود والشموخ والحصار الطويل.

كنا نتوقع ذلك بعد اغتيال اللعين الخائن بشير الجميل.

قمنا نحن الشباب او الشبيبة فتيانا وفتيات وكل من تبقى في بيروت ولم يرحل مع المقاتلين الفلسطينيين بحرا الى شتات جديد، أقول كل من تبقى على الأقل من التنظيم الذي عرفته وكنت جزءا منه ( جبهة التحرير الفلسطينية) التي كان امينها العام الشهيد طلعت يعقوب ، ونائب امينها العام الشهيد ابو العباس ، وعضو امانتها العامة ومكتبها السياسي آنذاك الرفيق عبد الفتاح غانم - أبو ناصر. هذا الأخير الذي رفض الانسحاب من بيروت والذي كان القائد في هذه المواجهة بحكم أنه أعلى مرتبة قيادية بقيت في لبنان. واعتقل بعدها من قبل المخابرات اللبنانية وبقي في السجن لأكثر من سنة ونصف.  وكذلك اعتقل معه اثنان من قادة الجبهة هما الصديقان أبو نضال الأشقر نائب أمين العام الجبهة حاليا ، ومحمد ياسين عضو قيادتها المركزية ومسئول ساحة لبنان. فيما استطاع الرفيق والصديق علي عزيز - أبو باسل - الناطق الرسمي باسم الجبهة حاليا وعضو لجنتها المركزية في ذلك الوقت، التخفي وقيادة الجبهة تحت الاحتلال في لبنان. الى أن استطاع الوصول لاحقا الى الجزائر فدمشق.

قمنا باستطلاع أماكن تواجد الصهاينة ثم شننا عليهم هجمات أخرجتهم من كلية الهندسة ومنزل الراحل عرفات و ثكنة ال17 ، وأعادتهم الى شارع بيروت - صيدا قرب المدينة الرياضية ومحطة أبو سعيد والكولا ومقر الانروا حتى السفارة الكويتية. فيما أصبح خط التماس والمواجهة بيننا وبينهم في تلك المنطقة وكانت دباباتهم تتمركز مكان حاجز الكفاح المسلح الفلسطيني على مدخل الفاكهاني قرب المدينة الرياضية والطريق المؤدي الى مخيمي شاتيلا وصبرا وحي الداعوق. هناك خضنا معركة غير متكافئة استمرت عملياً من الخامس عشر الى وحتى السابع عشر من أيلول سبتمبر 1982 . .

بدورنا كنا المجموعة الوحيدة شبه المنظمة والأكثر عددا مع أنه كان عددنا قليل ، كنا نحو 20-30 من الرفاق والرفيقات الفلسطينيين واللبنانيين والعرب. كان معنا فدائيات وفدائيون من جبهة التحرير الفلسطينية فلسطينيون وأردنيون ولبنانيون وسوريون ومصريون وتونسيون. وهنا لا بد أن أذكر بعض الأسماء للتاريخ ، لأن هؤلاء المقاومين يجب ان يذكرهم التاريخ.منهم-ن: الرفيقة سمر من مصر ، الرفيقة غادة من سورية ، الرفيقة مريم من لبنان ،الرفيق أبو رفيق التونسي ، الرفيق بدر ، الرفيق أبو خليل ، الرفيق محمد شاتيلا ، الرفيق فرج شاتيلا ، الرفيق جورج شاتيلا، الرفيق جميل ابن جبل العرب في لبنان وشقيقه الرفيق سمير، الرفاق عبد القادر ، جمال العلعل ، خالد ابو عنتر والشهيد وائل الخطيب وكلهم من مخيم عين الحلوة. وكذلك الرفيق الشهيد محمد علي - أبو الفدى - لبناني استشهد بنفس الصاروخ الذي أطلقته دبابة الميركفاه وأصبت أنا أيضا فيه. وكان ذلك حوالي الساعة العاشرة أو العاشرة والربع صباحا بتوقيت بيروت يوم 17-9-1982 . وبالضبط على جدار ثكنة ال 17 في الفاكهاني، حيث كانت المسافة التي تفصل بيننا وبين الدبابات الصهيونية لا تتجاوز العشرين مترا. وقام كل من أبي رفيق التونسي وبدر وعبد الفتاح غانم بتغطية عملية إسعافنا وإيصالنا الى اقرب منطقة آمنة ثم الى مستشفى غزة في مخيم شاتيلا. وكان أيضا ضمن المسعفين الرفيق أبو خليل وهو عم الشهيد محمد علي ، ابن بعلبك مدينة التاريخ والقدم في لبنان. الذي استشهد معي في نفس المكان.

 لم أعد الآن اذكر من كان معنا أيضا من الرفاق والرفيقات لذا اعتذر لمن نسيت ذكر أسماءهم-ن.. ولكن للتاريخ أقول انه كان معنا هناك في محور المدينة الرياضية - الفاكهاني - الكولا، أيضا أخ واحد من فتح ، أخ واحد من منظمة أنصار الثورة وأخ واحد من قوات صلاح الدين. وكان هناك أيضا شهيد سقط في المعركة مع الصهاينة على مفرق الداتسون قرب مكتب طوارئ جبهة التحرير الفلسطينية وكلية الهندسة ، أيضا لم أعد أذكر اسمه وجنسيته.

وفي مكان آخر قريب منا كان هناك الرفيق غازي ابن مخيم برج الشمالي. ولا أدري إن كان د. البرقاوي كان مازال موجودا في المستوصف أم غادر مع آخر دفعة مقاتلين غادرت لبنان في بداية شهر أيلول - سبتمبر 1982 . وكان هناك آخرين في منطقة قريبة أيضا ولكنهم لم يكونوا معنا على خط المواجهة الأول حيث رابطت مجموعتنا المتقدمة.

كان هناك ايضا بعض الرفاق من أبناء شاتيلا وصبرا وبرج البراجنة الذين قاتلوا مع رفاق لهم من الجبهة الشعبية ، وجبهة التحرير العربية بقيادة صديقي الشهيد فيما بعد محمد حسين أحد القادة التاريخيين لمخيم شاتيلا وصموده أثناء حرب المخيمات فيما بعد، حيث استشهد هناك في قلب المعركة والحصار.. أذكر أن محمد حسين بعد خروجي من العلاج في مستشفى الجامعة الأمريكية في فبراير- شباط 1983 ، حملني أنا وعربتي النقالة ، هو و شقيقه الشهيد أيضا فيما بعد بحرب المخيمات، وصعدا بي درجا الى غرفة خاصة بمنزل العائلة  بمخيم شاتيلا، حيث عرض أمامي فيلم فيديو عن المجزرة والحرب الأخيرة ، ظهرت فيه أنا بعد إصابتي وكنت متروكا وحيدا في مستشفى غزة بعد عملية إنقاذ حياة أجرتها الدكتورة البريطانية من أصل ماليزي سو شاي انغ ومساعدتها الممرضة الأمريكية اليهودية ايلين سيغل التي كانت بدورها متطوعة كممرضة في مستشفى غزة أثناء وقوع المجزرة. وقد ساهمت الين سيغيل كما د. تشي في انقاد حياتي عبر إصرارهما لدى الصليب الأحمر على نقلي من المستشفى الى مكان آمن آخر، كان أولا مستوصف اللاهوت في شارع الحمراء ببيروت ، لكن هناك تدهورت حالتي بعد ثلاثة أيام وأصابتني غرغرينا أدت إلى بتر ما تبقى من ساقي المبتورة. وفي مستوصف اللاهوت لم اكن بوضع صحي يسمح لي بتذكر الكثير، لكن تعرف علي احد الممرضين وهو فلسطيني من بلدتي الصفصاف ومخيمي عين الحلوة ، انه الأخ طلال فرهود. كما هناك زارني وعرف بمكاني العم أبو إسماعيل حمد وعائلته ،والتي كانت أيضا سببا في عدم عذابي أكثر مما تعذبت بعد إصابتي، إذ أنهم احتضنوني لأشهر عديدة. المهم بعد اللاهوت نقلت الى الجامعة الأمريكية وتابعت الين سيغل زيارتي هناك وفي احد الأيام طلبت مني عنوان والدتي واسمها ولا ادري لغاية اليوم لماذا.  كما كان هناك أيضا ممرضتان واحدة نرويجية والأخرى سويدية عملتا مع الهلال الأحمر الفلسطيني في لبنان ، شاءت الصدفة أن التقي بهما في أوسلو بمؤتمر فلسطيني بعد 25 سنة من المجزرة  وهذه قصة أخرى نتركها للحديث عنها فيما بعد. المهم أنني رأيت نفسي في الفيلم عند الشهيد محمد حسين ، وكنت في سرير ابيض مغطى ببقع الدم الحمراء ، وكانت النافذة مفتوحة على مصراعيها والريح تعصف بالغرفة ، وكنت أتفوه وأتمتم بكلمات غير مفهومة ، لا أدري ماذا قلت، كانت كلماتي غير مفهومة.

هناك أيضا جنديات مجهولات وبطلات فلسطينيات من بنات مخيماتنا  هن : الممرضة دنيا التي بقيت تساعدني وتعنى بي مع الأختين نيرمان و زاهرة . كما كانت هناك الأخت نهاد والزهرة ناديا. ووالدة كل الفدائيين الفلسطينيين والعرب ، العمة الراحلة أم إسماعيل حمد. يجب أن اذكرهن واذكر تضحياتهن وبطولاتهن في تلك الساعات. وسوف نتحدث عن ذلك في رواية أخرى.

بعد انتهاء الفيلم الذي شاهدت نفسي فيه ، وضع الشهيد محمد حسين كاسيت فيديو وشاهدنا معا مسرحية مدرسة المشاغبين وأذكر أنني كنت من كثر الضحك أتألم واشعر بالألم في جراحي. كان يوما رائعا يا محمد رحمكما الله آنت وشقيقك الشهيد. أسوأ ما في الأمر كله أن محمد استشهد وكذلك شقيقه ورحلت والدته عن الحياة ودمر مخيم شاتيلا ومنزل العائلة وضاع الفيلم المذكور.

  اذكر انه في البداية ، في اليوم الأول للمواجهة ، كانت هناك مجموعة تابعة للحزب الشيوعي اللبناني قاتلنا معا على محور الكولا الجامعة العربية ، واذكر ان احد أفرادها أصيب في رقبته بطلقة قناص صهيوني وكان ذلك قرب مبنى إذاعة صوت الثورة الفلسطينية خلف منزل الشهيد القائد طلعت يعقوب في شارع عفيفي الطيبي. هذا الشارع كان قبل سنة تعرض لسيارة مفخخة أسفر انفجارها عن مقتل وجرح المئات ومنهم الحاج سامي ابو غوش احد قادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. واصيب فيها بجراح الرفيق الراحل طلعت يعقوب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية ، الذي رفض الإعلان عن إصابته كي لا يحقق الأعداء نصرا إعلاميا بإصابته وباستشهاد الحاج سامي كذلك. وانا كذلك أصبت يومها بجرح طفيف جراء تناثر الزجاج نتيجة الانفجار.

الشاب الذي أصيب في رقبته كان على ما أظن من الحزب الشيوعي اللبناني وهرعت لسحبه وإسعافه ، ثم شاهدت سيارة مدنية لبنانية طلبت من الذين كانوا بداخلها ان ينقلوه الى مستشفى المقاصد القريب فرفضوا مما اضطرني لشهر السلاح بوجههم ووضعه في السيارة بالقوة. ثم عدت الى موقع المواجهة عند كلية الهندسة دون ان اعلم ما حل بالشاب الجريح. اذكر فقط أنه كان شابا طويل القامة.

البقية تتبع

 غدا وبعد غد 

(نضال)

 

بعض الصور ذات العلاقة بالذكريات والشهادة الشخصية

د. سو شاي انغ ومساعدتها الممرضة الأمريكية اليهودية ايلين سيغل في فلسطين المحتلة

-

-

مع صديقي وابن مخيمي عين الحلوة غسان خليل في مخيم شاتيلا 1983

مع الشهيد وائل الخطيب والراحلة أم إسماعيل حمد في شباط 1983 بمخيم شاتيلا

مع والدي ووالدتي في مخيم شاتيلا سنة 1983

هكذا عدت الى الحياة

 
 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 15-09-2012