سعاد سرور «تنادي... من تنادي؟» - عبير حيدر



ترجع أصول سعاد سرور إلى قرية الناعمة في سهل الحولة شمال فلسطين. لم يكن يفكر أحدٌ من هذه العائلة الفلسطينية في المصير الذي سيواجهونه في مخيم شاتيلا بين ليلتي 16 و18 أيلول 1982. ما جرى لتلك الفتاة الفلسطينية ذات السبعة عشر ربيعاً آنذاك يصعب تخيله، حتى في أكثر الأفلام رعباً. فقدت سرور اثني عشر فرداً من عائلتها أمام عينيها، وتعرضت للاغتصاب عدة مرات وهي مصابة. وعلى الرغم من جراحها التي لا تزال آثارها بادية على جسدها حتى الآن، لم تصمت، بل حملت آلامها وصوت أحبتها الذين غابوا، وجعلت من فكرة تحقيق العدالة وملاحقة المسؤولين عن المجزرة هدفها وهاجسها الأول.

الآلام التي تعرضت لها سعاد سرور، لا يمكن نسيانها، فهي مثل جميع الناجين من هذه المجزرة، ما برحت تحمل الذكرى، وتحافظ على توهجها. والجميع يروون ما حصل معهم، مراراً وتكراراً من دون تعب. وكأن صرخات الأطفال ما زالت تدوي في زوايا المخيم، ورائحة الدم الطازجة، ونظرات الألم في كل مكان تستجدي الحياة. أبرياءٌ ماتوا بسبب الحقد والعنصرية والفاشية التي فجرتها ميليشيات القوات اللبنانية في أجساد نساء المخيم وأطفاله وشيوخه، بحماية الجيش الإسرائيلي الذي حاصر المخيم، ومنع الأهالي من الخروج منه على مدى ثلاثة أيام.

تفصيلات الليلة الرهيبة

تذكر سعاد سرور تفصيلات تلك الليلة التي عاشتها وعائلتها التي لم ينج منها إلا القليل، فتقول: «الأربعاء (16 أيلول 1982)، بعد مقتل بشير الجميل، سمعنا المروحيات الإسرائيلية تحوم فوق المنطقة على ارتفاع منخفض. ومساء الاربعاء بدأ الإسرائيليون يطلقون القنابل المضيئة التي أضاءت المخيم، فنزل بعض أصدقائي إلى الملجأ. الخميس مساءاً ذهبت مع أخي ماهر نتفقد أصدقائي ونعرض عليهم المجيء إلينا والمبيت عندنا، وفي الطريق اكتشفنا أن الشارع مليء بالجثث. ذهبت الى الملجأ ولم أجد أحداً، فعدنا. فجأة رأيت جارنا مصاباً، وملقى على الأرض. سألته عن الأصدقاء، فأجاب أنهم أخذوا الفتيات، وطلب مني أن أساعده لكنني لم أتمكن من إسعافه، وعدت فوراً إلى المنزل برفقة أخي. مباشرة أخبر ماهر أبي بأن هناك مجزرة.

عندما عرف أبي ذلك قال: يجب أن نبقى في المنزل، كان جارنا عندنا، بقينا في المنزل طوال الليل. الجمعة صباحاً صعد أخي بسام وجارتنا إلى السطح لرؤية ما يجري، ولكن القَتَلة رصدوهما فوراً، فنزلا مباشرة إلى المنزل. بعد لحظات، تبعهما نحو 13 رجلاً إلى المنزل وطرقوا الباب. سأل أبي عن هويتهم فأجابوا بأنهم اسرائيليون. نهضنا لنرى ما يريدونه وقالوا: ما زلتم هنا، وسألوا أبي إذا كان لديه شيء. قال إن لديه مالاً، فأخذوا المال وضربوا أبي. سألتهم لماذا تضربون رجلاً مسناً؟ فضربوني. صفونا في الصالون أمام الحائط وأطلقوا النار علينا. الذين ماتوا ماتوا، أنا وأمي بقينا في قيد الحياة. اختبأ شقيقاي ماهر واسماعيل في الحمام. عندما خرج القَتَلة من المنزل، بدأت أنده على إخوتي كل بإسمه. وعندما كان أحدهم يجيب كنت أعرف أنه لم يمت.

تمكنت أمي وأختي من الفرار من المنزل ولكني كنت عاجزة عن ذلك. بعد دقائق وفيما كنت أتحرك، عادوا، قالوا لي: ما زلت حية وأطلقوا النار عليّ من جديد. وكنت مصابة وأنزف عندما اغتصبوني. لقد قاموا بعملية الاغتصاب أمام والدي الجريح قبل قتله، وقبل أن ينسحبوا من المنزل أطلقوا علي عدة رصاصات في محاولة لقتلي كي لا أبقى شاهدة على جريمتهم. تظاهرت بأنني مت، وفي الليل استيقظت وبقيت حتى يوم السبت، جررت نفسي زاحفة حتى منتصف الغرفة وغطيت الجثث. وفيما كنت أمد يدي لتناول إبريق الماء. جاؤوا وأطلقوا النار، لم أشعر إلا برصاصة في يدي وبدأ الرجل يشتم ويكفر. جاء آخر وضربني على رأسي بالبندقية، فأغمي علي وفقدت إدراكي والقدرة على النطق. بقيت على تلك الحال حتى يوم الأحد عندما حضر جارنا وأنقذني».

فقدت سعاد سرور أباها وثلاثة أشقاء، وأختين. وقال الأطباء الذين أشرفوا على علاجها في الفترة الأولى بعد المجزرة: «»ما زالت تعاني الانهيار العصبي الذي أصابها وما زال عندها ميل إلى الانتحار». لقد خضعت لعمليتين جراحيتين لإخراج الرصاصات التي استقرت في ظهرها، لكن الأطباء عجزوا عن إخراج إحدى الرصاصات التي لا تزال مستقرة في عمودها الفقري. ما تركها نصف مشلولة.

بعد تسعة عشر عاماً، حملت سرور جرحها إلى بلجيكا لتفضح هول المجزرة، وتنقل أصوات من غابوا وطمرتهم الجرافات الإسرائيلية، أو اختفوا ولم يُعرف عنهم أي شيء حتى يومنا هذا. فبعد تعديل قانون «محاكمة مجرمي الحرب والإبادة الجماعية» البلجيكي سنة 1999، والذي صار يسمح للمتضررين من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية رفع دعاوى ضد مرتكبي هذه الجرائم؛ بغض النظر عن جنسية الضحية أو المعتدي أو المكان الذي يُرتكب فيه هذا النوع من الجرائم، توجهت سرور مع محاميها شبلي الملاط إلى بلجيكا سنة 2001 لتوجيه الاتهام لآريئيل شارون (كان وزيراً للدفاع في أثناء اجتياح بيروت 1982)، وكانت شهادتها جزءاً من شهادة 28 ضحية ممن نجوا، وقاموا بالادعاء بالحق المدني ضد شارون، وضد جميع الاسرائيليين واللبنانيين المسؤولين عن المجازر والمذابح والاغتصاب والإخفاء التي ارتكبت بحق السكان المدنيين في بيروت.

ويعتبر شارون المسؤول الرئيسي عن المجزرة، فهو الذي أرسل ميليشيات «القوات اللبنانية» إلى مخيمي صبرا وشاتيلا، فذبحوا آلاف المدنيين العزل. ومن المرجح أن يكون قرار السماح «للقوات اللبنانية» بـ«تنظيف» المخيمات الفلسطينية قد اتخذ خلال لقاء بين أرييل شارون وبشير الجميل في بكفيا في الثاني عشر من أيلول.

لطخت مجزرة صبرا وشاتيلا جبين الإنسانية، فهي واحدة من أكبر جرائم القرن العشرين، ومن العار ألا تتمكن العدالة من ملاحقة المجرمين ومعاقبتهم. بل صار المجرم يلاحق من يقاضيه. ففي العام 1987 رفع شارون دعوى قضائية ضد مجلة «تايم» الأميركية لنشرها مقالة تشير إلى تورطه في المجزرة. وسرعان ما تراجعت المجلة عن موقفها، وأعلنت أن المعلومات المنشورة كاذبة. كما أسقطت محكمة الاستئناف البلجيكية في تموز 2002 القضية التي رفعتها سعاد سرور ومن نجا معها ضد شارون، بحجة عدم اختصاص القضاء البلجيكي فيها.

لم يُقدم أحد من المتهمين الى أي محكمة. فإيلي حبيقة وهو من المتهمين الأساسيين اغتيل في بيروت سنة 2001، وشارون أصيب بجلطة دماغية في العام 2006، أدخلته في غيبوبة لم يصح منها حتى الآن.

إذا كان العالم طوى صفحة هذه المذابح ونسي ضحاياها، ولم يلاحق أو يعاقب مرتكبيها على الرغم من مرور 30 عاماً عليها، فإن الحياة التي تمسكت بها سعاد سرور، جعلت منها شاهداً على الجرح، ليبقى ما حصل لها وللمئات من الأسر الفلسطينية، محفوراً في الذاكرة.

تعيش سعاد سرور حالياً في بلجيكا، وقد أفقدتها الحادثة قدرتها على العيش حياة طبيعية لإصابتها بإعاقة مستديمة، كما أفقدتها قدرتها على الإنجاب. وما زالت الفظائع التي حلّت في مخيمي صبرا وشاتيلا «هوية عصرنا حتى الأبد» كما قال الشاعر محمود درويش.

* الضحية الناجية من مجزرة صبرا وشاتيلا

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 15-09-2012