ذكريات ناجٍ من مجزرة - عن صحيفة "فصل المقال"


يستعيد الصحفي والناشط السياسي البارز نضال حمد، المقيم في النرويج، في حديثه ل"فصل المقال"، مشاهد المجزرة، التي عايشها وأصيب خلالها بجراح بالغة اضطرت الأطباء لبتر ساقه، ويحكي لنا الروايات التي سمع عنها من الآخرين، ليعيدنا إلى صبرا وشاتيلا التي اقتحمها مغول العصر وارتكبوا أفظع الجرائم، ويشاركنا بالمعلومات التي توفّرت لديه عن المجزرة.

يطالب حمد العرب والفلسطينيين بفتح هذا الملف دوليا، والعمل بشكل جدّي لتقديم مرتكبي الجريمة للمحاكمة والقصاص، وإلى إبقاء ذكرى المجزرة شاهدًا على المأساة الفلسطينية، وجذوة الحلم الفلسطيني بالتحرير والعودة مشتعلة.

فصل المقال: ماذا علق في ذهنك من تلك الأيام المريرة

حمد: "حقيقة المشاهد كثيرة من صبرا وشاتيلا وكلها عالقة في الذاكرة ومازالت غصة في الحلق وجرح في القلب لا يندمل ولن تتمكن السنين من علاجه".

"أذكر صور الرجل العجوز الذي كان ملقى على الشارع ومضرجا بدمائه وساقه الخشبية ملقاة بالقرب منه. واذكر صور بعض الفتيات اللواتي قتلن ببشاعة واللواتي اغتصبن بوحشيّة قبل الإجهاز عليهن بأساليب قتل سادية. واذكر قصص عن الأطباء والممرضات اللواتي اغتصبن وعذبن حتى الموت، وعن الحوامل اللواتي قام الفاشيون أتباع بشير الجميل وايلي حبيقة وسمير جعجع و سعد حداد وأبو أرز ببقر بطونهن وانتزاع وإخراج الأجنة وقتلهم. أذكر الملاجئ التي احرقوها بقنابل النابالم كما فعلوا في شاتيلا بملجئ حي فرحات. وأذكر قنابل الإضاءة الإسرائيلية التي استمرت المدافع والدبابات والسفن الحربية والطائرات الصهيونية بإلقائها فوق المخيمين على مدار ليلتين كاملتين في 16 و17 أيلول 1982 لتسهيل الرؤية وتجول القتلة والجزارين في المخيمين".

"وأذكر هدير جنازير الدبابات والجرافات الإسرائيلية التي كانت تحفر الحفر لدفن الموتى أحياء وجماعيا في المدينة الرياضية. واذكر إصابتي وانفجار الصاروخ أو القذيقة التي أطلقتها دبابة إسرائيلية على مدخل شاتيلا من جهة الفاكهاني والمدينة الرياضية، قرب المفرق المؤدي الى جسر الكولا ومقر الانروا هناك. حيث أصبت أنا واستشهد صديقي اللبناني محمد علي ابن مدينة بعلبك اللبنانية، ونحن نحاول إيقاف قصف وتقدم الدبابات باتجاه مخيم شاتيلا".

أين كنت حينما بدأ الهجوم على المخيمين؟

"كنت على مدخل شاتيلا في منطقة لم يستطع الجيش الصهيوني التقدم منها الى شاتيلا بسبب شراسة وبسالة مقاومتنا له هناك من 15-9 وحتى 17-9 - 1982 حيث علمنا ليل 16-9 ببدء المذبحة على أطراف المخيمين من جهة مستشفى عكا وحي فرحات وأماكن أخرى. بالإضافة لورود معلومات إلينا من قلب شاتيلا وصبرا بأن مجزرة تدور في المخيمين وأن المدينة الرياضية التي كانت تتمركز فيها دبابات الصهاينة هي أيضا مكان للقتل الجماعي. علمنا ليل الخميس 16-9 أن المهاجمين قتلوا وقاموا بتصفية بعض العائلات اللبنانية والفلسطينية في شاتيلا وصبرا. ورأينا الإضاءة المستمرة بشكل متواصل وبلا توقف من الإسرائيليين ففهمنا أن هناك في الأمر شيء ما خطير يدور في المخيمين. تبين فيما بعد أنها مذبحة العصر التي خطط لها شارون مع الفاشيين اللبنانيين أتباع بشير الجميل. وبشير الجميل هو المسئول أيضا عن مجزرة مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا وضبية صيف سنة 1977 في الحرب الأهلية اللبنانية ويومها أيضا كان يتلقى المساعدة من كيان الاحتلال الإسرائيلي".

لا شك بأنك استمعت أيضا لكثير من الروايات حول المجزرة، أيها أثر فيك كثيرا؟

"قرأت شهادات كثيرة وسمعت روايات كثيرة منها رواية سعاد سرور التي اغتصبت وعذبت وأصيبت بعاهة جسدية دائمة، وهي تعيش الآن في بلجيكا حيث رفعت عبر مؤسسات حقوقية دعوة ضد إسرائيل وشارون ولكن تواطؤ الأوروبيين مع الصهاينة أفشل الدعوة وقامت بلجيكا ودول أوروبية أخرى بإجراء تعديلات وتغييرات بقوانينها تمنع محاكمة الصهاينة على جرائم الحرب البشعة التي ارتكبوها على مر عشرات السنين بحق الفلسطينيين واللبنانيين والعرب أيضًا. فمن حق العراق رفع دعوة قضائية ضد الصهاينة وكذلك تونس والسودان وسورية والأردن ومصر ولبنان والفلسطينيين بسبب الجرائم التي ارتكبها هؤلاء في تلك الدول. هناك أيضا رواية القتلة أنفسهم حيث يصف أحدهم كيف ارتكبوا المذبحة وكيف قام بقتل الأطفال بدماء باردة. هناك قصص كثيرة من صبرا وشاتيلا تدمى لها القلوب قبل الأعين".



هل يمكنك أن تلخص لنا ظروف إصابتك وعلاجك ومحطاته؟

تلقينا قذيفة مباشرة أنا وصديقي اللبناني محمد علي، في المنطقة الواقعة بين صبرا وشاتيلا والفاكهاني، حاولت بعد الإصابة أن أكلم محمد الذي كان مصابا بصدره فيما أنا بالساقين، لكن محمد كان عاجزا عن الكلام، حاولت الزحف باتجاهه ولم أتمكن وفي تلك اللحظة رأيت محمد يلفظ أنفاسه الأخيرة، فتذكرت نفسي وإصابتي البليغة ورأيت ان ساقي اليسرى ممزقة ومقطعة من القدم وحتى الركبة وساقي الأخرى أيضًا مصابة إصابة بليغة. وكنت أسبح في بحر من الدم، أنقذني رفاقي الذي أوصلوني إلى مستشفى غزة في مخيم شاتيلا. وفي الطريق عثروا على شهيد آخر وضعوه في صندوق السيارة وهكذا وصلت الى مستشفى غزة، شهيد أسفل الصندوق وأنا بالوسط وشهيد آخر أعلى الصندوق. أذكر انني كنت شديد الحماسة وأردد شعارات ثورية مثل لن نسمح لهم بدخول بيروت ومخيماتنا... رجلي راحت فداء لبيروت، فداء لفلسطين، قولوا لأمي لا تبكي ..حتى أن إحدى الصديقات التي رأتني في مستشفى غزة يومها، وهي بالمناسبة ناقلة تلك الكلمات على لساني قالت أيضا إنه وأنا نصف غائب عن الوعي وفي سرير كان مثل بركة دم سألتها عن شقيقيها الشهيدين فيما بعد منير وزاهر السعدي. وهما من أبطال معركة غير متكافئة أبدا بين نحو خمسين فلسطينيًا أرادوا حماية نساء وعجزة وأطفال المخيمين في صبرا وشاتيلا في مقابل آلاف الصهاينة والكتائبيين وقوات جيش لبنان الجنوبي العميل وكل آلتهم الحربية".

"في مخيم شاتيلا تم إجراء عملية إنقاذ حياة لي من قبل الدكتورة سوي شاي انغ، الدكتورة البريطانية من أصول آسيوية، ومساعدتها الممرضة الأمريكية اليهودية الين سيغل. وقد شهدتا ضد "إسرائيل" في لجنة "كاهن" التي شكلها الكيان الصهيوني للتحقيق بالمجزرة. وهما اليوم موجودتان في صبرا وشاتيلا وتشاركان في إحياء الذكرى الثلاثين للمجزرة".

"كانت إصابتي خطيرة جدًا وأدت إلى بتر ساقي اليسرى وإحداث عدة كسور في ساقي اليمنى. وأصبت بسبب نقص الدواء والماء والكهرباء في مستشفى غزة وبسبب حدوث المجزرة هناك أيضا بالغرغرينا مما استدعى نقلي من هناك الى مستشفى ميداني اسمه اللاهوت في بيروت. وساءت هناك حالتي أكثر فنقلوني إلى الجامعة الأمريكية لعيادة تابعة الصليب الأحمر الدولي. وفي هذا الوقت كنت فقدت ما تبقى من ساقي المبتورة بسبب الغرغارينا. فأصبح البتر كليا ولم يبقى أي شيء من ساقي اليسرى".

"علمت بعد خروجي ونقلي من مستشفى غزة أن الفاشيين دخلوا الى المستشفى وكذلك الى مستشفى عكا وقتلوا جميع الأطباء واغتصبوا الممرضات الفلسطينيات ثم أعدموهم، ثم قاموا باختطاف وقتل المرضى الفلسطينيين في المستشفيين ومنهم مجموعة من الأطفال. فيما أخلوا سبيل الأطباء الأجانب والممرضات الأجنبيات، وكانت هناك الطبيبة البريطانية وممرضات من النرويج، السويد، فنلندة، فرنسا وسويسرا وأمريكا".

"بعد ذلك سافرت الى ايطاليا وتعالجت هناك على نفقة الحزب الشيوعي الطلياني العريق. الذي كان من أكبر المؤيدين للشعب الفلسطيني في أوروبا كلها سواء الغربية او الشرقية آنذاك. وبقيت أتعالج في ايطاليا عدة شهور. اتذكر زيارة الرئيس الطلياني إلى لبنان ومكان المجزرة وتعليقه بالقول: "لكن القتلة في إسرائيل مازالوا موجودين ولم يحاسبوا". في ايطاليا بعد شهور من العلاج والتنقل بعربة متحركة ثم عكازين، عدت إلى سورية فلبنان بساق اصطناعية وعلى عكازة واحدة. مازلت لا استطيع السير بدونها حتى يومنا هذا..".

لم تحظ مجزرة صبرا وشاتيلا بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه عالميا، ما هي الأسباب؟

"لا بالعكس، في بداية الأمر حظيت المجزرة بتغطية إعلامية كبيرة جدا سواء في لبنان والعالم العربي أو في العالم الغربي وبالذات الأوروبي في ايطاليا وفرنسا والنرويج وكل اسكندنافيا. والسبب هو ان بعض مواطني تلك الدول كانوا هناك وشهدوا على المجزرة. وكذلك وصول صحافيين إلى المخيمين ونقلهم للفظائع والبشاعة وأحداث المذبحة وصور الضحايا. مثلا كان أول الواصلين الى صبرا وشاتيلا من الإعلاميين الغربيين كبير مراسلي التلفزيون الرسمي النرويجي "انركو" في بيروت "اود كاشتن تفايت"، هذا الشخص كان ينقل الصور من صبرا وشاتيلا ويعلق عليه باكيا. وهو أول مراسل غربي نقل صورا من شاتيلا وصبرا أثناء المجزرة. وألف كتابا عن ذلك. ووصل فيما بعد أيضا روبرت فيسك والفرنسي ألان غراش وآخرين. وكانت شهادات الأجانب حاسمة في إدانة "إسرائيل" وتحميلها جزء كبير من المسؤولية عن المجزرة".

لا زال المجرمون طلقاء، ولم يحاكم جزارو صبرا وشاتيلا، كيف تفسر ذلك، وما هو المطلوب فلسطينيا وعربيا لإعادة فتح هذا الملف؟
المطلوب متابعة فتح هذا الفتح عربيًا وفلسطينيًا ولبنانيًا لأن المجزرة وقعت ضد مخيمين فلسطينيين في لبنان والضحايا من الفلسطينيين واللبنانيين وحتى بعض العرب مثل المصريين والسوريين. لبنان الرسمي لم يفتح تحقيقًا في ذلك حتى يومنا هذا. وبعض قادة الإطراف التي شاركت في المذبحة مثل سمير جعجع وأبو أرز وغيرهم يتجولون في لبنان بكل حرية وحتى ان جعجع صار عضوا في البرلمان ويعتبر من القادة السياسيين الهامين في معسكر المعارضة اللبنانية الآن مع سعد الحريري ووليد جنبلاط وأمين الجميل".

"الكيان الإسرائيلي شكل لجنة وحققت واتخذت قرارا يبرأ إسرائيل من المسؤولية عن المذبحة، لكنها عاقبت شارون بعزله من منصب وزير الدفاع لكن الصهاينة كرموا شارون فيما بعد بانتخابه رئيسا لوزراء دولة الاحتلال. فلسطينيًا هناك تقصير كبير من الطرف الرسمي الفلسطيني سواء في السابق أو الآن. وليس هناك ما يدعو للتفاؤل فيما يخص هذا الوضع. فالحالة الفلسطينية في أسوأ حالتها وأيامها. يجب الضغط على الاحتلال الصهيوني من أجل كشف وفتح أرشيف صبرا وشاتيلا .ويجب الضغط على الحكومة اللبنانية من أجل كشف ما لديها أيضًا من وثائق فيما يخص المجزرة. فهناك مئات المخطوفين لم يكشف مصيرهم حتى يومنا هذا. وأكيد سمير جعجع يعرف أين هم وماذا حل بهم وإن كانوا اعدموا ففي أي مكان دفنوا".

ما هي الرسالة التي توجهها بهذا الموضوع، فلسطينيا عربيا وعالميا؟

"أقول للفلسطينيين وللعرب وللشرفاء والأحرار في العالم: ممنوع النسيان وممنوع التسامح وممنوع القفز فوق الجرح الكبير جرح صبرا وشاتيلا.
أقول لكل الفلسطينيين والعرب وأحرار وشرفاء العالم، طالعوا هذه الشهادة لهذا المجرم الذي شارك في مجزرة صبرا وشاتيلا .. وأنا متأكد أنها سوف تهزكم وتجعلكم تعملون ليل نهار للمطالبة بمحاسبة هؤلاء وملاحقتهم وجلبهم للعدالة".

 

*

 

 يقول المجرم :

 " أوصلونا الى المطار، وكنت على رأس فصيل يتألف من عشرين شاباً، كنّا كالضائعين، مات بشير، أعطاني أبو مشعل كميات من الكوكائين، طلب مني توزيعها على الشباب، كنا نستنشق الكوكائيين كأنه مازة، كأنّنا نأكل الفستق. ثم انحدرنا الى المخيم وبدأنا. كانت القنابل الضوئية. لم نعتقل أحداً، أو نشتبك مع أحد. كنا ندخل البيوت ونرش ونطعن ونقتل. كانت مثل حفلة،

كأننا في مخيم صيفي نرقص حول نار المخيم. النار تاتي من فوقنا، من القنابل الضوئية التي يطلقها الإسرائيليون، ونحن تحت، نقيم الاحتفال"

قال حفلة!

قال إن الرئيس جوزف عثر على ثلاثة أطفال، وطلب من أحد زملائه، مساعدته على الإمساك بهم. قال طلب من زميله ضمهم الى بعضهم بعضا، ووضعهم على الطاولة. " وسحبت مسدسي، كنت أريد أن أجرب المدى الذي تستطيعه طلقة مسدس الماغنوم". انزلق أحد الأطفال أرضا، كان الضوء يحرق العيون، طلبت من زميلي أبعاد وجهه، لم يفهم قصدي، فترك الطفلين، وخرج من البيت، تقدمت منهما، كنت أريد أن اربطهما وأبتعد، لكني لم أجد حبلا. ألصقتهما ببعضهما بعضا، ووضعت المسدس قرب فوهة الأول، وأطلقت النار، اخترقت رصاصتي الراسيين، فماتا فورا. لم أر الدم، فداخل ذاك الضوء الإسرائيلي الغريب، لم يكن من الممكن أن أرى الدم، وعندما خرجت من البيت تعثرت بالطفل الثالث الذي سقط، تراجعت وأطلقت النار على شيء صغير يتحرك، فجمد في مكانه "..

 

*

***

نيويورك تايمز وثائق أمريكية سرية جديدة حول صبرا وشاتيلا

 

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن وثائق سرية جديدة ترجح تورط جهات أمريكية في مجزرة صبرا وشاتيلا، التي وقعت عام 1982 في لبنان، وأسفرت عن مقتل ما بين 3500 و5000 شخص أعزل، معظمهم من الفلسطينيين.

 

ونُشرت الوثائق في مقال تحت عنوان "المجزرة التي كان يمكن تفاديها"، كتبها سيث إنزيسكا، وهو باحث أمريكي في جامعة كولومبيا، تمكن من العثور على مستندات تاريخية اسرائيلية  توثق أحاديثا وقعت بين مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين قبل وخلال وقوع المجزرة.

 

شارون يطمئن داربر

 

وبحسب وثيقة تعود لتاريخ 17 أيلول/سبتمبر 1982، فإن اجتماعًا كان بين وزير الدفاع الاسرائيلي أريئيل شارون، ومبعوث الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط ، مورس داربر، طمأن فيه شارون المبعوث الأمريكي من عدم توريط أمريكا في الجريمة قائلاً: "إذا كنت متخوفًا من أن تتورط معنا، فلا مشكلة، يمكن لأمريكا بكل بساطة أن تنكر الأمر أو علمها به، ونحن بدورنا سننكر ذلك أيضًا."

 

وهو ما يؤكد أن الإسرائيليين كانوا على علم بأن حلفاءهم  اللبنانيين دخلوا المخيم، وأن عمليات تصفية عشوائية قد بدأت.

 

وفي أحد اللقاءات التي جرت بين الموفد الأمريكي وشارون بحضور السفير الأمريكي، سام لويس، ورئيس الأركان الإسرائيلي رافائيل إيتان، ورئيس الاستخبارات العسكرية يهوشوا ساغي، ذكّر درابر بموقف بلاده المطالب بانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من بيروت؛ فما كان من شارون إلا أن رد قائلاً: "إن الإرهابيين لا يزالون في العاصمة، ولدينا أسماؤهم، وعددهم يتراوح ما بين 2000 و3000"، متسائلا: "من سيتولى أمن المخيمات؟"، وجاء رد داربر بأن الجيش وقوى الأمن اللبناني ستفعل.

 

"نود منكم الرحيل.. دعوا اللبنانيين يتصرفون"

 

وبعد مفاوضات توصل الطرفان إلى اتفاق يقضي بانسحاب إسرائيل من لبنان، لكن بعد 48 ساعة، حيث سيكونون طهروا المخيمات.

 

ولم يترك شارون  طاولة الاجتماع إلا بعد أن تأكد من خلو الاتفاق من أي التباس، شارحا بالاسم المخيمات التي سيدخلها لتصفية "الإرهابيين"، وهي صبرا وشاتيلا، برج البراجنة،  والفكهاني، وعندها بادره درابر بالقول: "لكن البعض سيزعم بأن الجيش الإسرائيلي باق في بيروت لكي يسمح للبنانيين بقتل الفلسطينيين."

 

فما كان من شارون إلا أن رد قائلاً: "سنقتلهم نحن إذاً، لن نبقي أحداً منهم، لن نسمح لكم - ويقصد للولايات المتحدة - بإنقاذ هؤلاء الإرهابيين"، وبسرعة رد داربر قائلاً: "لسنا مهتمين بإنقاذ أحد من هؤلاء"، فكرر شارون ثانية: "إن كنتم لا تريدون أن يقتلهم اللبنانيون فسنقتلهم بأنفسنا"، فأعاد عندها السفير درابر موقف الحكومة الأمريكية قائلاً: "نود منكم الرحيل.. دعوا اللبنانيين يتصرفون".

 

بعد هذه المحادثة بثلاث أيام بدأ الانسحاب الإسرائيلي نهار الجمعة، 17 أيلول/سبتمبر، وشهد هذا النهار أسوء لحظات المذبحة؛ قوات منظمة التحرير الفلسطينية كانت بالفعل قد أخلت بيروت، وبعد ليلة ثانية من الرعب، الكتائب انسحبت من المخيمات في صباح السبت، وفق ما جاء في المقالة.

 

التوبيخات الأمريكية للإسرائيليين ومذكرات شولتز

 

وبعد أن أعلمه موفده بفظاعة ما جرى في المخيمات، كتب السفير درابر إلى أريئيل شارون قائلاً: "هذا رهيب، لدي ممثل في المخيمات وهو يعد الجثث، يجب عليكم أن تخجلوا"، ومن جانبه وبخ الرئيس الأمريكي ريغان رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين بعبارات قاسية غير معتادة.

 

وفي مذكراته، كان وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز الأكثر قسوة فكتب: "الإسرائيليون قالوا لنا إنهم يدخلون بيروت لتفادي حمام دم، لكنه تبين أنهم سهلوا هذا الأمر وربما أيضا تسببوا به". وأضاف أنه: "وبسبب أن واشنطن وثقت بحلفائها، وصلت إلى نتيجة عنيفة وهي أننا أصبحنا مسؤولين جزئيًّا عن المذبحة."

 

وفي ختام مقاله، كتب سيث أنزيسكا: "الدرس واضح، حينما يتصرف حليف مقرب بغير ما نؤمن به من مبادئ وقيم أمريكية فإننا لا نقوم بما يلزم لوقفه، وهو ما يقودنا إلى تحمل مسؤولية نتائج كارثية تؤثر على مواقفنا الأخلاقية، والأهم تأثيرها على الشعوب التي دفعت الثمن."

موضوعات متعلقة

-

-

-

-

-

-

 

العودة الى الصفحة الرئيسيةة

safsaf.org - 27-09-2012