فوزي أحمد النمر/ المجموعة 778: إفتح يا سمسم - بقلم: د. فيحاء قاسم عبد الهادي

"قد تظنون سادتي أنني أروي لكم قصة من عالم الخيال، أو الكتب، ولكن لأسفي الشديد، أن أحداث القصة قد وقعت بالفعل، وهؤلاء هم أبطالها: فوزي أحمد النمر، ومحمد حسين غريفات، ويوسف أبو الخير، وعبد حزبوز، وفتح الله السقا"، و"رامز توفيق خليفة".
العقيد ديفيد يسرائيلي/ أثناء مرافعته أمام المحكمة العسكرية في اللد/ معاريف/ 24/2/1970
*****
هل هي حكاية خيالية، تتحدَّث عن "المجموعة 778"،
أم حكاية عن شاطئ مهجور، على بحر حيفا، عنوانها: "من أق إلى 778/1: إفتح يا سمسم"؟!
أم قصة حياة مجموعة من الأبطال؟ أحقيقة أم خيال؟! أسطورة، أم قصة واقعية؟
وإذا كانت أحداثها واقعية، فهل يمكن للواقع أن يرتفع إلى مستوى الأسطورة؟!
هذه بعض أسئلة ألحَّت عليَّ بعد قراءة رواية "مجموعة عكا 778"، للكاتب "توفيق فياض"، منذ أعوام عديدة؛ ولكن الأسئلة وجدت بعض إجاباتها؛ بعد التعرّف إلى السمات الشخصية، والإنسانية، للمناضل "فوزي أحمد النمر"، قائد المجموعة 778، خلال لقائنا، بصحبة زوجته المناضلة "فاطمة برناوي"، في القاهرة، أواسط الثمانينيات. كان بسيطاً ومتواضعاً وحنوناً، ووطنياً حتى النخاع؛ بالإضافة إلى حسِّه النقدي الصادق؛ ما يغني سمات شخصيته البطولية.
* * * * *
يروي "توفيق فياض"، عن أسباب تشكيل المجموعة 778، وطبيعة عملها، وتفاصيل العمليات العسكرية التي نفَّذتها، من خلال أسلوب الاسترجاع، الذي تقوم به الشخصية الرئيسة، التي وثَّق تجربتها، أوائل السبعينيات، فترة اعتقاله، وهي شخصية قائد المجموعة، "فوزي النمر"، الذي اعتقل العام 1969، وحكم بما يعادل 700 سنة؛ إلى أن أطلق سراحه ضمن صفقة تبادل الأسرى، العام 1982.
يستحضر الراوي الماضي القريب، وبدايات تفكيره في الانضمام للمقاومة، بعد انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفلسطينية، في 1/1/ 1965. المقاومة الفلسطينية المسلحة، التي هزَّت وجدانه، وعمَّقت انتماءه الوطني، وإحساسه بالهوية، بعد أن "قام الفدائيون العرب بعملية تفجير لخط المياه القطري داخل إسرائيل"، في رد الروح للفلسطينيين، وفي اشتعال حماسهم، لإطلاق شرارة ثورة فلسطينية، في المناطق التي احتلت العام 1948، كي تلتحم مع الثورة الفلسطينية خارج فلسطين.
كما يتبيَّن أثر هزيمة 1967؛ التي حلَّت بعد عامين من انطلاق شرارة الثورة، في تعميق الإحساس بضرورة استمرار العمل المسلح، والرد على الجرائم الإسرائيلية المتلاحقة.
ومن الماضي القريب إلى الماضي البعيد؛ يقارن الراوي، بمرارة، بين رد فعل شباب وأطفال عكا أثناء نكبة العام 1948، ورد فعل أطفال وشباب فلسطين المحتلة العام 1967!
يستحضر طفولته، العام 1948، وتصديه وأطفال مدينته للغزاة بوساطة الحجارة، ومقاومة شباب عكا، بكل ما أوتوا، من معدات قليلة، من السكاكين، والبنادق، والرشاشات، وديناميت الصيد، نساء ورجالاً، ويستنكر سلمية الشعب الفلسطيني، الذي احتلت بقية أراضيه، العام 1967، حيث لا يشهد رصاصة واحدة تطلق!
ثم يعود إلى الماضي القريب؛ ليروي عن بدايات البحث عن التنظيم، الذي يمكن أن يساعده في تنفيذ العمليات العسكرية الموجعة للكيان الصهيوني. ويظهر من روايته إحساسه، بجهل الفلسطينيين بالمعلومات الصحيحة عنهم؛ حيث كانوا يعتبرونهم طابوراً خامساً لإسرائيل، أو متعاونين معها، ونسوا أنهم جزء أصيل من مكوِّنات هذا الشعب، وأن عملهم المتكامل، هو الضمان لانتصار الثورة الفلسطينية؛ لأن قضيتهم واحدة.
* * * * *
وما أن التحق "فوزي أحمد النمر" بحركة التحرير الوطني (فتح)؛ حتى انطلق يبحث عن رفاق درب، يستطيع أن يعمل معهم، بسرية، لتنفيذ بعض العمليات العسكرية، التي يمكن أن تقض مضاجع العدو الإسرائيلي، وتثبت له أن "المقاومة الفلسطينية ليست بيضة يسحقها بيده متى شاء، كما تبجَّح "موشيه ديان"، بكل وقاحة، وأن الفدائيين الفلسطينيين يستطيعون الوصول إلى أي مكان" يستهدفونه؛ فولدت المجموعة 778/1.
ومن اللافت أن الأهداف العسكرية، التي اختارتها المجموعة، كانت مدروسة، بحيث تشكِّل رداً على الاعتداءات الإسرائيلية، على الأراضي العربية؛ وليس على أرض فلسطين فحسب.
كان تفجير مصافي البترول في حيفا؛ رداً موجعاً، على قصف الطيران الإسرائيلي، ومدفعيته، لمصافي البترول في السويس، وهدية من المجموعة 778 إلى الشعب المصري، حتى يتلاحم نضال الشعب الفلسطيني بنضال الشعب المصري؛ الأمر الذي يدلل على اتجاه وحدوي أصيل، لدى أفراد المجموعة.
أما الأهداف الأخرى؛ فقد كانت إنذاراً للحكومة الإسرائيلية، على قصف الطائرات الإسرائيلية للمدنيين الفلسطينيين، في منطقة إربد، ورداً على نسف بيوت الفدائيين، والمتعاونين معهم، في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي أعلن عنها "موشيه ديان"، كعقاب جماعي.
* * * * *
على طول امتداد الرواية؛ تبرز صفات الفدائي الأصيل، لدى "فوزي النمر"؛ الأمر الذي يبيِّن بجلاء سبب القدسية، التي احاطت بالعمل الفدائي، بعد انطلاق ثورة الفاتح من يناير العام 1965.
يظهر وجه الفدائي المضحي، والمتفاني، الذي يضع نصب عينيه هدفاً واحداً، هو النصر، واسترداد حقه المغتصب. الفدائي الذي لا يلتحق بمنظمات المقاومة لهدف شخصي، ولا يعمل لأجل قائد، مهما علا شأنه، ولا لأجل تنظيم، مهما آمن به، ولا يزيِّن الهزيمة، ولا يدَّعي نصراً زائفاً.
"إن مجموعة 778 لا تعمل من أجل "أبو عمار"، ولا من أجل غيره، ولا من أجل منظمة فتح، أو غير فتح، وإنما وجدت لتعمل من أجل القضية الفلسطينية، التي لم تصل إلى هذا الحد من البؤس وعدم الحيلة، إلا لكذبنا وخداعنا لأنفسنا ولشعبنا، وإذا كنا قد قمنا بعملية فاشلة، فهذا معناه أنها فاشلة، وعلينا ان نبحث جميعاً أسباب هذا الفشل، وليس أن نعوِّض عن فشلنا بالكذب والخداع".
* * * * *
أعادتنا سيرة البطل إلى الزمن الجميل؛ زمن التضحية ونكران الذات، والانتماء إلى الوطن، قبل الانتماء إلى حزب أو زعيم، وزمن المبادرة، التي تستجيب لمتطلبات اللحظة السياسية.
رحل الفدائي الفلسطيني، "فوزي أحمد النمر"، يوم 11 نيسان، 2013، في غزة؛ لكنَّ عكا أصرَّت على توديعه بجنازة رمزية، خرجت من جامع الجزار، بالتزامن مع تشييعه في غزة، في إشارة إلى أن النضال الفلسطيني، هو الذي يوحِّد الوطن الفلسطيني.
كما ودَّعه الفلسطينيون، في الوطن وفي الشتات، بما يليق بالمناضلين، نساء ورجالاً، وبالأبطال، الذين يستقرون في قلب الذاكرة الشعبية الجماعية.



 faihaab@gmail.com
www.faihaab.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 29-04-2013