حَدَثَ هذا في دير ياسين!! - المستشار رشيد موعد



> الساعة الثانية بعد منتصف الليل في التاسع من نيسان عام 1948 داهمت عصابات الآرغون وشتيرن الصهيونية قرية دير ياسين العربية الفلسطينية الواقعة غرب مدينة القدس،( أقام الصهاينة اليوم على أنقاضها مستعمرة صهيونية تدعي جفعات شؤول).

حيث شرع أفراد هذه العصابات بقتل كل من وقع في مرمى أسلحتهم بعد أن أخذوا بإلقاء القنابل داخل منازل القرية لتدميرها على من فيها، وقد كانت الأوامر الصادرة لهم تقضي بتدمير كل بيوت القرية العربية، في الوقت ذاته سار خلف رجال المتفجرات أفراد من عصابات الآرغون وشتيرن فأخذوا يقتلون كل من بقي حياً داخل المنازل المدمرة...

استمرت المجزرة حتى ظهر اليوم التالي في العاشر من نيسان وقبل الانسحاب من القرية جمع الصهاينة كل من بقي حياً من الأهالي، وأطلقت عليهم النار لإعدامهم ميدانياً أمام الجدران، وكانت حصيلة هذه المجزرة المروعة 360 شهيداً من العرب الفلسطينيين، معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال.

وبعد أن اصطدمت هذه العصابات بمقاومة عنيفة، أرادوا الانتقام من أهلها، أجهزوا على الأسرى والجرحى بعد سلبهم ما لديهم من أموال وقتلوهم، وأحرقوا جثثهم بوحشية وهمجية وتركوها في العراء.

وكان على رأس منظمة «الآرغون» التي تعرف باسم (تسفي لئومي) أي المنظمة القومية العسكرية في هذا الهجوم الإرهابي مناحيم بيغن في حين قاد منظمة «شتيرن» التي تعرف أيضاً باسم «ليحي» الإرهابي الآخر إسحاق رابين، وكلاهما تولى منصب رئاسة الحكومة في الكيان الصهيوني تكريماً ومكافأة لهذه الجريمة، وكل الجرائم التي يحفل بها تاريخهما.

ويتفق أكثر المؤرخين على أن مذبحة «ديرياسين» كانت نقطة انعطاف وتحول كبير في النكبة الفلسطينية، ولها التأثير الواضح في حربنا الأولى مع الصهاينة عام 1948.

يروي مناحيم بيغين الذي قاد الحملة على دير ياسين ما حدث بقوله: «لقد هاجمنا القرية بأعداد كبيرة من المقاتلين والآليات.. ودافع العرب عن بيوتهم ونسائهم وأطفالهم بقوة... وكان القتال بيننا وبينهم يدور من منزل إلى منزل... وكلما دخلنا بيتاً كنا نقوم بتفجيره على ساكنيه بمادة « تي.ن.تي» التي أحضرناها معنا لهذا الغرض... وقبيل ساعات الصبح الأولى بدأنا باحتلال القرية بكاملها وتدميرها على من فيها».

وبعد أن دخل الصهاينة القرية، أخذوا يذيعون بمكبرات الصوت داعين الذين بقوا على قيد الحياة..«إنكم محاصرون... وعليكم النجاة بأنفسكم من المدخل الغربي للقرية... وهو مفتوح أمامكم إلى قرية عين كارم المجاورة».

صدّق الأهالي العزل ذلك النداء وخرجوا حسب تعليمات تلك العصابات الإرهابية إلى طريق عين كارم طالبين النجاة... وهنا كانت الخديعة، حيث تواجد في ذاك الطريق عدد من أفراد هذه العصابات وأمطروا الأهالي العزل الخارجين من البيوت بوابل من الرصاص.
يعود مناحيم بيغن الذي كافأته الصهيونية بتعيينه رئيساً لكيانها فيقول في هذا الموضوع:

« لقد حاول أعداؤنا العرب من خلال الدعاية، تلطيخ أسمائنا بعد احتلالنا « دير ياسين» لكنها في النتيجة ساعدتنا... فقد طغى الذعر ... والخوف... والرعب ، بعد دخولنا القرى، على العرب في فلسطين... فخشية من تكرار ذلك في القرية المجاورة، ونتيجة الرعب، والخوف سقطت قولونيا بعد دير ياسين بسهولة، وهي التي كانت ترد كل هجوم نقوم به عليها بقوة وعنف.. وكذلك أخلى العرب قرية بيت إكسا دون قتال.. وإن سقوط هاتين القريتين الاستراتيجيتين مهد لنا الاستيلاء على منطقة القسطل بعد مقتل عبد القادر الحسيني... وهذا مكننا من جعل الطريق إلى القدس مفتوحاً».

ويتابع الإرهابي بيغن قائلاً: «لاحتلال ديرياسين نتائج كبيرة كانت غير متوقعة لنا... فقد أخذ المواطنون العرب العزل بالفرار الجماعي من القرى والمدن لهول الحادثة... فمن أصل 800 ألف نسمة كانوا في فلسطين أصبحوا بعد المذبحة 165 ألفاً فقط... فما وقع في دير ياسين، وما أذيع عنها ساعدنا على تعبيد الطريق لكسب الظفر في معارك حاسمة خضناها.. وساعدنا كذلك باحتلال حيفا وطبريا».

هذا الأسلوب البربري النازي الذي استخدمه الصهاينة في مجزرة دير ياسين تجاه العرب الفلسطينيين العزل وصفه أحد الصحفيين الأجانب بأنه كان أغرب جرائم العصر، الهدف منه بث الرعب في قلوب الأهالي لحملهم على الهجرة، وترك بيوتهم، وقد اعتبرت هذه المجزرة الحلقة الأهم في سلسلة المجازر الصهيونية التي استهدفت ترويع الشعب العربي الفلسطيني والمضي نحو الهدف الأكبر المتمثل بإخلاء الأراضي الفلسطينية من أهلها وإحلال الشتات الاستيطاني مكانهم ... ومازال هول هذه الجريمة النكراء تتناقله الأجيال الفلسطينية جيلاً بعد جيل.

وحينما نتوقف عند هذه المجزرة التي ارتكبت بدم بارد وبإصرار وترصد.. نلحظ الشهداء العزل الـ360 الذين قضوا.. ونرى ما وصلت إليه القضية الفلسطينية، وما تمر به من ظروف على ضوء الانقسام الداخلي والحصار.. وكذلك الصمت الدولي.. والزمن العربي الرديء الذي يعطي عصابات الإجرام الصهيوني دفعاً للمضي في القتل والاستيطان وقضم الأراضي في ظل المناخ العربي والدولي المترهل.
وقد كشفت هذه المجزرة، ولاقت تغطية إعلامية دولية عن غيرها من المجازر بسبب تواجد أفراد الصليب الأحمر الدولي في تلك القرية آنذاك بالصدفة، والذين قاموا بتوثيقها وتنظيم التقارير اللازمة في ضوء مشاهداتهم.. واعتمدت وقائع وأحداث هذه الجريمة، لدى هيئة الأمم المتحدة كوثائق.

وعلى الجهات القضائية والقانونية المختصة إثارة هذه المجزرة ومجازر أخرى غيرها لمحاسبة هذا الكيان الغاصب الذي يتمادى كل يوم إمعاناً في جرائمه المستمرة بحق شعبنا العربي الفلسطيني وذلك لتوفر الأدلة والمستندات الموثقة والمحفوظة لدى الأمم المتحدة.. لأن مثل هذه الجرائم لا تخضع للتقادم الزمني.

*قاضي محكمة الجنايات سابقاً

 

 

في الذكرى 37 ليوم الأرض - رشيد موعد

في الثلاثين من آذار عام 1976 هبَّ شعب بأكمله في فلسطين المحتلة تنفيذاً لإضراب عام، ونضال شعبي مشروع دفاعاً عما تبقى من أرضه في وجه الهجمات الاستيطانية المتجددة، وتحديداً مخطط تهويد منطقة الجليل ومصادرة مساحات واسعة من أرضه، بهدف تغيير الطبيعة الديمغرافية للجليل المأهول بأصحابه الأصليين من أبناء الشعب العربي الفلسطيني بكثافة تزيد على عدد المستوطنين اليهود.

كان التحرّك الشعبي العربي في فلسطين المحتلة آنذاك تحركاً سلمياً هدف إلى إسماع صرخة احتجاج على هذه المؤامرة الجديدة.. وفي الوقت نفسه التعبير عن تمسك الإنسان العربي بحقه في الحياة والتطور على أرض آبائه وأجداده.. وفي وطنه الذي لاوطن له سواه.
إلا أن الاحتلال، ومع سبق الإصرار والترصد، وبأسلوب همجي، قرر تحويل هذا اليوم إلى يوم دامٍ، محاولاً إرهاب المحتجين العرب حتى يواصل مخططاته، فسقط في الثلاثين من آذار ستة شهداء في منطقة الجليل والمثلث، إضافة إلى مئات الجرحى والمصابين، والمعتقلين وعرف هذا اليوم بـ يوم الأرض.

الأرض هي الوطن والكيان والوجود.. كان هذا دائماً مفهوم الأرض بالنسبة للشعب العربي الفلسطيني، لذا دافع عنها، وناضل من أجل المحافظة عليها منذ بداية القرن العشرين، ومازال حتى يومنا هذا، مع فرض الانتداب البريطاني عام 1922 على فلسطين استفحلت هجمة الاستيطان الصهيوني للاستيلاء على الأرض في فلسطين معتمدة على مساعدة الانتداب البريطاني.

ومن هنا نرى أن هدم القرى العربية وتشريد سكانها انتشر مع بداية الانتداب البريطاني، ويجب التأكيد أن الفلاحين العرب الفلسطينيين تمسكوا بأراضيهم، ورفضوا بيعها للصهاينة بل دافعوا عن هذه الأرض وعن حقوقهم فيها والاستمرار في فلاحتها والعيش فيها.
الاضراب الشامل الذي أعلنه العرب الفلسطينيون المقيمون تحت الاحتلال الصهيوني بتاريخ 30/3/1976 احتجاجاً على سياسة التهويد ومصادرة الأراضي، كان تأكيداً على عزم الشعب الفلسطيني على النضال دون هوادة والدفاع عن حقوقه الوطنية.

لقد استعمل الكيان الصهيوني شتى الوسائل لمنع الاضراب أو احباطه، استخدم التهديد والوعيد، قام بعرض عضلات وأدخل قوات مسلحة إلى القرى والمدن العربية، ولاسيما مدينة الناصرة، ومارس أشد الضغوط على رؤساء المجالس المحلية العربية الذين جمعتهم في مدينة شفا عمرو المحتلة عشية يوم الإضراب. ولم تجدِ التهديدات التي أقدم عليه الاحتلال وكذلك أساليبه الإرهابية، فكانت نتائج الإضراب مذهلة على الرغم من سقوط الشهداء وعلى الرغم من وسائل القمع الهمجية.

لقد هزّ الإضراب الرأي العام العالمي، بل وحتى الإسرائيلي، وعبر عن وحدة الجماهير العربية الفلسطينية وتصميمها على مقاومة سياسة المصادرة والتمييز التي يمارسها الاحتلال منذ قيامه، كما جدد المطالبة باحترام حق الشعب العربي الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة عام 1948.

وعلى الرغم من انفضاح أكذوبة "التطوير" المبتدعة من الكيان الصهيوني التي تخفي وراءها مخططات تهويد الأرض العربية.. وعلى الرغم من المعارضة الشاملة التي أبداها الشعب العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة، فقد أعلن الكيان الصهيوني عزمه على المضي في سياسة مصادرة الأراضي وتهويدها، كما رفض تشكيل لجنة تحقيق للكشف عن المسؤولين عن إراقة الدماء البريئة في«يوم الأرض» وقد أصدرت لجنة الدفاع عن الأراضي بياناً في أعقاب يوم الأرض حذرت الرأي العام من سياسة مصادرة الأراضي العربية التي هي أبرز معالم سياسة التمييز العنصري الجائرة، حيث لم يبقَ للعرب المقيمين في الأرض المحتلة أكثرمن نصف مليون دونم بعدما صادره الكيان الصهيوني.

إن العدوان الدموي الذي وقع على الجماهير الفلسطينية في «يوم الأرض» لاينفصل جذرياً عن سياسة التمييز والاضطهاد التي مارستها حكومات الكيان الصهيوني منذ قيامه بل هو نتيجة لهذه السياسة، ولذلك فإن أحداث يوم الأرض التي جرت بتاريخ 30/3/1976 لم تكن إلا فصلاً دموياً من فصول مأساة استمرت خلال 28 عاماً مضت قبل عام 1976 الذي جرت فيه أحداث يوم الأرض، لم تخلُ من مجازر دموية ضد العرب.

وفي كل عام تحيي جماهير شعبنا العربي الفلسطيني في كل الأراضي المحتلة ضمن حراك شعبي غاضب يوماً كفاحياً ونضالياً في أماكن وجودهم حتى تحوّل هذا اليوم إلى رمز للنضال من أجل الأرض.

وفي هذا التاريخ، ونحن نستذكر يوم الأرض لعام 1976 -يحضرنا في هذا المقام- أن نذكر يوماً آخر للأرض حين شارك فيه السوريون واللبنانيون إخوتهم الفلسطينيين المقيمين في هذين البلدين بإحياء يوم النكبة بتاريخ 15/5/2011 حيث توجه الآلاف منهم إلى نقاط الحدود المسورة بالأسلاك الشائكة والمكهربة، فحطموها، وأزالوها بالكامل بأيديهم وبعض الأدوات العادية التي كانوا يحملونها واندفعوا بقوة وعزيمة إلى الجانب الآخر من الخطوط، حيث كان في استقبالهم أخوة لهم في النضال من بلدة مجدل شمس المناضلة المحتلة.

وبعد استقدام التعزيزات العسكرية من العدو الصهيوني لدعم الجنود الهاربين، بدأت معركة غير متكافئة على الإطلاق بين الطرفين.. الحجارة والرصاص.. سقط خلالها أربعة شهداء وسبعون جريحاً على الجانب السوري من الخطوط وعشرون شهيداً ومئة جريح على الجانب اللبناني، فروت دماؤهم الزكية الطاهرة تربة أرض الوطن الظمأى لتنبت فيها وروداً ما زالت فيها خالدة.

بقي أن نقول: إن معظم هؤلاء الذين اجتازوا الحدود بأجسادهم ودخلوا الأراضي العربية المحتلة ليحيوا يوماً آخر للأرض الذي نحن بصدده، هم من الجيل الرابع للشباب الذين راهن بن غوريون وغولدامائير على نسيانهم للقضية حين قالا: الكبار يموتون والصغار ينسون والقضية تنتهي.. وقد ثبت العكس، فالصغار لم ينسوا وظلّ وطنهم راسخاً في وجدانهم، وأفئدتهم، وظلت الأرض حاضرة في عقولهم وقلوبهم ودمائهم.

*قاضي محكمة الجنايات السورية سابقاً

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 09-04-2013