مطلوب موقف من قوى الرجعية العربية - جاد الله صفا

 

ما تشهده المنطقة العربية والقضية الفلسطينية من حالة تفكك وتفتيت، من غير المنطق استبعاد دور القوى الرجعية العربية من هذه المؤامرة، حيث هذا المصطلح الذي تردد بأدبيات العديد من القوى اليسارية العربية والفلسطينية بفترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، بدأ بالتراجع وصولا الى غيابه بأدبيات هذه القوى منذ التوقيع على اوسلو.

كانت القوى الرجعية العربية تسجل بقائمة المعسكر المعادي للثورة الفلسطينية والقضية الفلسطينية وكانت تعتبر بانها تعمل على قمع شعوب دولها وكبت الحريات الديمقراطية والتي تصب بالنهاية الى تأخر الدول والشعوب تماشيا مع الرؤية والمشروع الامبريالي الصهيوني للمنطقة العربية من خلال نهب وسلب خيرات الدول والشعوب، واعادتها الى سنوات من التخلف.

فلم تقتصر القوى الرجعية العربية على الانظمة الحاكمة، وانما هناك قوى اخرى كانت تعتبر من هذا المعسكر المعادي والتي لها توجهات دينية واسلامية، حيث العديد من هذه القوى برزت خلال السنوات السابقة كقوى رئيسية بالحياة السياسية والحزبية بهذه الدولة او تلك، وقد اكتسبت هذه القوى قاعدة جماهيرية من خلال بعض المواجهات التي حصلت مع المعسكر الامبريالي الصهيوني، كالعمليات العسكرية المتعددة التي قامت بها بعض التيارات والقوى الاسلامية والدينية العربية والفلسطينية، والتي تم الاستفادة منها من اجل مكاسب سياسية وجماهيرية، والسؤال الذي يطرح نفسه هل هذه الاطراف ما زالت بمعسكر قوى الرجعية المعادي للديمقراطية والحرية بالمنطقة العربية؟

ان ما تشهده المنطقة العربية يؤكد بلا شك ان هناك قوى محلية عربية ذات توجهات دينية واسلامية تتحالف مع قوى امبريالية راسمالية غربية تعمل على اسقاط بعض الانظمة العربية، كما حصل بليبيا ويحصل الان بسوريا، رغم ان هذه الدول التي غيبت العملية الديمقراطية ولم تمنح الحريات الديمقراطية وابداء الرأي لشعوبها الا انها مهدت الطريق الى اشعال عمليات العنف ضد هذه الانظمة التي سقط من خلالها الاف الابرياء من الشعب العربي، نتيجة تطرف هذه القوى بمواقفها التي كشفت النقاب عن وجهها واهداف مؤامرتها التي تعود بالمنطقة العربية الى عصر الظلمات.

فما الذي تغير على بعض الانظمة العربية؟ وباي معسكر يمكن ان تصنف هذه الانظمة؟ والقوى الدينية والاسلامية التي دخلت وفرضت وجودها وبقوة على الحياة السياسية والحزبية، باي معسكر يتم تصنيفها؟ هذه الاسئلة التي تفرض على قوى اليسار العربي وعلى وجه الخصوص اليسار الفلسطيني تحديد موقعها وموقفها منها.

ان تحديد معسكر الاعداء مهم جدا بالمرحلة الحالية، فلا احد قادر ان يفهم ان العلاقة مع النظام المصري ولقاء مخابراتها من اجل انجاز المصالحة الفلسطينية يصب بخدمة القضية الفلسطينية، او ان هذا التنظيم او ذاك قادر على تبرير علاقاته وموقفه من النظام المصري على اعتبار انه نظام يصب بخدمة القضية الفلسطينية او انه من معسكر الاعداء.

كذلك الحال ينطبق على العديد من الانظمة العربية الاخرى، فقوى اليسار العربي مطالبة بتحديد طبيعة هذه الانظمة وباي المعسكرات يجب تصنيفها، كما انها مطالبة بموقف من التيارات الاسلامية وموقعها، ومن هي القوى التي يمكن ان يتم التعايش معها على قاعدة التحالف والصراع، وتحديد موقعها الطبقي بالمجتمع العربي.

التيارات الدينية والاسلامية التي تطرح نفسها بالحياة السياسية والحزبية بالدول والمجتمعات العربية، لا تطرح نفسها كقوى الى جانب القوى السياسية الاخرى المتواجدة بهذه الدول والمجتمعات، وانما تطرح نفسها بديلا ونقيضا للنظام القائم والقوى السياسية الاخرى الموجودة، وهذه الظاهرة برزت بالعديد من الدول التي انهارت بها انظمة الحكم السابقة، ومنها ما زال يطرح نفسه من خلال تثبيت رؤيته لطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني كبديل شامل، لاغية بذلك امكانية التعايش والتوافق مع الاراء الاخرى بمعركة المصير الواحد والمشترك، واكبر مثال على ذلك انطلاقة حركة المقاومة الاسلامية حماس ببداية الانتفاضة الفلسطينية الاولى، حيث اصدرت نداءاتها الموازية لنداءات القيادة الوطنية الموحدة، والتي شكلت بذلك انقساما نضاليا تركت بصماتها على الانتفاضة الفلسطينية ومسيرتها التي وصلت الى ما وصلت اليه اليوم.

ان الرهان على القوى الدينية والاسلامية ببناء المجتمعات العربية الديمقراطية، وان هذه القوى ستطلق الحريات العامة وستسمح لحرية الرأي، هو رهان فاشل وخاسر، وان تصنيف هذه القوى من ضمن القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية هو تصنيف خاطيء، وان التعامل مع هذه القوى يجب ان يصب من اتجاه اخر بان لا يسمح لها من الوصول الى مواقع متقدمة لتجنيب المنطقة والشعوب العربية من مزيد من التأخر والتخلف.

ان من شروط الانتصار هو تحديد معسكر الاصدقاء ومعسكر الاعداء والقوى الاساسية التي تلعب دورا اساسيا بهذه المواجهة المصيرية، وان غير ذلك سيجعل هذه القوى بحالة تخبط بعلاقاتها وبنضالاتها وتعمل على فقدان قطاعات واسعة من قاعدتها الجماهيرية، فقوى اليسار العربي بحاجة الى مراجعة جدية لمواقفها السياسية وعلاقاتها وتحالفاتها، كما هي بحاجة الى رؤية واضحة وكادر قادر على فهم هذه التطورات والتحولات بالمجتمعات العربية بشكل عام، هذه هي المهمة التي تقع على هذه القوى من اجل ان تعود لدورها الريادي والقيادي بمعركة المصير من اجل وطن عربي واحد موحد ومصير مشترك بعيد عن مؤامرات التفتيت والتفكك.

جادالله صفا – البرازيل

09/04/2013
 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 10-04-2013