أثر النكبة في الشعر الفلسطيني - شاكر فريد حسن

في العام 1948 حاقت النكبة بالوطن الفلسطيني ، وأدت الى تهجير وتشريد الآلاف من أبناء شعبنا العربي الفلسطيني ، الذين تحولوا الى لاجئين منفيين في الخيام السود. وهنالك من واجه البنادق، وتحدى الخوف والاقتلاع، وأبى التشريد والتهجير، وبقي صامداً وراسخاً ومتشبثاً بارضه ووطنه وجذوره.

ولا شك ان زلزال النكبة والمأساة ، التي حلت بالشعب الفلسطيني قد هزت وجدان عشاق الكلمة والحرف ، واشعلت فيهم الحماس والعواطف واججتها ، وفجرّت فيهم ينابيع الشعر وامدتهم بطاقة الابداع . وانطلق الشعر الحماسي الخطابي الصاخب والغاضب المتجاوب مع الضمير والنبض الشعبي ، وبدأ يتأسس في الخارج أدب عربي فلسطيني هو أدب المنافي واللجوء والشتات، ظهرت من خلاله الخيمة كرمز للهزيمة التي يجب تجاوزها. وتميز هذا الأدب بالشجن والأسى، وامتلأ بأمل وحلم العودة الى الديار . ونلمس ذلك في قصيدة الشاعر هارون هاشم رشيد ، التي تغنيها سفيرتنا الى الكواكب والنجوم المطربة الرائعة فيروز:

سنرجع يوماً الى حينا ونغرق في دافئات المنى

سنرجع اخبرني العندليب غداة التقينا على منحنى

أما زيتونة فلسطين الشاعر الفلسطيني الخالد عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) ، الذي شرد من وطنه وحمل فلسطين في قلبه وروحه ، وظلت مفاتيح بيته في حيفا في جيبه ، وعاش شريداً طريداً يسائل:

يا فلسطين ! وكيف الملتقى هل أرى بعد النوى أقدس ترب

وهذا الشاعر نشأ مع النكبة وعاشها بكل جوارحه ، وذاق طعم الغربة والتشرد والحرمان وقاسى الآلام والجراح الفلسطينية ، وكتب بالدم والدمع وخلجات القلب قصائد ديوانه "المشرد " المكرسة للنكبة، والمشحونة بالغضب والثورة والحنين لتراب الوطن الغالي والمقدس . وبقي مؤمناً بالعودة وبحتمية انتصار قضية شعبه ، الذي قدم التضحيات الجسام وسجل ملاحم الصمود والبطولة ،وهو يعلنها صرخة عالية ومدوية في وجه الغازي المغتصب :

قل للذين جنوا على وطني ما بيننا الأيام والحقب

من قبلكم مرّ الطغاة بنا هل تعثرت بهم؟لقد ذهبوا

عصفت بهم نار مقدسة فاذا بهم لجهنم حطب

ولم يعرف الأدب العربي الحديث شعراً حنينياً مثل شعر الحنين ، الذي تفتقت به موهبة وقريحة "أبو سلمى" . انه حنين ممزوج بالأمل الثوري وتجاوز الواقع وانتصار الحلم الفلسطيني .. لنسمعه هاتفاً:

اختاه لا تبكي على ديارنا فالتربة السمراء في انتظارنا

نلثمها بالحلم حتى نلتقي شفاهنا على سنى تذكارنا

لا تسألي أين الهوى ولم يزل يمشي المجون على آثارنا

تحملنا الأشواق كل ليلة الى ربانا والى انهارنا

وهنالك العديد من الشعراء الفلسطينيين ، الذين صوروا المأساة الفلسطينية ، وكتبوا عن اللاجئين وحياتهم القاسية في المخيمات. وعكسوا في أشعارهم آلام النكبة والتشرد والضياع والعذاب النفسي والشعور بالغربة والاغتراب ، منهم خليل زقطان وهارون هاشم رشيد ويوسف الخطيب وحسن البحيري ومعين بسيسو وتوفيق الصايغ وجبرا ابراهيم جبرا . بالاضافة الى شاعرتنا الكبيرة خنساء فلسطين الراحلة فدوى طوقان ، التي تناولت التراجيديا الفلسطينية بقولها:

يا وطني مالك يحنى على روحك معنى الموت معنى العدم

جرحك ما اعمق اغواره كم يتنزى تحت ناب الألم

أين الألى استصرختم ضارعاً تحسبهم ذراك والمعتصم

أما في الداخل الفلسطيني ، ففي ظل الحصار الفلسطيني والحكم العسكري البغيض ، الذي فرضته المؤسسة الصهيونية الحاكمة عل الجماهير العربية الفلسطينية ،التي تمسكت بالارض والهوية والزيتونة والحقل والبيارة والبيدر ، كان الشعر الشعبي هو السباق في نشر وتوجيه نداء المقاومة والكفاح ، والتجاوب مع الحدث والواقع القهري الاضطهادي المرير، والتفاعل مع الأوضاع الجديدة والحركات العربية . وقد تحولت الأعراس في الجليل الفلسطيني الى مظاهرات احتجاج وغضب ساطع ضد سياسة النهب والمصادرة والاقتلاع من الوطن . ولا يزال الشيوخ وكبار ، ممن عاصروا تلك المرحلة، يتذكرون الأهازيج الشعبية ، التي كان يرددها الزجالون الشعبيون الفلسطينيون ، وابرزها اهزوجة "نادى المنادي" التي تقول:

نادى المنادي في الجليل ارض العروبة للعرب

شاغورنا مالك مثيل وترابك اغلى من الذهب

وبوحدة رجال الشاغور أمر المصادرة انشطب

ديان امرك مستحيل بالوحدة راح ينشطب

وكان الحادي ينشد أثناء السحجة التقليدية المعروفة لدى أهل الجليل والمثلث :

هبت النار والبارود غنى

تسلم لينا يا أبو خالد

يا حامي ظعنا

هبت النار من عكا للطيرة

تسلم يينا يا أبو خالد

يا حامي هالديرة .

ولعبت الطلائع المثقفة الفلسطينية المتبصرة بالفكر التقدمي الثوري الانساني دوراً بارزاً في ولادة أدب المقاومة والاحتجاج. وفي خضم الواقع، الذي أفرزته النكبة، ولدت القصائد والأشعار الحماسية ذات النبرة النارية ، التي استلهمت المأساة وعكست الوجع الفلسطيني والأوضاع الجديدة . ويبدو أثر النكبة واضحاً في عشرات النصوص الشعرية والأعمال الابداعية لشعرائنا الفلسطينيين الأوائل ، من أمثال حنا أبو حنا وتوفيق زياد وحبيب قهوجي وعصام العباسي ومحمود الدسوقي وراشد حسين ومحمود درويش وسميح القاسم وشكيب جهشان وحنا ابراهيم وسالم جبران وسواهم. وكان هؤلاء الشعراء يشاركون في المهرجانات الشعرية والنشاطات والفعاليات الثقافية في مدن وقرى الجليل في اواسط الخمسينات ،بهدف التفاعل مع الشعب وتعبئة الجماهير وتحريضها، وحثها على المشاركة في النضال ومقاومة مشاريع التهجير والاقتلاع وتذويب الشخصية الوطنية وتزوير الهوية الفلسطينية .

وقد تفرد الشاعر الشهيد راشد حسين ، الذي مات احتراقاً واختناقاً في غرفته بنيويورك ، بين شعراء جيله بمجموعة من القصائد ، التي يتحدث فيها بشمولية ودقة ، عن حياة اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والمنافي القسرية . وهو في هذه القصائد يكثر من استخدام التعابير والمفردات ، التي تدل على هول السبي الفلسطيني الذي ولدته النكبة . ويظهر ذلك بجلاء ووضوح في قصائده "الخيمة الصفراء" وأزهار من جهنم" و"أنة لاجىء " و"الى ابن عمي في الاردن" .. لنسمعه يقول:

في الخيام السود في الأغلال في ظل جهنم

سجنوا شعبي واوصوه بألا يتكلم

هددوه بسياطه الجند بالموت المحتم

أو بقطع القمة النتنة ، ان يوماً تألم

ومضوا عنه وقالوا عش سعيداً في جهنم

أما في قصيدته "لاجئون" فنستشف الحزن النابع من اعماق ، والاحساس العارم بالقهر نتيجة الاذلال والبطش والظلم الانساني الذي لحق بشعبه ،جراء طرده من وطنه ووقوعه تحت وكالة غوث اللاجئين ، التي توزع المواد التموينية على اللاجئين الفلسطينيين :

وترى نجوم الليل مثل معسكرات اللاجئين

وكهيئة الغوث الحزينة يخطرالقمر الحزين

بحولة من جبنة صفراء أو بعض الطحين

ويقول الشاعر المكافح والمقاتل ، شاعر الجماهير الراحل توفيق زياد في قصيدته الشهيرة "هنا باقون" المليئة بالكدح والرفض والتشبث والالتحام بالتراب والثرى الفلسطيني :

هنا على صدوركم باقون

ننظف الصحون في الحانات

ونملأ الكؤوس للسادات

نجوع نتحدى ننشد الأشعار

ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات

ونملأ السجون كبرياء

ونصنع الأطفال جيلاً ناقماً وراء جيل

كأننا عشرون مستحيل

في اللد والرملة والجليل

وغربة الانسان الفلسطيني وبعده عن وطنه، كانت أحد الموضوعات الرئيسية ، التي طرق أبوابها الشعراء والمبدعون الفلسطينيون في الداخل ومناطق الشتات القسرية . وقد تغنوا بها وصاغوا اشعاراً تتراوح بين رنة الحزن والأسى والحنين والشوق المستعر في أفئدة المغتربين والمشردين ، ظمأً للعودة ولوعة وتوقاً للقاء الأحبة،واستحضاراً للذكريات الجميلة في الوطن تحت افياء وظلال الزيتون والكروم الجليلية .

في الاجمال يمكن القول ، ان النكبة أو التراجيديا الفلسطينية كانت وستظل نبعاً لا يجف ،ومعيناً لا ينضب في الشعر الفلسطيني الثوري الملتزم . وجعلت من هذا الشعر شعراً عروبياً وقومياً وطبقياً ووطنياً وثورياً ومقاوماً ومنحازاً للفقراء وأبناء الشوارع والارصفة والمخيم ، ورافضاً لواقع التشرد والبؤس والشقاء والعذاب الانساني الفلسطيني . ورغم التفجع والشعور باليأس والهزيمة ، الذي خيم على هذا الشعر في بداياته الا انه أدى بالتالي الى خلق وتهيئة جو اعتملت فيه الثورة والمقاومة والاحتجاج والرفض في النفوس المعذبة .كما اشتد نبض شعرائنا وايمانهم بالوعد الذي اعطته المقاومة ، وأضاءت كلماتهم المقاتلة ليل واقعنا المرير، وزرعوا الاماني بلسماً على جرحنا ونكبتنا ، ونشر الأمل على جهات الروح، ونثر العبير على الجرح الفلسطيني الذي لم يندمل حتى الآن.

 

مقالة ثانية

 ذكرى يوم النكبة الفلسطيني

شاكر فريد حسن

في كل عام يحيي شعبنا الفلسطيني في الداخل ومناطق الشتات القسري ذكرى يوم النكبة ، التي كرست تهجيره وطرده من ارضه ووطن وسلبه هويته الوطنية وطرده من قراه ومدنه ، وحولته الى شعب منكوب لاجئ ومشرد في مخيمات الجوع والبؤس والشقاء ، وفيه نتذكر بحسرة ومرارة ذكرى ضياع الوطن وما حل بنا من مأساة انسانية .

وقد غدت مسيرة العودة ، التي تنظمها لجنة المهجرين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر الى القرى الفلسطينية المهدمة والمهجرة تقليداً سنوياً ،وذلك تعبيراً وتجسيداً عن رفضنا لمشاريع الاقتلاع والتشريد ، وتمسكنا بحق العودة الى هذه القرى والمدن ، وستكون مسيرة العودة هذه المرة الى قرية خبيزة في منطقة الروحة .

وفي يوم النكبة نقف على اطلال ذاكرتنا وعلى ما تبقى من معالم اثرية وتاريخية لقرانا المهجرة: اقرت وكفر برعم واجزم وصبارين وصفورية والبروة والدامون وميعار والزيب وكويكات وعمقا والكابري والغابسية وقديتا والمنشية والصفصاف وام الزينات وجبع وبلد الشيخ والبطيمات وابو شوشه وام الشوف والسنديانة والبصة واللجون وسحماتا وكفر عنان وغيرها الكثير الكثير .

وفي هذا اليوم يعصف ويشيع الشوق والحنين في داخل كل فلسطيني الى مدننا الفلسطينية التاريخية العريقة بيسان وقيسارية ، حيث كان لنا في بيسان ارض وبيت وحاكورة وكرم عنب ونخيل وحقول تين وزيتون وصبار . فهي ضيعة ووطن الفلسطينيين المهجرين والمشردين في المنافي والمهاجر ، التي تسكنهم في افئدتهم ومشاعرهم وعقولهم ، ولا يسكنون فيها وانما تزورهم كل ليلة في حلمهم ونومهم ويقظتهم .

وبيسان تلك المدينة الكنعانية الفلسطينية القديمة ، التي شدت لها فيروز بصوتها الملائكي الدافئ ، تعود نشأتها الى اكثر من 6000 سنة قبل الميلاد وعرفت قديماً باسم بيت شان ، وتشتهر بآثارها التي تدل على مكانتها وعظمتها عبر التاريخ ، ونذكرمنها : الحصن وتل المصطبة والجسر والموقع البيزنطي القديم والمعابد الكنعانية .

اما قيسارية المستلقية الغافية على امتداد الساحل الفلسطيني وشاطئ البحر الابيض المتوسط ، فهي قلعة تاريخية عريقة ذات موقع أثري ، بناها الكنعانيون وافرغت من سكانها في عام النكبة ، وأثارها الاسلامية العربية الباقية ما زالت شاهدة على عراقتها ومجدها واصالتها وشموخها، ومسجدها الساحلي الجميل المبني منذ العصر الاموي حولته المؤسسة الصهيونية الى مطعم وخمارة .

ان الوعي الجمعي باهمية احياء ذكرى يوم النكبة يتزايد عاماً بعد عام ، بكل ما يرمز ويحمل من أبعاد ودلالات ومعان سياسية ووطنية ، وفي مقدمتها التمسك بالعودة وبحق العودة ، وحق المقاومة الشعبية حتى ينال شعبنا استقلاله ويسترد حقوقه المغتصبة بالكامل .

اخيراً ، فأن ذكرى النكبة خالدة وباقية وراسخة في اعماق كل ابناء النكبة ، الذين يتوقون الى فجر الحرية والعودة .وكم نحن بحاجة في هذه المرحلة التاريخية العاصفة، التي تتعمق فيها المؤامرات على قضية شعبنا ، الى تعزيز الشعور الوطني، وتفعيل شعر العودة والوطن ،وتأصيل ادب وثقافة العودة وتعريف اجيالنا الشبابية الفلسطينية الجديدة بمعالم فلسطين واماكنها ومواقعها الأثرية المقدسة . وألف تحية لكل المشردين في مخيمات اللجوء المتعطشين الى العودة وملامسة تراب الوطن ، ولنردد مع شاعرنا الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد ، وبصوت فيروز العذب :" سنرجع يوماً الى حينا / ونغرق في دافئات المنى / سنرجع مهما يمر الزمان/ وتنأى المسافات بيننا ".

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 16-04-2013