بين مرسي والعريان ووينشتاين!- د. فايز رشيد

نعى الرئيس المصري وفي"سرّية بالغة"عبر بيان أصدره باللغة الإنجليزية"كارمن وينشتاين"رئيسة الطائفة اليهودية في مصر،والتي توفيت منذ بضعة أيام.النعي لم يوّزع على وسائل الإعلام العربية وفقاً لصحيفة"مصر الجديدة"بل قامت بكشفه ونشره صحيفة"نيويورك تايمز"التي تعتبر صاحبة السبق في كشف هذا الأمر, عندما أشارت إلى قيام محمد مرسي بإصدار بيان قال فيه:"أنها(كارمن)كانت من المصريين المتفانين الذين عملوا بلا كلل للحفاظ على التراث اليهودي المصري , وقبل كل شيء عاشت وماتت في بلدها مصر".

عصام العريان أحد قياديي الإخوان المسلمين(حزب الحرية والعدالة)في مصر،كان قد اتهم الرئيس عبد الناصر بطرد اليهود من مصر،وطالب بعودتهم واستعادة ممتلكاتهم. بيان النعي الذي أصدره الرئيس المصري هو خير دليل على بطلان اتهامات العريان للرئيس الخالد عبد الناصر،فرئيسه الحالي يعترف بوجود جالية لليهود في مصر،وبزعامة لها!.من قبل أرسل الرئيس المصري برقيةً حارّة لرئيس دولة الكيان الصهيوني شيمون بيريز خاطبه فيها بــ"الصديق العزيز"وكان ذلك بمناسبة"يوم الاستقلال الإسرائيلي"في العام الماضي 2012(أي ذكرى اغتصاب فلسطين)وتمنى فيها لدولته(الكيان الصهيوني)المزيد من التقدم والنجاحات والازدهار!.

بدايةً،نود توجيه سؤال للرئيس المصري عن ماذا يقصد"بالتراث اليهودي المصري"وهل لليهود في مصر تراث غير تراث الشعب المصري؟لعلم الرئيس مرسي:اليهودية هي ديانة وليست قومية"أو "أمة" مثلما تردد الحركة الصهيونية وصنيعتها"إسرائيل"عن هذه المسألة.نفهم لو أن مرسي قال عن زعيمة الطائفة اليهودية بأنها حافظت على تراث الديانة اليهودية في مصر, لكان له ذلك , ولكن أن يدّعي وجود"تراث يهودي مصري"فهذا يعني اعترافاً من مرسي بوجود"قومية يهودية"وهذا يجافي الحقيقة،ويعني تلاقياً مباشراً أو بطريق غير مباشرة بالادّعاءات والأضاليل الصهيونية و"الإسرائيلية".

السفيرة الأمريكية في مصر آن باترسون أصدرت بياناً عن كارمن :عزّت فيه الشعب المصري بوفاتها وقالت عنها:"إنها حافظت على الميراث اليهودي لصالح كل المصريين".السفيرة أيضاً ربطت بين"الميراث اليهودي"وصالح كل الشعب المصري"فما هو هذا الميراث الذي كان في صالح كل المصريين؟سؤال برسم إجابة السفيرة عليه.

المتوفاة هي يهودية صهيونية مخلصة تماماً لإسرائيل،زارتها مرات عديدة،وهي وفقاً للكاتبة سمدار بيري محررة الشؤون العربية في صحيفة"يديعوت أحرونوت" التي كتبت فيها بتاريخ 14/إبريل/نيسان الحالي عن المتوفاة"بأنها كانت تشارك في العمليات السرية لتهجير الجيل الشاب إلى إسرائيل وإنها طلبت إلّيْ أن أعلمها صلاة الجنازة عندنا على ضحايا الجيش الإسرائيلي...واستطردت ....كانت تأتي إلى القدس في أحيان كثيرة بحجة العلاج الطبي وأنها كذلك طلب تعليمها كيف تدعو الله من أجل سلامة دولة إسرائيل".هذه هي كارمن وينشتاين التي أصدر الرئيس مرسي نعياً لها،وكذلك السفيرة الأمريكية في مصر التي ربطت بين الميراث اليهودي وصالح كل الشعب المصري.

فضحية لافون في عام 1954(ما خطط له الموساد من أعمال تفجيرية في المصالح الأمريكية والبريطانية في القاهرة بهدف إساءة العلاقة بين مصر والدولتين) كشفت بما لا يقبل مجالاً للشك:أن غالبية من اعتمدت عليهم المخابرات الصهيونية في تنفيذ مخططاتها في مصر(للأسف)هم من اليهود المصريين, الذين حرصت الموساد على تجنيد بعضهم .نقول ذلك فقط من أجل الحقيقة،ومن أجل تأكيد أن الدولة الصهيونية هي من حاولت الإساءة لليهود المصريين وليس نظام الرئيس عبد الناصر كما يدّعي العريان ّ! وأن الكيان هو من مارس الضغوطات على اليهود للهجرة من مصر بكافة الأشكال والأساليب والوسائل بما في ذلك:إراقة الدم اليهودي نفسه ! تماماً مثل الاتفاقيتين اللتين عقدتهما الحركة الصهيونية مع النازية في عامي 1933-1934 من أجل تأييد ألمانيا النازية لهجرة اليهود إلى"أرض الميعاد"مقابل إعطاء الحركة الصهيونية للنازية , معلومات , عن التجمعات اليهودية في أوروبا،تماماً مثلما قامت الحركة الصهيونية بتفجير سفن مهاجرين يهود في عرض البحر بهدف إثارة التعاطف مع هجرة اليهود إلى فلسطين،والضغط على السلطات البريطانية من أجل السماح لعدد أكبر من اليهود بالدخول إلى الأراضي الفلسطينية.

وبالعودة إلى بيان وسياسات الرئيس مرسي وحزبه تجاه الكيان الصهيوني , حرّي القول:أن الإخوان المسلمين قد غيّروا سياساتهم مائة وثمانين درجة،فبعد المناداة بإزالة الدولة الصهيونية وبعد شعار"خيبر خيبر يا يهود..جيش محمد سوف يعود"،الذي كان يُردّد في تظاهرات الشوارع في معظم العواصم العربية،أصبحوا ينادون"بالاعتراف بالوقائع"وبحقيقة وجود دولة"إسرائيل"ولا مانعمن وجهة نظرهم من عقد الاتفاقيات معها و"عدم تجريم التطبيع"كما أفتى بذلك راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة( النسخة التونسية من الأخوان المسلمين ), وأهمية محافظة مصر على الاتفاقيات التي وقعتها مع جميع الدول(بالطبع بما في ذلك إسرائيل).كان هذا ثمناً دفعه الإخوان المسلمون للرضى الأمريكي عن تسلمهم للحكم في بلدان ما يسمى بــ(الربيع العربي).وبالفعل أصبح الإخوان المسلمون يمارسون نهجاً جديداً فيما يتعلق بدولة الكيان الصهيوني،وبالولايات المتحدة وبالدول العربية عموماً.نهج يتساوق مع ما هو قائم في المنطقة بما في ذلك"الوجود الإسرائيلي"نفسه.

إن بيان النعي الذي أصدره الرئيس مرسي حول وفاة زعيمة الطائفة اليهودية في مصر هو: إثبات جديد(يضاف إلى إثباتات عديدة سابقة أخرى)على حرص الرئيس المصري على إرسال رسائل عديدة للكيان الصهيوني , وللإدارة الأمريكية , وللغرب عموماً عن حسن نوايا الإخوان المسلمين فيما يتعلق بالموقف من"إسرائيل"ولذلك حرص الرئيس المصري على سرية النعي،وعلى إصداره باللغة الإنجليزية وفي أضيق نقاط،ولكن في زمن المعرفة:لا شيء يخفى!هذا ما يتوجب معرفته.

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 23-04-2013