الشاعر مصطفى مراد رحيل صامت بعد حياة صاخبة - بقلم نضال حمد

الشاعر الراحل مصطفى مراد

 

ضاحكا سوف اذهب للموت

اخبىء فرحي/ زوادتي

في حقيبة بنية

بلون التراب

وامضي

الى التراب الذي أحبه.


ضاحكا سوف اذهب

الى التراب الذي

نسيت ان اكرهه

مثلما، المسكين، كرهني حتى الموت.


ضاحكا سوف انسل من عينيك

مثل دمعة بيضاء

تمنيتِ ان ينزفها قلبك

ولم ينزفها

ولن ينزفها

ايتها القاتلة القتيلة.

*

ذهب مصطفى مراد الى الموت ضاحكا ..

 ترك خلفه المنتدى، رفاقه ورفيقاته، عائلته وأولاده وبناته..

 ترك خلفه بلدته يافا الناصرة والجليل وكل فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني البغيض.

 ترك خلفه صراعاته وجولاته وصولاته ومواقفه الحادة وصراحته الصادمة، وكل ما عرفناه من كتاباته، التي اتفقنا مع بعضها واختلفنا مع بعضها الآخر.

تعرفت على أبي مراد الشاعر الجليلي من فلسطين المحتلة سنة 1948 في الشبكة العنكبوتية، وبالتحديد في منتدى من المحيط الى الخليج. الذي قام هو نفسه بتأسيسه. كان ذلك قبل نحو عشر سنوات. وأصبحنا صديقين، وعملنا معا، ولم يتسنى لنا اللقاء لا داخل ولا خارج فلسطين في يوم من الأيام، ولا طيلة تلك السنوات. فالاحتلال الصهيوني كان ولازال عائقا بوجه لقاء الشريد بالشريد.. لكننا رغم العوائق تحدثنا هاتفيا عدة مرات، وتراسلنا بمئات الرسائل التي مازال بعضها موجودا أو منشورا في المنتدى.

 

 المنتدى كان بالنسبة لمصطفى مراد كل شيء في آخر سنوات حياته وحتى مماته في الرابع في تموز - يوليو المنصرم. أعطى زميلنا مصطفى مراد صحته بالتقسيط للموقع، حيث كان يجلس ساعات طويلة من النهار والليل موصولة ببعضها لمتابعة شؤون المنتدى من الصغيرة الى الكبيرة. وكان حريصا على ان يكون المنتدى ممثلا ثقافيا للعرب من محيطهم الى خليجهم، فسجل في عضويته كتاب وأدباء ومثقفون عرب من كل البلدان العربية، جمعتهم صفحات المنتدى ولم تجمعهم المواقف السياسية التي فرقت بينهم في أوقات مختلفة من عمر المنتدى.وفرقت بيني شخصيا وبين مصطفى مراد حيث اختلفنا في الموقف من ربيع العرب الذي تحول الى كابوس رهيب لكل العرب. وافترقنا بمحبة وبصمت كما التقينا على المحبة والإبداع لأجل مستقبل أفضل.  وربما فراقنا هذا هو الذي جعلني لا اعرف بوفاته إلا بعد شهر ونصف على رحيله.

غادرت المنتدى ولم أعد الى هناك إلا ليلة الأمس حيث بالصدفة وأنا أشاهد صفحة الفيس بوك وجدت نعيا لأبي مراد. ذهلت فور قراءتي الخبر، الذي صدقته، لأن مصطفى نفسه قبل سنة ونصف قال لي أن أيامه أصبحت معدودة. حيث كان حديثنا ذلك الذي ابلغني فيه انه تم بتر ساقيه. وأردت ان أمازحه واخفف عنه فقلت له :ها أنت يا شاعرنا تنضم الى قسم المعوقين جسديا في المنتدى... وكنت بذلك اقصد نفسي لأنني منذ حصار بيروت سنة 1982 ومجزرة صبرا وشاتيلا وأنا أعيش بلا ساقي اليسرى، التي تركتها على رصيف بيروتي مؤدي الى مخيم شاتيلا بعد معركة مع الدبابات الصهيونية. وفي المقابل لم أترك "يساريتي" ولم أتخل عن عروبتي وقوميتي.

ضحك أبو مراد من كلامي وقال لي لكني قد أسبقك الى الموت، فحضر لي ملصقا ونعيا منذ الآن ..

ها هو مصطفى مراد يسبقني الى الله، وهو الذي كتب قصيدته الشهيرة بعنوان "الله"..

 يرحل مصطفى مراد المشاكس، المقاتل، المواجه، الممانع، الرافض، الواضح في العداء وفي الصداقة. يرحل بصمت بعد حياة صاخبة، وهو الذي لم يصمت أبدا في حياته .. ولم يتوانى فيها أبدا عن رفع صوته عاليا والجهر بمواقفه، التي سببت له عداوات كثيرة داخل وخارج فلسطين المحتلة.

 

منتدى من المحيط الى الخليج الذي تركته شخصيا وخرجت منه بعد خلاف مع الراحل مصطفى مراد ومع أخوة وزملاء آخرين هناك معظمهم التحقوا متأخرين بالمنتدى. كان يجمع أسماء ووجوه ثقافية وأدبية لامعة من بلاد العرب الممتدة من المحيط الى الخليج ومن الخليج الى المحيط.  فهناك تعرفت على مبدعين ومبدعات من المغرب العربي الكبير، من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا، ومن مصر والسودان. وعلى آخرين من بلاد الشام، سورية الكبرى، ومن شبه الجزيرة العربية واليمن. ومن بلاد المهجر والشتات في العالم الغربي، وبالذات الأوروبي، حيث ينتشر بعضهم او لنقل عدد لا باس به منهم. لن اذكر إلا بعض الأسماء مع احترامي للآخرين ذكورا وإناث، كتاب وكاتبات.

اذكر الكاتبة والشاعرة المغربية د. أسماء غريب المقيمة في ايطاليا. التي ترجمت ونشرت عبر المنتدى مئات القصائد والقصص والنصوص لكتاب وكاتبات المنتدى. ومنها مجموعة قصصية كاملة لي.

اذكر المبدع التونسي الأديب المتألق والجميل ابراهيم درغوثي الذي نشر وترجم للفرنسية مئات القصص والقصائد والنصوص ومنها مجموعة نصوص وقصص تخصني. فمن خلال المنتدى تعرفت عليه وقمت فيما بعد بدعوة من اتحاد كتاب تونس بزيارة "توزر" مدينة أبو القاسم الشابي، حيث التقيت بإبراهيم درغوثي و عباس سليمان وجمال الشابي وزرنا معا قبر الشاعر الكبير ابو القاسم الشابي.  تلك الرحلة  ربيع سنة 2007 كانت رحلتي الأخيرة الى تونس ما قبل الثورة.

 في المنتدى الذي رافقني إليه صديقي الفلسطيني الشاعر يوسف شحادة قام الأخير بترجمة عشرات القصائد والنصوص من العربية الى البولندية وتم جمع ذلك في كتاب صدر في مدينة كراكوف البولندية عن المنتدى. يحتوي على قصائد وقصص مختارة ومترجمة.

هناك زملاء وزميلات آخرين ترجموا الكثير من القصص والنصوص والقصائد للغات أخرى مختلفة منها الانجليزية والفارسية والكردية والألمانية.

معظم هذه الأعمال الثقافية مازالت منشورة وموجودة في المنتدى.

 

قالوا في وداع  مصطفى مراد

 الشاعر الفلسطيني الصديق د. يوسف شحادة من كراكوف في بولندا قال مودعا:

إلى الصديق مصطفى مراد - الشاعر والأديب الفلسطيني الشامخ النبيل الذي غادرنا إلى رحاب الله ورحمته:

ألم يستوطن القلب الذي أحبك ورآك في مرآته وما رآك
ألم وحسرة على فراقك وما التقينا قط ولا ظللنا الفراق
أبا مراد وأنت الآن على مشارف النور انثر ورودك البيض
على روح الأبد دعها تنشر ضوع الحياة في جسد المنتهى!

*

كتبت الشاعرة اللبنانية الصديقة هادية العبدالله، التي سماها أبو مراد فراشة المنتدى، واختلفت معه كما كاتب هذه السطور ... كتبت على الفيس بوك تقول :

رحمه الله ..انا ايضا اختلفت معه كثيرا لكن عليّ أن أعترف أنه ترك في القلب غصّة والى الآن لا أصدق رحيله...

ما يعزينا يا نضال أن مصطفى الان يرى الحقيقة ..

هو الان في مقام الكشف حيث لا غشاوة لا تجبّر لا مكابرة لا عناد هو حيث.."فبصرك اليوم حديد".

*

وفي ذكرى أربعون يوما على وفاة الراحل مصطفى مراد كتب الفنان الفلسطيني محمود شاهين :

تصادف اليوم 14-8-2013 الذكرى الأربعون لرحيل الشاعر والكاتب الصديق مصطفى مراد مؤسس منتديات
من المحيط إلى الخليج .
لا يسعني في هذا اليوم يا صديقي إلا أن أذهب عميقا حيث التراب الذي يحوي جثمانك
بين أحضان المطلق الأزلي ، لأتلو عليك السلام واطلب إلى روحك الخلود في المطلق الأزلي الحي إلى الأبد
وأن يبعثك من جديد ، في خلق جديد ينتفي فيه القتل ، وتسوده المحبة والعدالة والفضيلة .
سلام عليك يا صديقي وأنت تتوحد مع المطلق ، وسلام عليك يوم تبعث ، وسلام عليك وأنت تعيش إلى الأبد .

*

الشاعر المغربي عزيز بومهدي كتب مخاطبا أعضاء المنتدى:
هل مات أبو مراد ؟
أم متنا نحن ؟
موته جميل كالمحنة . وأتمنى ان يكون موتنا محنة أخرى . .
أتمنّى أن نعيش كأغبياء. أو نعيش فقط كي نصلح جواربنا المتسخة .
نحن نظيفون بما فيه الكفاية، والموت أنظف منّا .

*

الكاتب المغربية سميرة بورزيق كتبت ترثي مصطفى مارد : " أبْكانا ونسيَ أن يبتسمْ".

... والتحفتَ بياضَـكَ
آثرتَ الترابَ الذي نسيتَ أن تكرهَ
أطفأتَ هلالَ الحب في عينيك
ضحكتَ
واستسلمتَ لغمامة .

السفر بعيد هذا المساء
وبعض من شعرٍ
وبعض من حب
وبعض من دم
وبعض من أطراف
تغرزُ الأظافر في جدران الناصرة
وتقول : لا تضحك*
وتقول : لا تغادر.

ماذا تقول الشرفة
لسنونوات هذا العام ؟
ستقول : لم يغادر
وتقول : لم يضحك ولم يسافر
فقط
أثلج راحتـَــه جحودُ الجسد
وآثر السكينة.
فقط
أركن قدره في جهة من القلب
وركب سحابة
.
.
انتظرْنَ عودته
فقد أبكانا...
ونسيَ أن يبتسم.

* إشارة إلى قصيدته : ضاحكا سوف أذهب للموت

*

ردة فعلي التلقائية على خبر وفاة مصطفى مراد سجلتها في الفيس بوك والمنتدى وجاء فيها:

في وداع الشاعر الفلسطيني مصطفى مراد مؤسس منتدى من المحيط الى الخليج ..

لم اكن اعلم بوفاة الشاعر مصطفى مراد إلا الآن وبالصدفة. رحمه الله.

كان مؤسسا لمنتدى من المحيط الى الخليج حيث تعارفنا لسنوات ومن ثم اختلفنا فافترقنا بهدوء كما تعارفنا.

لكن للتاريخ وبالرغم من اختلافنا في الموقف السياسي من الربيع العربي ومن أسلوب أبو مراد الذي كان قاسيا ومباشرا في كثير من الأحيان.

إلا أنني أسجل ان لمنتدى أبي مراد ونقده القاسي لي في كثير من الأوقات كان له بالذات فضل على تطوري الأدبي.

 سبق وقلت له في مراسلاتنا ومكالماتنا ان الانترنت سيقضي عليك .. وان المنتدى سيقتلك .. كان يعرف ذلك واستمر بلا توقف إلا في حالات المرض الشديد..

وكنت كتبت ونشرت في المنتدى قصة قصيرة بعنوان الحياة امام الكمبيوتر وأهديتها له، وهي موجودة في مجموعتي القصصية بعنوان " في حضرة الحنين " التي صدرت في شباط - فبراير من هذا العام 2013 .

 

في قصيدة بعنوان : مطر كتب الراحل مصطفى مراد:


الصغيرة التي"
تخضَّلَ جبينُها
بالحسرَهْ
حين قالت
ذاتَ صباح طريّ
"يابا..
يا ريت لو أنا كبيرهْ
عشان أطُول الشَّجَرَهْ"
صارَتْ غيمة خضراء
تظلِّلُ
صحراء العمر
اليابس
لولا عيون الصغار.

أذكرُ.. أذكرُ..
يومَها
انهمر مطر أخضر
على قلبِ العالم
المعتم
الذي
كان قبرا ميِّتًا
واستفاق".

 

وكتبت له يومها معلقا :

نعم يا مصطفى مراد :
سيهطل المطر
وتخضر الشجرة
وتكبر الطفلة

سيهطل المطر
كي لا يحرم الأرض

 من عشقه
ستخضر الشجرة
وتصبح الطفلة
أطول من شجرة سرو
وسوف تغدو الحياة
أجمل مما هي عليه

رحم الله الشاعر الذي أحب فلسطين حتى الثمالة.  

وداعا مصطفى مراد

 

* نضال حمد - مدير موقع الصفصاف الإخباري الثقافي العربي النرويجي

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 18-08-2013آخر تحديث