هواء طلق

دليل العودة إلى (كفل حارس) - رشاد أبوشاور


تعود كفل حارس اسما وتأسيسا إلى الزمن الكنعاني.

وهي المرتفعة عن سطح البحر، تأخذ نصيبها من الشمس، ومن الهواء، وتعلو أكثر لتقترب من السماء المفتوحة، مستمتعة بالحريّة والجمال، وراحة البال..قبل أن يدهمها الغزاة الصهاينة.

يحمل اسمها الكنعاني الأوّل ما يفيد بأنه( نصيب من الشمس)، وهذا ما سيتوقف عنده صديقي الشاعر والصحفي والكاتب الأصيل والمحترم حقّا هشام عودة ابن( كفل حارس)، الذي سيقدم لأبناء وبنات بلدته، هو وأهل البلدة، من الأجيال الطالعة( دليلاً) جغرافيا, وتأريخيا، يهدي أرواحهم دائما إلى ( كفل حارس) حيثما كانوا، في الشتات، والمغتربات، آو داخل فلسطين تحت الاحتلال في الضفة الفلسطينية.

لمّا عرفت من صديقي هشام أنه من كفل حارس، توجهت إلى موسوعة بلادنا فلسطين للمؤرخ والجغرافي الكبير المرحوم مصطفى مراد الدباغ، وبحثت عنها، فاهتديت إلى موقعها بين قرى وبلدات مدينة نابلس العريقة، وقرأت عنها نبذة في مجلد( الديار النابلسية) رقم 1، وعرفت أن أهلها غرسوا الزيتون، وعاشوا من محصوله، كما غرسوا التين..وهل تستقيم حياة الفلسطيني بدون انتشار الزيتون والتين والعنب والمقاثي والكروم؟!

سيعرف أبناء وبنات كفل حارس أن بلدتهم تقع بين قرى وبلدات هي بعض قضاء نابلس، وستشخص عيونهم جميعا إليها دائما، لتستضيء بشمسها العالية التي تبدو منارة تجتذب سفن الحنين، وتهديها، وتنقذها من التيه في بلاد الغربة.

من الجزء يبدأ هذا الكتاب_ الدليل، ويمضي بحامليه إلى ( الكّل)..والكّل هي فلسطين.

الدليل إلى كفل حارس لا يقود حامليه إليها بسلام، ففي الطريق احتلال وموت، ولذا سيأخذ الدليل حامليه إلى التاريخ المعاصر لفلسطين، للانتداب البريطاني، والاحتلال الصهيوني، فيعرّف أهالي كفل حارس الذين ولدوا بعد النكبة أن قريتهم مغروسة في الأرض الفلسطينيّة منذ أسلافهم الكنعانيين بناة الحضارة، ومؤسسي أبجدية اللغة، وأنها بهمتهم، وهمّة أبناء وبنات شعبهم ستعود لتواصل رحلتها في الجغرافيا والتاريخ حرّةً، وستلفظ الغزاة الصهاينة كما لفظت غزاة سبقوهم..كانت نهاية وحشيتهم واحتلالهم: الهزيمة.

الدليل إلى كفل حارس سيثير فضول من يقرأه ليتعرّف على ما يحيط بها، وعندها سيقع نظره على : حارس، وسلفيت، وديرستيا، وقبرة، وقراوى بني حسان، وبديا، وسرطه، وجماعين..الخ!

وسيعرف أن قضاء نابلس يتجاور مع قضاء طولكرم وقضاء رام الله، وقضاء الرملة...

المعرفة هذه تأخذ إلى معرفة أوسع وأشمل، أي إلى جغرافية فلسطين، وتاريخها القديم والمعاصر، مع تراكم الأجزاء والتفاصيل التي تشكّل كتاب الوعي اليقظ.

إذا تعرّف كل فلسطيني وفلسطينيّة على قريته، مدينته، بلدته، فسيمضي بعين القلب، ولهفة الروح، ويقين العقل، لاستكمال المعرفة التي تروي الظمأ، وتنعش وتغني الذاكرة.(وذكّر إن الذكرى تنفع المؤمنين..ص).

هشام عودة، ومعه أهالي كفل حارس، يذكّرون، وهم على ثقة بأن الذكرى ستنفع( المؤمنين) الذين سينشئون على العهد بتحرير كفل حارس، وقرى نابلس، وقرى الأقضية المجاورة والمتداخلة، والقدس قلب فلسطين، مرورا بقرى الخليل، وحيفا، ويافا وغزّة، واللد، و..من أريحا حتى آخر حبة رمل من رمال النقب، وحبة ماء من ميناء فلسطين على البحر الأحمر( أم الرشراش)، والبحر المتوسط.

نعم الجيل الآتي سيحرر فلسطين من أصغر موجة على شاطئ غزّة حتى التقاء ماء بحر فلسطين بماء لبنان على المتوسط..بحيث يشكّل هذا الماء امتدادا لشواطئ بلاد العرب على المتوسط دون عوائق، فهذا الماء لا يحتمل سفنا غريبة تحرم أهله من الإبحار عبره، فهو بحرنا منذ أسلافنا الفينيقيين_ الكنعانيين الأوائل، الذين رادوا دروب التجارة والتواصل مع الشعوب المجاورة على شواطئ المتوسط.

كفل حارس تنتمي لهذا الامتداد، وأهلها وهم ينتدبون شاعرهم وكاتبهم هشام عودة ليروي للأجيال حكاية بلدتهم، ويؤلف لهم كتابا يروي سيرة تلك البلدة العريقة، إنما ينتدبون راوية ينوب عنهم جميعا في تثبيت موقع ومكانة كفل حارس، بحيث يستحيل على الاحتلال الصهيوني، مهما حاول أن يطمس هوية المكان وتاريخه، فالمكان_ كفل حارس باق في عقول وضمائر وقلوب وذاكرة أهله، الذين سيتوارثون جيلاً بعد جيل الدليل الموجّه والهادي، والعهد على تحريره، أي تحرير فلسطين، لأن محبة كفل حارس، والانتماء إليها، انتماء لفلسطين، وعهد على تحريرها، وهو انتماء لعروبة فلسطين، فكما يأخذنا الدليل إلى قريتنا_ كفل حارس..أي إلى فلسطين، فإنه يعزز الانتماء لفلسطين العربيّة، قضية الأمة كلها.

يبدأ هذا الدليل_ السفر، من الجزء، ثمّ تتوسع الدائرة، وزاوية النظر، لتنطلق من فلسطين إلى فضائها العربي الذي لا يقبل أن يبقى خنجر صهيون مغروسا في قلبه.

منذ سنوات بدأت حركة نشطة مباركة بكتابة موسوعات المدن الفلسطينيّة، والقرى الفلسطينيّة، وهي وإن كانت مبادرات غير مدعومة ومرعية من مؤسسات، فإنها تسّد فراغا، وتؤدي دورا وطنيا وقوميا في ترسيخ المعرفة ببلادنا فلسطين، وبتزويد أجيالنا بالحقائق التي لا يمكن أن يلغيها التزييف، والتزوير، والتلاعب الصهيوني، فالمكان هو الإنسان نفسه الذي منح هذا المكان الفلسطيني قداسته، وعراقته، وهويته.

أحيي جهد صديقي الشاعر والصحفي هشام عودة في ( إبداع) هذا الكتاب الممتع الصادر حديثا بدعم من أهالي كفل حارس، الذين بهذا الجهد يصونون ذاكرة أبنائهم وأحفادهم وأجيالهم، ويقدمون ما يسهم في إنعاش الذاكرة الفلسطينيّة الجمعية التي هي الدينمو الموّلّد للوعي الذي يقود بالضبط لمقاومة النسيان، والعمل الدؤوب لتحرير فلسطين.

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 07-08-2013