على مسرحِ التاريخ... ماذا لو تكرَّر سيناريو الثمانينيات؟

فرنسا - فراس عزيز ديب

إن من يعارض فكرةَ تقمص التاريخ ينطلق من الجملة الشهيرة: «إنك لا تستطيع أن تشرب من نفس ماء النهر مرتين». الأمر هنا يبدو بديهياً، لكن علينا أن نتذكر دائماً أن الطبيعة لم تبدِّل شيئاً في التركيب الكيميائي للماء فالماء يبقى له التركيب ذاته. لكن قد يختلف الشارب أو حتى قد تختلف ضفة النهر، فالتاريخ ذاته لا يتكرر، لكن من قال إن الحوادث التاريخية لا تتكرر، بمعنى أن يتكرر روح الحدث ولكن في أزمنة وأماكن مختلفة وشخصيات جديدة.

ويستمر الجنون في الشرق الأوسط. نتائج هذا الجنون هي بحجمهِ تماماً، لذلك كنا نقول إن ما قبل الربيع العربي ليس كما بعده. حالة الضياع السياسي والأمني ما زالت مستمرة، تونس تعلن الحرب على الإرهاب، جيش مصر يقف في وجه التٌطرف دفاعاً عن الوطن والشعب، ليبيا دخلت الفوضى، والعراق يدفع ثمنَ مواقفه المشرِّفة في مواجهة العدوان على سورية عبر عشرات الشهداء يومياً نتيجة للإرهاب المتنقل. وحدها سورية فقط بنظرهم تواجه وتقتل «ثواراً» عُزلاً يحملون كل شيء إلا أغصان الزيتون.
ليس صحيحاً أن أحداً بات يعرف ماذا يجري، فالجميع بات أشبه بفريقي كرة قدم أعياهما التعب قبل ركلات الترجيح، فيتبادلون الكرات في منطقتهم ظناً منهم أن مجرد الخروج سيعني انقضاض الخصم؛ متناسين أن الخصم أيضاً بات في مرحلة الإجهاد. وحده الجيش العربي السوري يغرِّد وحيداً خارج هذا السرب. هو كقيادتهِ يعي تماماً أن أعتى جيوش العالم لا يمكنها أن تصمد ربع ما صمدَه على كامل التراب السوري في وجه هذه الحرب الضروس (التي لا يزال البعض يطلق عليها لقب أزمة). هو متيقنٌ تماماً أن أسراراً كثيرة لها دورٌ في صموده، على رأسها تأتي العقيدة.
عقيدة الجيش العربي السوري هذه الأيام كانت بنكهةٍ خاصة، كيف لا وقائد هذا الجيش يقوم بزيارةٍ ميدانية لتفقد إحدى التشكيلات المقاتلة المولجة بمهام الدفاع عن أمن المواطن في وجه الإرهاب المتنقل المدعوم غربياً وخليجياً.
غالباً ما تكون ردات فعل الصحف والمعلقين الغربيين «المصدومين» من أي حدثٍ يكذِّب تقاريرهم بأن أيام الأسد باتت معدودة مثيرة للسخرية. يحاولون قراءة خطواته هل هي متعثرة أم واثقة؟ قد يستعينون بخبراء الملابس ليستوعبوا نوعية القماش الذي فُصِّلت منه بزَّته الرسمية. لكنهم اليوم فتحوا فصلاً جديداً من هذه السلسلة التي لا تنتهي وهي الحديث عما قاله الأسد لجنود الجيش العربي السوري، ونسوا تماماً أن الأسد خاطب بلسانه كل من يريد أن يتابع حديثه عبر الشاشات، أما جنود الجيش العربي السوري فلا تفكروا كثيراً فيما قاله لهم، لأنه خاطبهم بلغةٍ لن تفهموها أبداً، أبجديتها عصيّةٌ على من لا يعرف معنى سورية الوطن. هي نوعٌ من التحدي الذي قرأه الجنود في عينيّ قائدهم، هي أيقونةٌ من الإصرار والانتماء الذي لن يفهمه تجَّار السياسة والدم. هي قوةٌ خارجة عن إرادة الأشخاص لن يفهمها إلا رجال اللـه على الأرض، قوة أشعرتنا وكأن الدبابة التي كان يقف عليها ذلك البطل وهو يمد يده ليصافح قائده، ترتجف.
لكن حلف المقاومة يعي تماماً أن هذا الجنون قد يدفع البعض للانتحار، لذلك كان لا بد من توجيهِ رسائل مهمة عبر القطب الثاني أيضاً في هذا الحلف، وهو الأمين العام لحزب اللـه السيد حسن نصر اللـه الذي أطل على جماهير المقاومة شخصيَّاً في «يوم القدس»، ليؤكد أن القدس هي البوصلة وزوال «إسرائيل» مصلحةٌ للجميع مهما طال الزمن ومهما «تآمر بندر».
«بندر بن سلطان» الذي كان محطَّ اهتمامٍ من وكالات الأنباء بعد الزيارة التي قام بها إلى موسكو ولقائه الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، لما تحمله هذه الزيارة في هذه الأوقات العصيبة من معانٍ كثيرة لا يدركها إلا من أعياهم الصمود السوري. فلماذا يجول بندر هنا وهناك، وهل حقاً إن الولايات المتحدة باتت أشبه بالسلطنة العثمانية ما قبل عام 1924 فيسارع البعض لوراثتها، أم إن الشرق الأوسط خرج عن سيطرة الجميع؟

هل خرج التحالف بين آل سعود و«الإسرائيلي» إلى العلن؟
لعل من سخريات القدر، ومن البديهات التي تثبت حجم التسطح الفكري الذي يعانيه مستثقفو الأمة، أن من قاتل «الإسرائيلي» وانتصر عليه وقدَّم الغالي والرخيص من أجل ذلك بات يُطلق عليه لقب «خادم المصالح الإسرائيلية» أو «عميل إسرائيلي». أما من تتلاقى مصالحه مع مصالح الإسرائيلي، فهو بطلٌ ممانع ويمتلك رؤية ثاقبة للأمور تجعله يطرح حلولاً للشرق الأوسط بكامله. ما الذي يمكن أن يمثل التحالف بين طرفين أكثر من تعدّدِ الأهداف المشتركة التي يلتقيان عليها، وأعداء مشتركين يسعون للتخلص منهم؟
- كلا الطرفين يعتبر نفسه عدواً للقيادة السورية، وأن هدف تقسيم سورية وأخذها نحو الكونفدرالية على أقل تقدير هو هدفٌ معلن لكلا الطرفين، ولم يعد هناك أبداً ما يمكن إخفاؤه.
- كلا الطرفين يعتبر نفسه عدواً لحزب الله، أو بالأصح كلاهما يعتبر أن لديه ثأراً لدى المقاومة يجب استرجاعه، مع فرقٍ بسيط أن طرفاً يسعى لاسترجاعه بطريقةٍ عقلانية، على حين لا يزال الطرف الآخر يتعامل مع فكرة الثأر من منظور صحراوي لا يعتمد الأولويات والنتائج. «آل سعود» يعتبرون أنفسهم قد أُهينوا عندما قاد الحزب معركة إسقاط «سعد الحريري»، تحديداً أنه دخل البيت الأبيض رئيساً للوزراء ليخرج منه نائباً على التويتر. أما الكيان الصهيوني فواقعات إذلاله من المقاومة أكثر من أن تعدّ.
- كلا الطرفين له عدوٌ مشترك هو إيران، فإذا افترضنا أن هذين الطرفين إضافة لإيران يمثلون ثقلاً دينياً أو مذهبياً معيناً، فهذا يعني أن مذهبهةَ الصراع مفيدة بحيث تكون إيران هدفاً لكليهما. الأول يتخلص من الكابوس النووي والثاني يستطيع أن يفرض نفسه حاملاً للراية الإسلامية بعد أن يتمكن من إسقاط إيران «الشيعية».
وحدة الأهداف هذه ليست عبثية، لكنها مترافقة مع لحظة تاريخية تخص مملكة «آل سعود» تحديداً، فهي شئنا أم أبينا الآن خالية من رأس سلطةٍ يقرر. لا الملك ولا ولي عهده ولا وزير خارجيته يدرون ما يجري من حولهم، والأسباب واضحة ومعروفة وهذا ما يفسر لنا إصرار الولايات المتحدة على عودة بندر رئيساً لجهاز الاستخبارات، لأنها كانت تعي أنه سيكون يوماً الحاكم الفعلي المناسب في هذا الزمن العصيب، الذي يحتاج فيه إتمام المشروع الأميركي في المنطقة إلى كل جهاديي وسجناء العالم. كنا عبر عقود نسمع عن فرار سجين هنا أو هناك، الآن بتنا نسمع وبشكلٍ يومي عن فرار سجناء وبالمئات، تحديداً من الدول التي لـ«آل سعود» و«آل ثاني» سطوة عليها. إذاً هذا التحالف بات أمراً واقعاً وعليه يتم بناء المستقبل كما يخطط له الكيان الصهيوني وتموله بعض مشيخات النفط.
إن إخفاق الطرفين حتى الآن في الموضوع السوري قد يدفعهما نحو فكرة أساسية وهي إنشاء ما يمكن تسميته اصطلاحاً «جيش سورية الجنوبي»، ليحاكي فيه تماماً فكرة «جيش لبنان الجنوبي»، الذي كان خطّ الدفاع الأول عن الكيان الصهيوني. الغاية من هذا الجيش هي اعتماد هذه القوة كنواةٍ للقيام بعمليات محددة ومحكمة تستهدف المواقع الحساسة للجيش العربي السوري، دون أن يتبنى الكيان الصهيوني ذلك علناً، ليبدو الأمر وكأنه صراعٌ بين معارضة وسلطة يحقق فيه الكيان الصهيوني مآربه. هذا الأمر يبدو اليوم جلياً من خلال تبني الكيان الصهيوني لجرحى العصابات المسلحة التي تدخل أراضي فلسطين المحتلة، (كنا نتمنى لو أن الصحافة الصهيونية تمتلك الجرأة وتُفصح لنا من يدفع ثمن تكاليف العلاج). كذلك الأمر الحديث عن بيع الكيان الصهيوني لأسلحة منسقة بقيمة 50 مليون دولار، تقول تقارير إن دولة خليجية قد اشترتها بالكامل. الأهم من ذلك سهولة نقل السلاح من هذه المنطقة إلى المواقع الحدودية بالكامل وتحديداً أن نافذة لبنان قد أُغلقت بعد سقوط «القصير». أما النافذة التركية فهي باتت مصدر قلق لـ«آل سعود» أنفسهم، في ظل تصاعد الأحداث في تركيا وإمكانية انفجار الوضع هناك، ودفع الأكراد لإعلان مناطقهم فدرالية مستقلة قد تفتح شهيةَ الكثير من الأقليات حتى في الخليج نفسه. كذلك الأمر أن المعارك التي تجري بين أكراد سوريين وتنظيم «النصرة»، أثبتت أن الأكراد السوريين لن يكونوا لقمةً سائغة كما يظنهم «آل سعود»، هذا ما بدا واضحاً من سير المعارك ولكن ما الذي يريده بندر في لبنان؟

زيارة بندر: معاقبة
الحلف المقاوم تبدأ من لبنان
إن المدرسة الواقعية في التحليل السياسي، تفرض علينا أن نميز بين تحليل الحدث والرغبات. حتى لو كان الحدث واقعهُ مؤلمٌ، علينا ألا نحاول تجميله على الأقل بيننا وبين أنفسنا، لأن الحديث عن الرغبات والأمنيات قد يدفع المواطن الذي يقرأ إلى اليأس فيما بعد عندما نجد أن الأمنيات تتعارض مع الواقع. يمكننا بكل حالٍ من الأحوال القول إن هذه الزيارة قد تأتي في إطارها الصحيح لو أن الأمر متعلق بدولتين لكل منهما قراره المستقل. بالطبع هذا الأمر ينطبق على الروس ولكنه لا ينطبق عن سفير مملكة الجهل عند تنظيم القاعدة «بندر بن سلطان»، لذلك عندما لا يكون هناك قوتان متوازيتان فاللقاء مفرَّغ من محتواه قبل أن يبدأ.
ليس صحيحاً أن كل زيارة يقوم بها هذا المسؤول أو ذاك لروسيا هي فقط من أجل استمالة الروسي، لا نعرف حقيقة لماذا نتجاهل أمراً مهماً وهو أن الطرف الآخر بات مأزوماً، وكما قلنا إن الضغط الذي يعانيه الطرف الآخر قد يدفعه للانتحار على مقصلة الصمود السوري، فلا الحل السياسي يقنعه ولا الحل العسكري قادرٌ عليه، لذلك قد يبحث عن انتصاراتٍ في مكان آخر تعيدُ له رونقه، وربما تشكل له نقطة انطلاقٍ لمرحلةٍ جديدة من التآمر.
السعودي أيضاً لا يمكن له أن يفكر بعمليةِ إدخال الروسي كوسيطٍ بين «آل سعود» والقيادة السورية لإعادة الثلاثي «السوري، المصري، السعودي» نحو الواجهة كقوةٍ متحكمة بالقضايا العربية الشائكة، من أجل محاصرة النفوذ الإيراني، لأن «آل سعود» أساساً لم يعودوا يفكرون بقضايا عربية شائكة، تحديداً أن عدد ما تسببوا بقتله هم و«آل ثاني» من العرب، لم تتمكن «إسرائيل» من تحقيقه طوال ستين عاماً ومع ثلاثة حروب خاضها الجيش العربي السوري مع هذا الكيان. كذلك الأمر لا يستطيع السعودي أن يطلب ضمانات روسية لـ«آل سعود» بعدم تفجير الوضع في الخليج في حال إكمال الحل السياسي في سورية. هذا الأمر ببساطة هو إهانة لهذه الشعوب إذا ما تحركت، وكأن هناك من هو قادرٌ أن يحركها ويوقفها، فهل سمعتم عن قادة حراك الشعب البحريني الأعزل الذي لم يحمل سكيناً في مواجهة قوات درع الجزيرة التي تقمعه، يُعلن ولاءه لهذه الدولة أو تلك، أو حتى يفكر بعقد مؤتمراته في طهران أو دمشق أو موسكو؟ أما الحديث عن ضمانات سعودية للروس بعدم تضرر مصالحهم في حال وافقوا على سقوط الأسد عسكرياً، فهي ضربٌ من الخيال، والبعض ينسى أن زيارة بندر سبقها تصريحات علنية للروس يتهمون فيها «آل سعود» بدعم العصابات الإرهابية، وما تقوم به روسيا الآن وما قامت به عبر سنتين لا يمكن لنا اختصاره بكلمة «ضمانات»، هذا تسخيفٌ لترابط الأحداث ونظرة هي أشبه بنظرة وزير الخارجية الإماراتي «المحنك جداً» لعبقرية «كوندا ليزا رايس»، دون أن ننسى بأن مجرد التفكير بأن «آل سعود» يلتقون ويحاورون بمعزلٍ عن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هي فكرة تنسف أي تحليل.
من خلال تقاطع الأحداث والتصريحات وما ينشر هنا وهناك قد نلاحظ أن الزيارة وإن كان هدفها الظاهري سورية، لكن هدفها الأبعد هو لبنان وما يحضر له. ليس من قبيل المصادفة أن يخرج «باراك أوباما» بتصريحٍ يقول فيه إن الوضع في لبنان تهديد للأمن القومي الأميركي. تزامن هذا الأمر مع القرار الأوروبي المرتبك باعتبار «حزب اللـه منظمة إرهابية»، ليرد عليه أتباعهم في لبنان بالقول: (لا حكومة تضم حزب الله... «طبعاً باعتباره منظمة إرهابية). حالة التضخم في المواقف وصلت إلى (رئيس كل لبنان) ميشيل سليمان، الذي قال للعلن ما يضمره منذ سنوات. للمرة الأولى منذ الطائف يخرج رئيس لبناني بما يمثله هذا المكان من رمزية طائفية في بلدٍ طائفي تدَّعي بعضَ طبقته السياسية ممارسة الديمقراطية، ليهاجم سلاح المقاومة علناً ويطالب بسحبه. كلام ميشيل سليمان كان لا بد له من حدثٍ يوازيه لإخراجه كبطلٍ قومي، فترافق الحديث عن سقوط صواريخ ادَّعوا أنها كانت تستهدف القصر الجمهوري ليبدأ بالمتاجرة بالحدث ويعلن أن الصواريخ لن تثنيه عن تصريحاته. تصريحات سليمان قابلها ثناء «إسرائيلي»، وبالتأكيد مباركة خليجية. ليس صحيحاً أن لعبة سليمان وما يجري في لبنان مهما قابلها السيد «حسن» بكلامٍ تصالحي جامع سيوقف ما يحاك، فقرار معاقبة حزب اللـه ومن خلفه إيران متّخذ والأمر قد يكون بانتظار التنفيذ لا أكثر، ولعل هذا هو السبب الحقيقي لزياره بندر وبعنوانٍ عريض:
حزب اللـه كمنظمة عسكرية في لبنان لا يمكن لها أن تستمر، وقرار إنهائها سعودياً و«إسرائيلياً» وبمباركة أميركية (تجعلها تراقب عن بعد)، قد اتخذ، فما الموقف الروسي في حال اندلاع هذه المواجهة واقتصارها على لبنان فقط؟
عندها يكون الحلف المعادي لم يخلّ بشروطه مع الروسي بأنه لن يُسقط الأسد عسكرياً، لكن في حال تدخل الأسد عندها يكون هو من أقحم نفسه بالمواجهة وعلى روسيا أن تقف محايدة. لكن يبدو الأمر غريباً للبعض أن يتم طرح رسالة كهذه عبر «بندر بن سلطان»، وليس عبر الإسرائيليين أو الأميركيين:
من الطبيعي ألا يعلن الإسرائيلي والأميركي هذا القرار للروس، لأن خروج هذا القرار من «دولة» تعتبر نفسها تسيطر على نصف لبنان والأردن والمعارضة السورية وقادماً مصر، إضافة إلى أنها (نظرياً) معادية لإسرائيل ومعنية بالقضية الفلسطينية يكون بحكم الواقع قراراً من دولة تريد الدفاع عن مصالح الأمة، وليس دولة تريد تمديد نفوذها وهذا الأمر يجب ألا يستفز الروسي أو غيره.

هل تتذكرون سيناريو الثمانينيات؟
مخطئٌ من لا يقرأ التاريخ، تحديداً أولئك الذين يقرؤونه من باب الانتقاد، وليس من باب التعلم. مخطئٌ من لا يدرك أن الأحداث تحاكي تماماً ما جرى في سورية في القرن الماضي، عندما بدأت الأحداث في أواخر السبعينيات عبر جرائم ارتكبتها عصابات الإخوان المسلمين بحق المدنيين والعسكريين، لتنتهي باجتياح بيروت عندما ظن الجميع أن الرئيس الراحل «حافظ الأسد» بات منهكاً، لتقف سورية بجيشها وتقدم أكثر من 12 ألف شهيد دفاعاً عن لبنان.
جاهلٌ من يظن أن رحلته في لبنان 2013 ستكون نزهة كما ظنها في ثمانينيات القرن الماضي باعتقاده أن الرئيس الصامد «بشار الأسد» بات منهكاً. قد يقول البعض إن «آل سعود» والخليجيين كانوا بعيدين تماماً عن أحداث الثمانينيات، بعكس اليوم فهم يسيطرون على المعارضة السورية بالمطلق، عندها نقول لهم راجعوا خطاب الرئيس الراحل «حافظ الأسد» عام 1982 عندما قال:
)خسئتم أيها الرجعيون، نحن لن نضل الطريق، لأن لنا قضية نمسك بها، لأن لنا وطناً نحبه ونمسك به، أما أنتم فلا وطن لكم. لأن وطنكم هو حيث مصالحكم الانتهازية، حيث جشعكم، حيث انتهازيتكم، وطنكم حيث الظلم والقهر حيث الحقد والاستغلال). اسألوا أنفسكم من كان المعني غير المباشر بهذا الخطاب الذي زادت رجعيته عبر ثلاثين عاماً لدرجةٍ أصبحت فيها دماء السوريين نخباً يشربونه مع كل مجزرةٍ يرتكبها أتباعهم. من ثم نقول هو سيناريو الثمانينيات ذاته مع اختلاف بسيط أن من رصاصه بالكاد كان يصيب الجندي الصهيوني، بات اليوم قادراً على أن يصيب ما هو أبعد أبعد من حيفا. ومن تكتيكه أسقط قوات المارينز بعد إنزالهم في بيروت، بات اليوم قادراً أن يستهدف هذه القوات وهي في سفنها.
دققوا بما نشرته النيويورك تايمز منذ أيام عندما أعلن محللون في وكالة الاستخبارات الأميركية استنتاجاً مفاده أن الهجمات «الإسرائيلية» الأخيرة على مخزن سوري لم تنجح في تدمير محتوياته، إذ نجح السوريون في نقل بعض الصواريخ روسية الصنع إلى مكان آخر قبل تنفيذ الهجوم «الإسرائيلي». تلك الصواريخ التي قالت الصحيفة إنها تشكل تهديداً للسفن الأميركية و«الإسرائيلية». بالطبع لا يعنينا الكلام عن الغارة باعتبار أن كلا الطرفين لم يعلن عنها أي شيء، لكن ما يعنينا تماماً أن الصحيفة أكدت أن «النظام» تعمد إشعال النيران في المنطقة للإيحاء بأن هذه الأسلحة قد تدمرت بالكامل.
كم يبدو جميلاً إشعال النار لكي تموِّه وتخفي مكان أو «وجهة» الهدف. ألم نقل لكم إنه سيناريو الثمانينيات يتكرر.
إذاً ربما هي ساعات التفجير الشاملة، أو ساعات ما قبل ولادة الشرق الأوسط الجديد الذي مهما حاول أن يرتِّبه الأفّاقون، فإن طائر الفينيق سيظهر في كل «داريَّات» الوطن ليحوِّل الحطام إلى أملٍ بأن القادمَ أجمل.

* الوطن السورية

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 12-08-2013