تسعة وتسعون أردنية .. وتسعة أمريكية ! - د.امديرس القادري

يجتاح تسونامي " التسعات " التي ظهرت مع الإعلان عن نتائج الثانوية العامة الأردنية " التوجيهي " أوساط عديدة من شرائح المجتمع الأردني وذلك بعد قيام وسائل الإعلام المختلفة بتسليط الأضواء على ما اعتبره البعض منها " ظاهرة " تستحق الدراسة والمتابعة لما فيه خير الصالح العام ومستقبل هذا الإمتحان ، كذلك الأمر فقد قام العديد من الكتاب بعرض الموضوع وأشبعوه نقداً وتحليلاً ، كل ذلك جاء بعد أن أقدمت الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة " ذبحتونا " على مطالبة وزارة التربية والتعليم بتقديم تفسير منطقي ومعقول لما اعتبرته إرتفاعاً ملحوظاً وكبيراً لعلامات معدلات الطلبة في إمتحان الثانوية العامة في دورته الأخيرة .

إنطلقت حركة " ذبحتونا " الشعبية في إثارتها لموضوع " التسعات والتسعينات " بعد أن رصدت هذا الإرتفاع على المعدلات والذي يصعب تصديقه إنطلاقا من معطيات أرقام النتائج التي أعلنتها وزارة التربية ، وهذا ما أثار اللغط والجدل عند البعض ، والتساؤل والإستغراب عند البعض الآخر ، وصولا إلى توجيه الإتهامات التي لا تستند إلى حجج أو دلائل حتى اللحظة إلى وزارة التربية كجهة مشرفة ومسؤولة عن هذه التسعات وما تمخض عنها من تسعينات في نتائج المعدلات .

من المسؤول عن هذه الظاهرة ؟ التي برزت وللمرة الأولى وبهذا الإرتفاع الذي عكسته نتائج دورة هذا العام ، وما دام الباب قد " إنفتح " على مصراعيه في ما يخص الأسباب والتكهنات والتسريبات فلا بد من قيام الجهة المسؤولة بالتحري والدراسة وإستخلاص العبر والنتائج ، وحتى لا يقال في يوم من الأيام بأن المتفوقين " والشاطرين " في بلدنا ليسوا سوى " فستق فاضي " قائم على الغش وعلى صفقات يصعب الحديث عنها الآن في ظل عدم إكتمال المعلومة وضبابيتها .

ولكن ، وبمناسبة الحديث عن " تسعات " الثانوية الأردنية الذي يملأ الأجواء هذه الأيام ، فلقد برز عندي وكمتابع للشأن الفلسطيني سؤال مهم ، وقد تكون الصدفة السياسية هي التي فرضت وجوده من الأساس ، وهذا السؤال يتعلق " بتسعة " وزير الخارجية الأمريكي السيد جون كيري ، والذي أعطى مهلة تسعة شهور كحد أقصى للطرفين الفلسطيني و " الإسرائيلي " للوصول إلى حلول ذات نتائج ملموسة وذلك من خلال المفاوضات الثنائية التي تم الإعلان عن إنطلاق قطارها الأسبوع الماضي من العاصمة الأمريكية واشنطن .

بطبيعة الحال لا توجد علاقة على هذا الصعيد بين وزارة التربية والتعليم الأردنية ووزارة الخارجية الأمريكية ، وكتحصيل حاصل ، فلا توجد أيضا علاقة بين الوزير الأردني السيد جمعة الوحش والوزير الأمريكي جون كيري ، فالرابط الوحيد هنا يتمثل في الرقم تسعة والذي تصادف الإعلان عنه في ذات الأسبوع في العاصمتين الأردنية والأمريكية ، نقول ذلك حتى لا يساء فهمنا وتحديداً على الصعيد المحلي الأردني والذي لا يقل في أهميته عندنا عن الأهمية التي نتمسك بها بخصوص الشآن على الصعيد الفلسطيني ، فالطرفين أشقاء ، وما قد يصيب هذا الطرف قد يتأثر منه الطرف الثاني !

معالجة ما قد يتمخض عن " تسعات " وزارة التربية الأردنية قد يكون أهون ألف مرة مما قد تسفر عنه أشهر جون كيري التسعة والتي وضعها كسقف زمني أعلى لحل القضية الوطنية الفلسطينية التي يقترب عمرها من السبعة عقود ، ومن هو العاقل الذي يمكن أن يصدق ؟ بأنه وخلال تسعة شهور فقط سيتم وضع حلول للدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة ، وللقدس ، ولحق العودة ، وللمستوطنات التي باتت تملأ أراضي الجزء الشرقي من الوطن الفلسطيني والذي يحلو للبعض بأن يسميه ضفة غربية !

في الختام ، فإننا نود التأكيد على أنه لا يمكن لنا ولا بأي شكل من الأشكال أن نشكك أبداً في وجود الطلبة الأردنيين المتفوقين والقادرين على الوصول إلى معدل التسعة والتسعين في إمتحان الثانوية العامة ، ولكن وإنطلاقا من معطيات التاريخ المملوء بالمواقف ، وبالسياسات الأمريكية الظالمة والمنحازة لعدونا الصهيوني ، فإننا لا يمكن ولا بأي حال من الأحوال أن نصدق امكانية ولادة ذلك الحل الذي تقوم بالترويج له الإدارة الأمريكية عبر وزير خارجيتها جون كيري ، والذي نحن على قناعة تامة بأنه لن يحصد في نهاية التسعة شهور سوى الفشل والطريق المسدود وبنسبة مئة بالمئة .

نجح الطلبة الأردنيون ، أما السيد جون كيري فليعلم أنه راسب وبإمتياز في إمتحان القضية الوطنية الفلسطينية ، وليعلم بأن المولود الذي ينتظره في نهاية التسعة شهور ميت لا محالة ، وإذا كان يبحث عن نجاح فعلي ومنطقي فإن عليه وعلى بلاده أن يراجعوا الكثير من الدروس الظالمة التي أصروا ولا يزالون يمعنون في فرضها على شعبنا الذي لن يقبل إلا بالإنتصار الحتمي والمؤكد في معركة صراع المصير التي سيواصل خوضها ضد عدوه الصهيوني المجرم .

على خط النهاية ، وقبل أن نضع النقاط الأخيرة لهذا التسعات ، فاليوم رحل شهر رمضان الفضيل عائداً إلى السموات العُلى التي درج على أن يأتينا منها منذ بزوع فجر الإسلام ، وبالمقابل أتى وحل علينا عيد الفطر السعيد تجسيداً لهذا التزامن والترابط الأزلي بين المناسبتين ، وبذلك فنحن " مجبرين " على أن نقول لكل شعوب الأمتين العربية والإسلامية : كل عام وأنتم بخير ، بالرغم من كل هذه الدماء البرئية التي تسيل عبر الإتجاهات الأربعة للمكان العربي ، فهل يستطيع الأحرار أن يتناولوا " كعكاً " معجوناً ومخبوزاً بهذه الدماء ؟ لا أعتقد ولايجوز ، ما دامت هذه الأمة قابعةً عند حدود وتُخوم " صفرها الدموي " في معركتها من آجل الكرامة ، والحرية ، والإستقلال الذي لن يهبط من السماء حتي نعمل له بصدق على هذه الأرض ، فالمسافة لا تزال بعيدة حتي يتحقق الوصول الفعلي إلي " درجة التسعة " المطلوبة للنجاح على هذا الصعيد !

د.امديرس القادري

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 12-08-2013