ماذا يحصل في مدينة عكا على الساحل الفلسطيني ؟ - نبيل السهلي

بعد أن احتلت العصابات الصهيونية مدينة عكا في عام 1948 ، حاولت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تهويد الزمان والمكان في جنبات المدينة التي طالما كنت عصية على الغزاة . طالعتنا الصحف الإسرائيلية قبل أيام بنبأ خطير ، مفاده قيام وزارة السياحة الصهيونية بعرض خان المعمدان – الذي يعتبر ارض حضاري مسجل في اليونسكو – للبيع وإقامة فندق سياحي عوضاً عنه .

الأمر الذي دفع عدد كبير من المتابعين تسليط الضوء على سياسة التهويد المتبعة في المدينة، وفي هذا السياق تتعرض مدينة عكا في الساحل الفلسطيني الآن إلى حملة تهويدية مبرمجة تستهدف الإطباق عليها . وتسعى المؤسسة الإسرائيلية الى استغلال أعباء الضرائب على العرب في المدينة. حيث تقوم وزارات مختلفة وبحجة ترميم الأحياء والشوارع القديمة في مدينة عكا زيادة الضرائب على المواطنين، الامر الذي يجعلهم غير قادرين على الالتزام بالدفع؛ والتخلي في نهاية المطاف للمؤسسات الإسرائيلية عن العقارات والمحال التجارية. لقد تعرضت مدينة عكا خلال العقود الماضية من احتلالها لمحاولات إسرائيلية مبرمجة لتهويد ما تبقى من معالمها العربية. ناهيك عن السياسات الإسرائيلية المتبعة لتهجير سكانها العرب أصحاب الأرض الأصليين. ولم تكن الاعتداءات التي تحصل بين فترة وأخرى على العرب في مدينة عكا سوى حلقة من عدة مخططات تستهدف افراغ المدينة من أهلها العرب في نهاية المطاف بغية تهويد الزمان والمكان وتطبيق فكرة يهودية الدولة عبر طرد الأقلية العربية واحتلال ما تبقى من ارض بحوزة الفلسطينيين في عكا وغيرها من مدن فلسطين وقراها .

من المعروف أنه قد بقي في داخل المناطق التي اقيمت عليها اسرائيل في ايار من عام 1948 نحو (151) الف عربي فلسطين؛ تجمع القسم الاكبر في منطقة الجليل الفلسطيني ومنها مدينة عكا على الساحل الفلسطيني الجميل. ويقطن في مدينة عكا في عام 2013 حسب الدراسات المختلفة نحو (60) الف نسمة، من بينهم 40000 مستوطن يهودي و 20000عربي. أي ان المدينة تعتبر مختلطة من حيث السكان العرب واليهود. ويتمركز العرب في عكا القديمة بنسبة تصل إلى 100%، وخارج الأسوار في حي فولفسون بنسبة حوالي 90% من الحي، ومركز عكا الجديدة بنسبة نحو 70%. فيما يتمركز السكان اليهود في الحي الشرقي من عكا حيث موقع الأحداث الأخيرة بنسبة تصل إلى حوالي 98%، وفي شمال عكا بنسبة حوالى 75%. ورئيس بلدية عكا وغالبية مؤسساتها التابعة للحكومة هم من اليهود، لذا يعاني سكان عكا العرب من تمييز عنصري ضد الأقلية العربية بشكل عام ومن تمييز عنصري في المدينة بشكل خاص. الامر الذي ادى الى قلة عدد المدارس العربية واكتظاظها في المدينة والنوادي الخاصة بالعرب ناهيك عن ضعف الخيارات للعربي بفعل سياسة الاسرلة المتبعة في المدينة والتي جعلت الاقلية العربية في داخل الخط الأخضر هامشية في المستوى الاجتماعي والاقتصادي. ورغم التمييز العنصري الواضح ضد العرب في عكا. يشهد المتابع تقدماً ملحوظاً للعرب في المدينة على المستوى الاقتصادي، فمعظم المحال التجارية في عكا القديمة ومركز عكا هي للعرب، كما أن العرب في مدينة عكا حصلوا في السنتين الأخيرتين على معدل نتائج في امتحانات الثانوية العامة أعلى بـ 12% من الطلاب اليهود في المدينة. وفي مواجهة الصمود العربي في المدينة، قامت السلطات الإسرائيلية باستجرار مجموعات المستوطنين للاعتداء على العرب في مدينة عكا بغية طردهم وإحلال اليهود عوضاً عنهم للإخلال بالتوازن الديموغرافي وتهويد المدينة بشكل كامل في نهاية المطاف .

وبالعودة الى تاريخ إنشاء المدينة، فإن الدراسات تشير الى أنها تأسست على الساحل الفلسطيني الجميل على يد إحدى القبائل الكنعانية المعروفة بالجرجاشيين في الألف الثالثة قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام. وسميت المدينة عكو، أي الرمل الحار.وتقع عكا المدينة في الطرف الشمالي لخليج عكا، ويدل موقعها بين راس الناقورة شمالاً وجبل الكرمل في وسط فلسطين على أهمية عامل الحماية واختيار الموقع. وأثرت هذه الصفة في البعد الاستراتيجي لموقع عكا منذ إنشائها. وتعتبر وظيفة عكا العسكرية من اهم وظائف المدينة التي تمتاز بها عن غيرها من مدن الساحل الفلسطيني الذي يمتد لاكثر من مئتي كيلومتر من الشمال حتى جنوب فلسطين المحتلة. وتؤكد أسوار مدينة عكا وحصونها وقلاعها وأبراجها المحيطة بها من جهتي البر والبحر على الأهمية الدفاعية في وجه الطامعين من الأقوام المختلفة. لقد كان الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمدينة عكا مدخلاً لأطماع الغزاة ،حيث تسابق على احتلالها غزاة كثر ورحلوا بسبب إرادة أهلها، بيد أن المدينة تعرضت خلال القرون الماضية لعمليات تدمير مبرمجة، ومن ثم إعادة ترميمها من جديد. لقد امتزج دماء شهداء أهل عكا بتربتها الغالية، وتاريخ أسوار عكا الشامخة التي تطل على البحر شاهدة على نضالات أهلها ضد الغزو الصليبي فضلاً عن كسر حصار نابليون بونابرت في القرن التاسع عشر الميلادي.

لقد أعطى موقع عكا الاستراتيجي أبعاداً أخرى لاتقل أهمية عن البعد العسكري. فعكا صلة الوصل بين اوروبا وفلسطين ، ونقطة تجمع الحجاج المسيحيين الى الارض المقدسة. وقد اقيم فيها في ايام ظاهر العمر والجزار خانات متعددة كان ينزلها المسافرون والتجار والقوافل التي تحمل خيرات البلاد لتنقلها السفن الى دول العالم ، ومن اشهر تلك الخانات خان الجزًّار وخان الشونة. ومن خلال سهل عكا كان أهلها يتمتعون بغلة زراعية وفيرة مثل الحبوب وأشجار الزيتون والخضار والموز والنخيل. وبفعل العوامل المختلفة التي تمتعت بها مدينة عكا في الجليل الغربي الفلسطيني، باتت محط أنظار الغزاة الصليبيين، حيث سعوا لحماية نفوذهم في فلسطين في اواخر القرن الحادي عشر الميلادي، من خلال محاولة الاستيلاء على الموانئ في الساحل الفلسطيني.

ففي عام 496هجرية الموافق لعام 1102ميلادية أسرت السفن الفاطمية في ميناء عكا سفنا تحمل حجاجاً مسيحيين عائدين الى بلادهم وباعوهم في سوق الرقيق في القاهرة، فخشي ملك بيت المقدس من سوء العاقبة، وحاصر مدينة عكا في العام التالي، فانجدتها السفن الفاطمية عبر نجدات من الموانئ المجاورة وقد ساعدها في الصمود تحصينات المدينة الجيدة، فعاد جيش الملك أدراجه مهزوما بعد حصار لم يدم طويلاً. لكن الملك استنجد بأسطول مدينتي بيزا وجنوا، فاحتلت الأساطيل الصليبية بعد اتفاق مع الملك ساحل جبيل ثم حاصرت مدينة عكا لمدة عشرين يوماً بعد صمود مشهود له في التاريخ إلى ان سقطت في عام 497 هجرية الموافق لعام 1104 ميلادية.وتوالت الاحتلالات على المدينة نتيجة موقعها الاستراتيجي. لكن عكا بأسوارها بلغت مجداً عالياً من الصمود خلال حصار نابليون لها في عام 1214 هجرية الموافق لعام 1799 ميلادية، حيث أوقف صمود أهل المدينة ومنعة الأسوار حولها تقدم جيش نابليون، بعد ان احتل مصر وسواحل فلسطين الأخرى. وتشير الدراسات التاريخية الى ان حصار جيش نابليون البحري والبري لمدينة عكا وهجومه العنيف على الاسوار إستمر من الحادي عشر من اذار من العام المشار اليه وحتى العشرين من ايار من العام نفسه. وتقهقر جيش نابليون بعد ذلك بفعل صمود اهل المدينة بقيادة الجزار من جهة ومساعدة الأسطول الإنكليزي بقيادة (السير سدني سميث) من جهة أخرى، حيث كان هناك تناحر بين الإنكليز والفرنسيين للسيطرة على بقاع الأرض والمناطق الهامة. وبعد هذه المعركة انتهت أحلام نابليون في محاولات السيطرة على الشرق.

ومن الأهمية الاشارة الى ان سليمان باشا العادل قد خلف الجزار في حكم مدينة عكا، وقام باعادة ترميم ما دمرته آلة جيش نابليون بونابرت، وخاصة الأسوار المنيعة والحصون المختلفة.

ومن جديد استطاعت بريطانيا عبر نفوذها وانتدابها على فلسطين خلال الفترة الممتدة من عام 1922 الى ايار من عام 1948 مساعدة العصابات الصهيونية في السيطرة على الساحل الفلسطيني ومنها مدينة عكا، حيث تم طرد غالبية قرى أهالي القضاء خلال نكبة فلسطين الكبرى في أيار من العام المذكور. ومن بين تلك القرى التي تم تدميرها قرية شعب والبروة قرية الراحل الكبير الشاعر محمود درويش، فتناقص مجموع سكان مدينة عكا من العرب أصحابها الأصليين ليصبح نحو نحو ثلاثة الاف بعد النكبة مباشرة. وقد ارتفع الى نحو خمسة الاف في عام 1965، وبفعل سياسيات الإجلاء الإسرائيلية القسرية بقي مجموع العرب ثابتاً في مدينة عكا حتى عام 1973. ثم ما لبث ان ازداد بفعل الخصوبة العالية عند النساء العربيات؛ حتى وصل مجموعهم الى نحو عشرين الف عربي في العام الحالي 2013.

ماذا يحصل في مدينة عكا على الساحل الفلسطيني ؟
 

 

 

 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 20-10-2013آخر تحديث