الفيسبوك اظهرنا على حقيقتنا - د. نسرين حرب

هذا المنبر العظيم ، هناك اشخاص لم يمسكوا بحياتهم “مايك” ليعبروا فيه عن رأي او يصدحوا بخطاب، هناك اشخاص لم يُسألوا طوال حياتهم ما رأيكم بهذه الحالة او تلك ، هناك اشخاصٌ ايضا لم يسألهم احد ماذا تشعر الآن ؟ وهناك اشخاص لم يسألهم احد : ماذا يخطر في بالك الان ؟

هذا السؤال بعمقه النفسي الكبير ، شجع الملايين من الاشخاص لان يكتبوا شيئا ما وان لم يكن مترابطاً، او خالياً من الخامة الأدبية او الفنية ، واحيانا خالياً من المغزى ، وعلى العكس ايضاً أبرز بطريقة تلقائية من يحسنون الكتابة ، الابداع، السياسة، النقد ، المزاح ، التحليل الذكي و المواهب الشعرية ، ابرز البعض منهم للسطح بسرعة .

تعلق الاشخاص بهذا المنبر يرتبط بشكل مباشر بمدى الكبت الداخلي الذي مر على “مواهبهم” ، وان لم تكن مواهباً في بعض الاحيان ولكن هم انفسهم لايرون في انفسهم الا مبدعين تائهي الفرصة ، لاشك ان ذلك منح الجميع ثقة كبيرة في النفس ، الجرأة بحد ذاتها على ان اضع شيئاً او اقول رأياً بحضور مجموعة من الاشخاص هو تحدي عظيم للعديد ممن لا قيمة فعلية لرأيهم على ارض الواقع ، شعروا ان الفيسبوك منح صوتهم قيمة ، ولو كانت افتراضية ، ومع اولى بوادر الاعجاب او التصفيق من محيط الاصدقاء قارئين المنشورات، تبدأ الثقة بالنفس بالصعود افقياً.

حتى الان يبقى الوضع متزناً ، ولك اكبر القيم من وجهة نظري ان الفيسبوك سمح لي بالدخول للعقل ذاته ، ان تابعت جيدا اسلوب منشورات احدهم وطريقة تعليقه وتفكيره وتحليله وتركيبه لقصة ما او لحكمة او حتى لصورة ، تستطيع ان تختصر سنيناً من الاختلاط والمعاشرة الاعتيادية التي لن تمنحك هذه المعلومات عن ذلك الشخص مجاناً ، بدون تجارب حادة الأذى فرضاً .

الدخول للعقول يجعلك ببساطة تستطيع تمييز: مبتكر ، حاقد، فنان، مكبوت ، مغمور، متردد، شجاع ، وقح، يهوى التلقين ، واثق من نفسه، قليل الثقة بنفسه، قليل الثقة بالاخرين، مريض، معقد ، تافه، مغرور، اجتماعي ، محترم و و و و و و ……… الى مالانهاية .

الى الآن يبقى الوضع معقولاً ومقبولاً بل محبباً ومرغوباً، اكتشاف اغوار الاخرين ، مما اعرفهم او لا ، ولكن :

الملفت للنظر حقاً وجود ظاهرة التطرف .كيف؟

يمكن للشخص ان يكون متطرفاً في حبه مثلاً لفريق كرة قدم ، يشجعه لاقصى حد ويشعر بانتصاراته وكأنها فخر شخصي له ، يمكن له ان يكون حيادياً ايضاً اتجاه لعبة كرة القدم كلها ، فهي لاتعني له شيئاً ، كذلك قد تكون الفنون والآداب الانسانية ، قد تكون الدعابات ، قد تكون السياسة او الاقتصاد ليست محور استقطاب لانتباهه ، لايكره ولايحب .

اذاً ماهو التطرف في الفيسبوك الذي اظهره بشكل حاد ؟

التطرف بالرأي والتطرف بالحقد ، ظهر بشكل صارخ بما يتناسب مع مقدار الكبت الاجتماعي الذي عانى او يعاني منه الشخص يومياً ، لايستطيع احدهم ان يقول لوالده مثلا هذا الشيء انا غير موافق عليه ، او لايعجبني ، ارفض معاملتي بهذه الطريقة مثلاً .. ولكنه بالفيسبوك يمكنه ان يرفض وان يصرخ بذلك ، جعله الفيسبوك بعيداً عن ” العقاب” الذي يلجم تصرفات الافراد اتجاه مجتمعهم عادةً .

يمكنه ان يرفض فكرة بدءاً من عدم الاعجاب بها وصولا لشتم متبني الفكرة .. تتراوح هذه الدرجات مع حجم الكبت لديه ، مع حجم القسوة التي تعرض لها او على الاغلب مع حجم الصدمة التي شكلتها تلك الفكرة لعقله .

هذا التطرف بالسلوك لا يعود بنظري الا الى احدى العقد النفسية الحادة التي تشكلت مع حياة الشخص ، لاعلاق للفيسبوك بها ولكنه اظهرها فقط للعيان ، كالمرآة تماماً ، ولكنها مرآة ناطقة وتكتب ايضا .

السيء هو انعكاس السلوك التطرفي سواء بالتأييد الشديد للفكرة او الرفض الشديد للفكرة على الواقع ، اضافةً للتفكك الاجتماعي الكبير الذي حصل نتيجة ” الغربلة ” العقلية الحاصلة ، المجاملات الحياتية وحديث النفس في قلب كل شخص كانت مخففاً عظيماً لاي تصادم ، ولايعني ابداً موافقة او ضعف ، ولكنها شكلت مع الوقت ” عقدة” ، الانعكاس على الواقع في بلدي مثلاً ، تحولت الكثير من القضايا المتشابكة الى ازمة عقد نفسية وطائفية شديدة التعقيد ، انت تتطرف لرأيك او بردة فعلك لدرجة ان تخرج عن طورك ، لانك فقط تقول ما يدور في خاطرك .

اذاً الفيسبوك هو ليس منبراً للخطابة ، هو منبر لحديث النفس ، واحيانا يصل لادنى درجات “الهوا” بعد تدرج “الانا ” ولم تجد في طريقها اي عائق فاستمر هذا المنبر طريقه قدماً ليصل لدرجة ” الهوا” التي تحوي قاع النفس الانسانية : ببساطتها ووقاحتها وشهوانيتها وحيوانيتها او انسانيتها .

الاسوء هو : من الطبيعي بمكان ان اكون متطرفاً في تأثري الانساني بما اقرأ او بما ارى ، من المفترض بالبشر ان يكونوا ذلك نتيجة تراكم تجارب متتالية بحياتهم علمتهم الرحمة والقسوة والتفريق بالاستخدام بينها ، ولكن : من الغريب بمكان مثلاً أن تجد ناس سعداء لمقتل اطفال ، يُفترض بالنفوس البشرية وان وصلت لدرجاتها الدنيا ان تحتفظ بجذور الانسانية بها فهي لم تنفصل عن ذاتها وتتحول لوحوش فعلياً ، الاسوء فعلا هو ان ترى تطرفاً بالسعادة اتجاه “الجرائم ” بكل انواعها وان كانت “اهانة او شتيمة معنوية ” ، هذا التطرف بالانحدار الانساني يكشف الوجه المختفي الغاضب ، الذي من الممكن ان يظهر يوماً ما على شكل خطأ او جريمة اجتماعية تحت ضغط مناسب وبقوة كافية ، وهذا التطرف بالاشباع الوحشي الغريزي لعقدة الحيوان : انا الاقوى انا انتصرت لأنني مازلت حياً ، يعتبر من اخطر اسس تكوين الانسان ليصبح “مشروع مجرم” تختلف درجة تحقيق ذلك حسب احتماله للضغط المحيط ، المشكلة فعلياً في عدم تفريغ تلك الطاقة السلبية التي يُشحن بها الانسان لتحرك فيه وحشيته ، فهذه الطاقة اما ستتحول تدريجاً لانسان سلبي وحشي في المنزل او شديد الوحشية مثلا في الشارع ، قد تدفعه مباشرةً لارتكاب جريمة .

الحل في تفريغ هذا الغضب ، ولكن في ظل الاجواء المشحونة وصعوبة التحرك والاكتئاب العام الحاصل اضافةً للمشكلة الاقتصادية الكبيرة التي جعلت امكانية تحويل الغضب ل ” عمل ” رياضي مهني زراعي …الخ ، زاد من الطين بلة ، وزاد كثافة التطرف واستخدامه واقعياً، لا اقصد ذلك فقط في ميادين القتال بل بالاجواء المشحونة المتوترة التي ملئت المنازل والعائلات والعمل نتيجة فقط اني قلت : ماذا يدور في خاطري.

لذا تبقى نافذة التنفس الوحيدة برأيي، هي ايقاظ المواهب النائمة في نفوسنا ، مثلاً الرسم الكتابة ولو ليس بغرض النشر، زراعة، تربية حيوان اليف، العزف ، الاستماع ، تعلم لغة جديدة ، و و و …الخ ..هناك الكثير مما تخفيه نفوسنا من مواهب ، السعادة الضمنية التي تمنحها هذه المواهب كفيلة ان لاقت قبولا اجتماعيا مثلا ان تحول هذا الغليان لبركان ايجابي ، غير مضر على الاقل ، مع بعض التشجيع من الوسط المحيط بمكن فعلاً ان تُظهر مبدعاً جديداً ، بشرط صدق النقد ، المديح للتصرفات السلبية هو السبب الوحيد لتشجيعها للنمو ، وكذلك التصرفات الايجابية بدون تشجيع ستذبل حتماً ، لسنا في زمن الارداة الفردية الذاتية المتولدة من الداخل ، الضغط والضرر النفسي اكبر بكثير من كافة الاضرار التي اثرت بنا كانسان ، جعلتنا جثثاً تمشي وتتنفس فقط ، ومايشجع فكرة تنمية المواهب هو : توفر الوقت ، ليس لدينا الان اكثر من الوقت ، لتنمية موهبة او تعلم او تطوير النفس ، وليكن الدافع الظاهري هو الاستعداد للمرحلة المقبلة ، التي ستحتاج منا كشعب الى اقصى طاقاتنا الايجابية وابداعاتنا ، تحتاج بلدي لمثقفين مبتكرين وليس ناقلين ، تحتاج لرسامين وموسيقيين ومترجمين وكاتبين وتجار وعلماء وزراعيين ورياضيين ، بحالة عوز مضني لكل اولئك ، الفيسبوك منبر تجربة ولكنه ليس انت ، هو يظهر ملاكك اكثر وشيطانك اكثر ، نادراً مايظهرك كما تظهر على الواقع ، وسيبقى منبراً لمن اراد وكنز معلومات لمن اراد وموقع تواصل اجتماعي لمن اراد، ولكن تحويله الى بؤر غابات شيطانية سيضر بك انت .

امسك قلماً ، جرب ان تمسك قلماً حقيقياً ودفتراً واكتب ماذا يجول بخاطرك ، مهما كان ما تصل ليه من كتابة ، ولكنك ستبقى حقيقياً ، شخص ، شخص سوي ، وعلى الاغلب ستكتشف انك مبدع بشيء ما قد دفنته كما دفنت ذكريات طفولتك داخلك ، وكما بحثت عن ادنى درجات النفس لديك بحقدها وكرهها ، لاتنسى ان تبحث ايضا عنك انت ، كيف كنت تريد ان تكون حقاً ، بما انت مبدع حقاً، كيف كنت تحلم بأن تصبح يوماً ما ، انظر للفيسبوك على انه فرصتك الحقيقية لكي تكون ما منعك مجتمعك او ظروفك او اهلك ربما ان تكون يوماً .

لاتتخلى عن قضيتك، لاتتخلى عن منبرك ، ولكن نفسك الدنيا استثمر غضبها في الحياة الواقعية بعمل بسيط ، لا ادعوك ان تبقى بلا هوية وبلا رأي ، ادعوك لان تستثمر الغليان في نفسك ، ان تكون ثورتك في نفسك وعليها لأجلها .. لأجلها .. هذه ايضاً خدمة جليلة للوطن وللقضية وللانسانية وللعائلة ولنفسك ..و لسوريا.

* بانوراما الشرق الاوسط


الفيسبوك اظهرنا على حقيقتنا
 

 

 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 16-09-2013آخر تحديث