ضـاوية خليـفـة من وهـران تحاور المخرجة الفلسطينية بثينة كنعان خوري

"بثينة كنعان خوري" بين سينما المرأة والوفاء للوطن - حاورتها ضـاوية خليـفـة – وهـران

 


يفيض جرح فلسطين وتفيض معه إبداعات بناتها وأبنائها، بأعمال سينمائية وروائع فنية تتجلى فيها كل قصص الوفاء والدفاع عن الوطن والمرأة جزء من ذلك الكل كيف لها وهي التي قال عنها درويش ''بين ريتا وعيوني بندقية، والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية''، لأجل تلك العيون التي تسهر الليالي لحراسة الأرض والعرض قام الشاعر ورقص بالوزن والقافية، ولأجل تلك الأرض أعلنت "بثينة كنعان خوري" -وأخريات- ولاءها لقضايا بنات جلدتها المناضلات قولا وعملا، فكانت خير المخرجات الفلسطينيات المدافعات عن نون النسوة تارة في ''مغارة ماريا'' وتارة أخرى ''بنساء في صراع" والدور على القادم ضمن سينما المرأة دائما التي لا تنسلخ من قضايا وآلام وطنها.

سيدة بثينة حضورك إلى مهرجان وهران مؤخرا كان الأول عكس أفلامك التي سبق وأن تعرف عليها جمهور وضيوف التظاهرة ...
بالفعل سبق وأن عُرضت أفلامي في الطبعات السابقة من مهرجان وهران للفيلم العربي وتعذر عليا حينها الحضور لعدة أسباب، لكن إصراري كان كبيرا هذه المرة لحضور الدورة السادسة فكان لي ذلك وجئت كعضو لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، فمشاركتي بهذه الفعالية المميزة سمح لي بالتعرف على العديد من المبدعين واكتساب الكثير من الأصدقاء الجزائريين منتجين ومخرجين فازداد رصيدي وأنا كلي أمل في أن يتمخض عن ذلك أعمال مشتركة بين فلسطين والجزائر وأن أجد الدعم المعنوي والمادي لفيلمي الجديد الذي أعكف على التحضير له حاليا، هنالك بوادر طيبة هنا تشجع الإنتاج العربي المشترك، والجميل أن مهرجان وهران هو التظاهرة السينمائية الوحيدة التي تحتفي بالسينما والإنتاج العربي تحت سقف ومكان واحد يجمع بين سينمائيين من أقصى المغرب إلى أقصى الخليج وجمهور مثقف عارف بتفاصيل هامة عن السينما العربية، إذن كعرب نسعد بأن يكون لنا موعد عربي خالص كهذا نلتقي فيه نتبادل من خلاله الرؤى ونناقش فيه قضايانا وندرس سبل مشاريع مستقبلية مشتركة.
 

حديثنا سيرتكز بالأساس على الإبداع النسوي في السينما الفلسطينية، فإلى أي مدى بقيتِ وبقيت سينمائيات فلسطين متمسكات بالوطن عبر كاميراتهن وكيف كان الوفاء لقضايا ومعانة المرأة ؟

قبل أن أكون مخرجة أنا امرأة فلسطينية المولد والنشأة، لم أترك البلد إلا للدراسة والتحصيل العلمي أو لأسباب مهنية يعني للضرورة فقط، فرغم سفري نظرا لطبيعة شغلي بقيت مرتبطة وعلى تواصل دائم بالوطن، أرى أنه من الضروري لي كامرأة مخرجة أن أركز على قضايا بنات جلدتي التي تتجلى فيها كل معاني الصبر والنضال، فلا يخفى على أحد ما تعيشه المرأة الفلسطينية، هناك محاولات مشرفة للعديد من السينمائيات الفلسطينيات والسينمائيين الرجال الذين يسعون في كل مرة لنقل وتجسيد تلك المعاناة في أشكال سينمائية مختلفة، لكن لو بحثنا في العمق فنجد أن القضية لم تعط بل لم توف حقها، شخصيا أشعر بمسؤوليتي تجاه هؤلاء ومن واجبي تقديم أعمال ومواضيع من قلب المجتمع الذي يفيض بالأحداث والقصص التي لا تنتهي مادام الاحتلال مستمر لنتمكن من إسماع صوتنا وتصدير صورتنا للأخر ولكي نميط اللثام عن المعاناة المستمرة واليومية للمرأة بالأراضي الفلسطينية.

من خلال أعمالك على ما يكون التركيز عادة وهل هناك ميل لقضايا المرأة لأنه كما يقال لا يفهم حواء سوى امرأة مثلها؟

يأتي تركيزي بالأساس على القضايا التي لم يتم تناولها أو تداولها سينمائيا، كقضايا الأسيرات الفلسطينيات المحررات من السجون الإسرائيلية واللائي خرجن منها بقضايا اجتماعية كجرائم الشرف وقضايا أخرى لها علاقة مباشرة بالمرأة، مثلا في فيلمي "نساء في صراع" و"مغارة ماريا" تناولت هذه الجوانب، هناك جوانب وقصص كثيرة تنتظر فقط الالتفاتة والمبادرة لتكون عمل فني متكامل بامتياز سواء على الصعيد الاجتماعي، السياسي أو الإنساني، المرأة الفلسطينية سياسيا قوية فهي تناضل لفرض نفسها وتحسين وضعها، شخصيا مقتنعة بأنه لا يجب الفصل بين النضال السياسي والاجتماعي، لأنها في الأخير يجب أن تحصل على حقوقها كاملة وتنعم بها كسائر بنات حواء بغض النظر عن تلك الظروف، وهنا يجب الإشارة إلى أن هناك الكثير من الشابات خاصة من الجيل الجديد بدأن يتجهن للسينما لإيمانهن الكبير بأنها وسيلة لكشف الحقيقة وأداة نضالية تعبيرية يمكن أن تعري بشاعة الاحتلال وتصل إلى أكبر قدر ممكن من الناس بطريقة إنسانية خالصة، يكون الحكم فيها العقل البشري.

بالعادة ما هي المواضيع التي تطغى على الأفلام الفلسطينية، وهل هناك فعلا اختلاف بين طرح الرجل والمرأة لها ؟

المواضيع السياسية هي التي تطغى بالعادة، فالفيلم السياسي هو الذي يفرض نفسه حتى بالنسبة للأفلام التي تخرجها نساء فلسطينيات، فمادام الاحتلال موجود ومادامت الأوضاع على حالها كل المواضيع تتجه إلى الطرح السياسي ومن الأفلام التي يمكن الاستشهاد بها فيلم المخرجة المبدعة جان ماري جاسر "لما شفتك" الذي مثل فلسطين في مسابقة الأفلام الطويلة بمهرجان وهران للفيلم العربي العام الماضي والذي يتطرق إلى الهجرة ولفترة 1967 عندما هاجر الفلسطينيون من بلادهم باتجاه الأردن وخطورة الوضع في تلك الفترة والأمل الذي لازال قائما بالعودة والرجوع إلى فلسطين... إذن هناك مواضيع كثيرة لكن معظمها تتجه لمحاكاة الوضع السياسي الذي يعيشه الفلسطينيون، لأن هؤلاء لا يتجردون من وطنهم فهم متمسكون بأرضهم وحقهم الشرعي، ونحن صعب أن نتجرد من قضايانا حتى وإن ركزنا على الجانب الاجتماعي والإنساني لما يعيشه الشعب فلا يمكن أن نتغاضى عن الوضع السياسي وأنا من الذين يطالبون ويدعون السينمائيين للاشتغال على الجانب الاجتماعي وألا يهملوه وليكن بنفس المستوى مع الاهتمام بالجانب السياسي، رغم أن هذا الأخير بات يطغى على الكثير من المواضيع التي تقدمها السينما الفلسطينية.

طيب ماذا أضافت المخرجات الفلسطينيات لسينما بلادهم ومن تم السينما العربية ؟

أضفن الكثير خاصة في السنوات الخمس الأخيرة أصبح عندنا ثلاث أو أربع مخرجات سينمائيات برزن بقوة على الساحة الدولية بأفلامهن الروائية أيضا ونالوا جوائز كثيرة في العديد من المهرجانات والجميل أنهم سلطوا الضوء على مواضيع لم يتم التطرق إليها من قبل ولم يلتفت إليها أحد من السينمائيين الرجال، وبالتالي المرأة الفلسطينية سينمائية أو سياسية كانت هي متميزة والشيء الذي زاد من تميزها الأوضاع تعيشها والظروف القاسية التي فرضها عليها الاحتلال فكسبت لقب المناضلة عن جدارة واستحقاق فليس سهلا أن تقاوم يوميا الاحتلال وتواصل العمل والإنتاج، فكلمة الحق يجب أن تأخذ موضعها وأنا شخصيا أعترف بأنه هناك نهضة سينمائية شاركت فيها المرأة واستطاعت أن تقودها وتخوضها وتمكنت من خلالها أن تثبت وجودها وفرض نفسها و تركت بصمتها هذا أهم شيء، فيكفي أننا ننتج في ظل كل الأوضاع السائدة.

ربما من أهم المشاكل التي تواجهكم هي الدعم والتمويل وقد أشرتِ إلى ذلك في أحد اللقاءات وقلت ''أن لا أحد يمولنا'' ؟

صحيح لا أحد يمولنا محليا أقصد من الداخل، بفلسطين لا توجد مصادر تمويلية وإن وجدت فهي جد متواضعة وقليلة ولا يمكن أن تغطي سوى إنتاج فيلم قصير أو وثائقي لا تتعدى مدته عشر دقائق، وبالتالي نضطر في هذه الحالة للبحث عن التمويل الخارجي من الدول العربية سواء من المغرب أو الخليج العربيين بالدرجة الأولى ثم نتجه إلى أوروبا كحل أخر ومصدر تمويلي ثاني لأنه لا توجد لدينا حلول أخرى، أنا شخصيا لا أرى أن التمويل الخارجي ممكن يكون أداة لقمع أفكارنا كسينمائيين فلسطينيين، هناك أبواب عدة يمكن الطرق عليها وقد يأتي أحدها بالاقتراح المناسب والذي يخدم العمل شكلا ومضمونا، هناك بعض الشركات الموجودة محليا لكن ميزانياتها محدودة جدا وإمكانياتها وتقنياتها قليلة أيضا، لكن بالرغم من كل المشاكل نستمر ونناضل لنبقى في الساحة ونمثل فلسطين ونظهر بشكل مشرف.

لكن البعض يعتبر أن دخول أي شريك أجنبي على الإنتاج قد ينقص من هوية وقيمة العمل الأصلية ؟

لا أوافق هذا الرأي لأنه إذا كانت لديك أي فكرة فإنها تحتاج بل تتطلب تمويل كما سبق وقلت هناك أبواب كثيرة، الباب الذي نجد شروطه غير مناسبة ولا تخدم العمل بأي شكل من الأشكال يمكن أن لا نفتحه ولا نقبل الدعم الذي يأتينا منه، ونواصل البحث عن مصادر تمويلية أخرى تتناسب وتتطابق وشروطنا أو طبيعة العمل المطروح أمامنا ففي الأخير كل شيء يعتمد على الشخص وإمكانية تجاوبه مع ما هو موجود ومتاح في السوق السينمائية.

مع ذلك هناك صناعة سينمائية بفلسطين ورغبة في الاستمرار ...

في فلسطين لا توجد صناعة سينمائية بل هناك سينمائيين فلسطينيين حملوا السينما والقضية الفلسطينية على عاتقهم وعلى أكتافهم كما تحمل القدس شهداءها يوميا حتى يثبتوا وجودهم وبالفعل استطاعوا على مر السنين أن يبدعوا ويرتقوا بسينما البلد ويعرفوا بالقضية العادلة ونقل ما يعيشه الشعب، فالإنتاج الوطني اليوم يشارك في أكبر المهرجانات ويصل إلى كل القارات فمثلا الجمهور الجزائري اليوم بات يتابع بشكل غير منقطع من خلال مهرجاناته الإنتاجات الفلسطينية بفضل مخرجيها وسينمائييها سمعت أن مهرجان الجزائر للفيلم الملتزم يستضيف سنويا فلسطين من خلال شبكة شاشات أو أعمال مخرجين آخرين ك"ميشال خليفي" الذي افتتح دورة العام الماضي من المهرجان ذاته بفيلم "زنديق'' والذي خرج متوجا أيضا، إذن نحن نحاول فرض أنفسنا بأعمالنا رغم كل الصعوبات، مادامت السينما شكل من أشكال التعبير الفني عن القضايا الإنسانية.

عكس العديد من البلدان العربية هناك بفلسطين رغم قلة الإمكانيات كما سبق و ذكرتي مهرجان مخصص لأفلام المرأة وهذا يعد مكسب لا نجده مثلا في الجزائر بينما أٌوجد العام الماضي بمصر وقبلها المغرب أقصد مهرجان سلا أليس كذلك؟

صحيح وهذا شيء نفتخر به في المجمل هناك مهرجانيين مهرجان القصبة وهو مهرجان دولي يعرض أعمالا من كل دول العالم لكن لا يستضيف شخصيات كبيرة ما عدا دول الجوار كمصر والأردن وأحيانا يرفض الكثير من السينمائيين دخول فلسطين على الحدود الإسرائيلية، ومهرجان شاشات لسينما المرأة في الحقيقة هو مهرجان متواضع تديره مؤسسة أو شبكة شاشات وهو مخصص للمرأة وللأفلام القصيرة سواء كانت روائية أو وثائقية، كما يتولى تدريب نساء من غزة والضفة، ويعرض الأفلام التي تنتجها المؤسسة بالإضافة إلى أفلام تستقدم من دول أخرى، فكل شيء مرهون بالإمكانيات المادية.

صحيح فيه رغبة و إصرار على الإنتاج لكن للأوضاع السياسية تأثير سلبي وكبير على الإنتاج السينماتوغرافي وكذا إقامة هذه المهرجانات بشكل منتظم ؟

أكيد الوضع السياسي له انعكاساته الكبيرة على المجتمع في كل المجالات أتمنى ألا يكون تأثيرا سلبيا بل أكثر منه ايجابيا لأننا نستمد قوتنا من يومياتنا ونضالنا، نحن نحاول من جهتنا أن نساهم في كل ما هو ايجابي ونجعل من السلبي ايجابي، لكن كل شيء يتأثر في الوطن العربي خاصة في فلسطين كل المجالات مرتبطة وتتأثر بالسياسة القضية المحورية والمركزية للوطن، فالوضع السياسي المتأزم ينعكس ويؤثر على ما ننتجه في المجال الثقافي والسينمائي خصوصا، نأمل فقط أن تكون هذه الانعكاسات ايجابية أكثر منها سلبية ليس لدرجة أننا نحرم أو نمنع من صنع أفلام أو تفرض علينا قيود وشروط تمنعنا من الإنتاج بحرية لأن السينما هي إبداع والإبداع هو الحرية والحرية مجالها واسع لا حدود لها، ومن المستحيل أن يعيش المبدع والفنان بمعزل عن هذا الحق المشروع الذي يتخذه الكثير منا متنفسا له.

من فيلم نساء في صراع

تحدث في البداية عن مشروع فيلم جديد ممكن تفاصيل أكثر وهل سيكون دائما ضمن أفلام سينما المرأة ؟

"اللوز الأخضر" فيلم روائي طويل يحكي معاناة الفلسطيني المهاجرين والمقيمين بالخارج الذين يعودن إلى فلسطين، نعم فيلمي هذا سيحمل أيضا صبغة أنثوية والبطلة الرئيسية هي امرأة أم تعود إلى فلسطين مع أبناءها، سأشرع في مرحلة التصوير عندما أجد من يدعمني، نحن بصدد البحث عن الدعم المادي لنباشر التصوير، أبحث أيضا عن منتج جزائري لما لا.

على ذكر الجزائر هل يعرف الجمهور الفلسطيني السينما الجزائرية وهل تصله بعض إنتاجاتها ؟

الفيلم الجزائري للأسف لا يصلنا بسهولة إلا نادرا جدا من خلال بعض المهرجانات التي تقام بفلسطين رغم قلتها وهذا لن يسمح لنا كثيرا بالتعرف على السينما الجزائرية، أما كسينمائيين نتابع جديد السينما الجزائرية من خلال تواجدها وعرضها بالعديد من المهرجانات الدولية سواء في البلاد العربية أو الغربية، بالنسبة لي وأنا بوهران حضرت فيلم رائع للمخرجة جميلة صحراوي "يما" فيلم رهيب وسيدة مبدعة جدا أن تكون هي الممثلة والمخرجة وكاتبة السيناريو وبهذا العمر فهذا شيء أقل ما يقال عنه أنه رائع ويعطي دفعة قوية لأي سينمائي يشتغل في هذا المجال، فإصرارها على تقمص تلك الشخصية وحدسها بأنها الأنسب للدور كان في محله فأنا سعيدة ومحظوظة لأني تمكنت من رؤية هذا الفيلم وأفلام أخرى لا تقل روعة وجمالا عن فيلم ''يما''، فالسينما الجزائرية عريقة وعالمية.


المصدر الجزيرة الوثائقية : الاثنين 8 يوليو 2013
 

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 18-08-2013آخر تحديث