أوباما...بوتين... والحرب الباردة - د. فايز رشيد

منذ مجئ الرئيس بوتين إلى هرم السلطة في روسيا , تشهد العلاقات الأمريكية-الروسية توتراً متدرجاً ملحوظاً على أكثر من صعيد وعلى أبرز من قضية.لقد ألغى الرئيس أوباما لقاء القمة المرتقب مع بوتين والمقرر له أن يتم بعد لقاء"قمة العشرين"في سانت بطرسبورغ.قضية سنودن كانت القشة التي قصمت ظهر البعيرفي العلاقات بين الطرفين, فرفض موسكو إعادته إلى واشنطن بل وإعطائه حق اللجوء السياسي لمدة عام, أغضب الإدارة الأمريكية وأوباما تحديداً ,والذي خرج عن أي لغة دبلوماسية عندما وصف بوتين قائلاً:"بأنه طفل لا يكثرث ويجلس في آخر الحجرة الدراسية"!كما أن الخارجية الأمريكية وصفت في أحد بياتها"بأن روسيا تعتمد خطاباً معادياً في العلاقة مع واشنطن".

قضايا كثيرة تُعتبر مجالاً للخلاف بين الطرفين تبدأ: بالموقف من سوريا ,مروراً بقضية رجل المخابرات الأمريكي سنودن ,وصولاً إلى تخفيض الترسانة النووية التكتيكية(وكان أوباما نفسه قد اقترحها)وإلى الدرع الصاروخي الذي تحيط به واشنطن , البلد الروسي.

السياسة الأمريكية تنطلق من العنجهية , والتسيد الأمريكي المطلق على صعيد المجتمع الدولي،واعتماد مبدأ القوة في التعامل مع الدول الأخرى, كما جرى ويجري في العراق وأفغانستان وغيرهما.لقد استغلت الولايات المتحدة مبدأ"مكافحة الإرهاب"لتنفيذ السياسة الأمريكية تجاه العديد من القضايا العالمية الاخرى.لقد أحيا الرئيس السابق جورج بوش الابن ,الصلف الأمريكي عندما قال جملته المشهورة"من ليس معنا فهو ضدنا".الرئيس أوباما في سياساته وعلى الرغم من وعوده الانتخابية التغييرية , إلا أنه من المؤمنيين بهذا المبدأ.أوباما لا يريد روسيا كدولة موازية لأمريكا على الصعيد الدولي،يريدها دولة تابعة لواشنطن مثلما كانت في عهد الرئيس يلتسين ! بوتين برغم صداقته وتواءمه مع حليفه ميدفيديف إلا أنهما يختلفان جذرياً بصدد العلاقة مع واشنطن, فالأول ينطلق من أن روسيا هي الوريث للاتحاد السوفياتي السابق،بينما الثاني أقرب إلى المساومة والتعاون مع واشنطن ,كما ظهر وبدا إبّان فترتي رئاسته لروسيا.بوتين يتصرف وكأن موسكو هي الند لواشنطن وهي على قدم المساواة معها،بينما ميدفيديف يميل إلى الليونة في العلاقة مع الدولة الأمريكية.

كثيرون من المراقبين وصفوا حالة العلاقة بين العاصمتين , بأنها أقرب إلى أجواء الحرب الباردة.بموضوعية نقول:إن هذا الوصف لا يجانب الحقيقة بل يتماهى معها.لقد تعلّمت روسيا فيما يتعلق بالشرق الأوسط وقضاياه من درس ليبيا , عندما مرّرت في مجلس الأمن الدولي القرار المتعلق بتوجيه ضربات عسكرية من قبل قوات الناتو لقوات العقيد القذافي...ما الذي حصل بعدها في ليبيا ؟صحيح سقط نظام القذافي لكن الأحوال فيها هي أقرب ما تكون إلى الفوضى والاقتتال وانعدام الأمن(تماماً مثلما حصل في العراق) . ولم يجر بناء الديموقراطية فيها, وهي مهددة بالتقسيم.أما الثروة الأساسية الليبيبة وهي النفط, فقد تقاسمتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية بعقود طويلة تجعل من هذه الدول المسيطر الأساسي على ثروات ليبيا.أفغانستان هي في نفس السياق بالمعنى الفعلي والعملي.

روسيا لا تسمح بتكرار التجربة في سوريا،ولذلك فهي تتخذ موقفاً ثابتاً لحل الصراع فيها من خلال المباحثات السياسية،وهي تولي أهمية كبيرة لمؤتمر جنيف 2 ,غير أن واشنطن والعواصم الأوروبية تعمل جهدها لتعطيل انعقاد هذا المؤتمر من أجل دفع أنصارها في ما يسمى بالمعارضة : إلى تحقيق انتصارات على الأرض تفرض على الرئيس الأسد الابن التنحي ومن ثم يتم إسقاط النظام.يُراد تقسيم سوريا إلى دويلات(أيضاً تماماً مثلما يجري تحضيره في العراق).موسكو تعي أبعاد السياسات الغربية تجاه هذه القضية،ولذلك تقف موقفاً ثابتاً وشديد الوضوح من الدفاع عن سوريا ووحدتها وخطها السياسي الممانع.قد يقول قائل:إن ما تمارسه روسيا في هذا البلد هو من أجل المصالح الروسية وليس حباً في السوريين والعرب!في الرد نقول:وماذا في ذلك؟.فمن الطبيعي أن تخدم السياسات المصالح الروسية وهذا حق مشضروع للدول،غير أنها لا تتدخل في السياسات الخارجية والداخلية السورية لا من قريب أو من بعيد.على صعيد العلاقات الروسية مع أنقره فهي أقرب إلى التوتر منها إلى العلاقات الطبيعية وبخاصة بعد نشر الناتو لشبكة صواريخ الباتريوت في الأراضي التركية بحجة حماية البلد من سوريا؟!وكأن الأخيرة ليس لها قضايا صراعية كثيرة سوى افتعال حرب مع تركيا ؟!.

طبيعة المتغيرات في المنطقة وبخاصة ما جرى في مصر من إسقاط لحكم الإخوان المسلمين فيها , يشي بعودة العلاقات العربية المصرية-الروسية إلى جزءٍ كبير من سابق عهدها،وفي هذا إفادة كبيرة للطرفين:فتح نافذة روسية جديدة على الوطن العربي , واستقواء مصري بالمواقف الروسية المساندة للقضايا الوطنية العربية.فأنظمة حكم الإخوان المسلمين(حيث تتسلم السلطة فيها)وهي حليفة أساسية للسياسات الأمريكية في المنطقة وعلى الصعيد العالمي،جرى كشفها للمواطن العربي في تلك البلدان. والأحداث فيها تسير باتجاه حراك سياسي لانتهاج سياسات مغايرة للسياسات الإخوانية.الأنباء تتحدث عن احتمال قيام بوتين بزيارة مصر.

روسيا ليست بحاجة إلى المساعدات الاقتصادية الأمريكية والغربية كالحقبة المباشرة لسقوط الاتحاد السوفياتي.الميزانية الاقتصادية الروسية تتمتع بحالة وجود فائض في الأموال في الخزينة , نتيجة بيع الأسلحة والنفط وهما الثروتان الأساسيتان لروسيا.الأمن في البلد وريث الاتحاد السوفياتي مستتب, والقوات العسكرية الروسية يجري تطويرها على قدم وساق, مثلما يقول خبراء عسكريون عديدون على الصعيد العالمي.الأهم من كل ذلك:أن نظام الرئيس بوتين في أوج قوته وأيضاً بالاعتماد على صناديق الاقتراع(وهي الحجة التي طالما أخذتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية على دول المنظومة الاشتراكية في وصفها لها بالقمع والدكتاتورية).

جملة القول:أن العلاقات الأمريكية-الروسية ستشهد تصعيداً في توترها , الأمر الذي يجعل من هذه العلاقات أقرب ما تكون إلى الحرب الباردة.

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 18-08-2013آخر تحديث