عصام عبد الهادي وداعاً - بقلم: ريما كتانة نزال

كل إنسان يحيا ويموت ملتزماً بقوانين الطبيعة، ولكن القلّة التي تُخلّد وتعيش بعد الموت. "أم فيصل" من هؤلاء الذين تمتد حياتهم بعد الموت، وتبقى كلماتها النيرة مدوية في الفضاء الفلسطيني، وأمثالها تستمر مآثرهم ورياديّتهم الموثقة والمسجلة في وعينا وذاكرتنا، وتبقى جذوة نضال الراحلة وكفاحها مشتعلة لا تنطفئ، تبعث الحرارة والإلهام للفلسطينيات من بعدها.

رحلت السيدة المتدفقة إلى السماء بعد حياة فلسطينية قبضت على كيانها، فمضت نحوها في كل لحظة من حياتها. لم تتحرر من حبها يوما، ولم تسع للهروب منه أبداَ. آمنت بشعبها وقضيتها ونذرت نفسها لهما. عشقت وطنها وتعاملت مع عناوينه مثل نبتة غالية تحتاج إلى الإمداد اليومي بالماء والهواء والاخضرار والتواصل والمشاعر. تعاملت مع فطرتها بذات الإرادة والإصرار، فمدت نفسها بالعلم والمعرفة، ومنعت التحاق الاصفرار والخواء بأوراقها على مدار عملها ونشاطها.

الراحلة، التي اعتقلت وأبعدت عن أرض الوطن بعد الاحتلال بسبب مقاومتها وتأثيرها الوطني، تنتمي لمدرسة الأصالة والجذرية والعطاء المتجدد، وتتبنى الخطاب الوطني العروبي، تعبّر ببساطة عن مواقفها دون أن تقع بفخ التبسيط والسطحية، بل عُرفت بعمق معرفتها واتساع أفقها ومطالعاتها وجدها واجتهادها في البحث والتمحيص. لقد تمسكت فقيدتنا بالثوابت الوطنية ورسمت خطوطها الحمر الخاصة بها، رفضت المساومة على الحقوق الوطنية أو الهبوط بسقوفها العالية، ولم يؤثر اختلاط الألوان في بصيرتها. رفعت رايات الوحدة الوطنية كارهة الانقسام والتفرقة.

كانت إنسانية الراحلة وإحساسها بعذابات من حولها تتعدى ذاتها، فبادرت إلى الانخراط في الحركة الوطنية وبادرت إلى، وساهمت في، تأسيس الجمعيات النسائية انطلاقا من قناعتها بالعمل المنظم والمؤطر، من أجل تحمل المسؤولية الجمعية لتلبية الاستحقاقات الاجتماعية والوطنية والإيفاء بأعباء اللجوء والاستشهاد وخلق مقومات صمود اللاجئين. ومن على الساحة الأردنية واصلت كفاحها السياسي بين بنات وأبناء شعبها، وأبدعت في فنون بناء جسور المرور والتواصل لصالح القضية المركزية.

الراحلة كانت مستقلة في مواقفها، لم تنخرط في الأحزاب الفلسطينية، اقتربت من جميع القوى السياسية واضعة مسافة بينها وبين العضوية الحزبية، إنها المسافة التي احتاجتها الراحلة لتتمكن من الحفاظ على استقلالية مواقفها، ولصياغة آرائها وفقا لمنظومة المبادئ والمنطلقات السياسية التي تؤمن بها وتعتنقها.
استقلال "عصام عبد الهادي" التنظيمي، لم يجيّر مواقفها أو يجعلها هلامية بلا شكل أو لون أو رائحة. وتجسدت مواقفها المبدئية إزاء التغيرات في مواقف المنظمة أو خطواتها سواء تلك المواقف التي تعبر عن معارضتها لنتائج العملية السياسية كاتفاق أوسلو، أو لدى تعديل ميثاق المنظمة، لكن معارضتها لم تدفعها قط للخروج من المنظمة، أو تدفعها لاتخاذ مواقف تقاطع أو تقطع مع المؤسسات الشرعية، بل تمسكت بالوحدة الوطنية كارهة للانقسام والتشظي، متمسكة بالحوار الوطني الذي يفضي إلى التوافق والاتفاق دون حياد منها أو تمييع لمواقفها.

امرأة متدفقة، لا يمكن اللحاق بشلاّل وحرارة خطابها المنهمر من قلبها. في نبرته صدق يتكئ على قناعات ومبادئ ومثُل ثابتة بوعي وصلابة. تقول دائما ما تعتقد انه صائب ووطني ويحقق المصلحة الوطنية، وتعترض على كل ما يخرج عن خطوطها الحمر. في اعتراضها منطق وفي تأييدها كذلك، وفي مواقفها المعارضة لم تكن تبغي تسجيل المواقف، أو لتقول كلمتها وتستدير، بل كانت تسعى للإصلاح والتصويب، وتعبر عن مواقفها وتلبي استحقاقات اتخاذها، عبر المساهمة في الأنشطة وصياغة المذكرات وتوقيع النداءات والبيانات.

لقد كرّست أم فيصل حياتها ونضالها من أجل حرية شعبها وتحرر المرأة الفلسطينية، وبذلت جل عمرها من مطالع شبابها وحتى الرمق الأخير من حياتها الزاخرة بالعطاء والنضال في سبيل فلسطين. سيسجلها التاريخ من عظماء فلسطين ممن استحقوا الإجماع من جميع ألوان الأطياف السياسية. فما عرف عنها سوى الإخلاص والشجاعة والتفاني في النضال وفي إخراج شعبنا من حالة التشريد واللجوء والتغييب والتذويب، وتحتسب ممن أعادوا المرأة الفلسطينية وقضيتها من خلال المؤتمرات الدولية الى خارطة نساء العالم، وفي عهدها وصل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية إلى عضوية الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي والاتحاد النسائي العربي، بفضل صلابتها وحيويتها وحرارة حضورها الذي لا يمكن تجاهله أو المرور عنه.

حظيت الراحلة، على عكس العادة الدارجة، بالرجل الذي يقف خلف القائدة العظيمة من الطراز الرفيع، ويتعاون الزوج المثقف "أبو فيصل" ويتفاعل مع مسؤولياتها دون تذمر أو تمنين، فالمهمة التي حملتها السيدة، وامتلكت مقوماتها وأدواتها، كبيرة، وكانت الرئيسة المتواضعة تحتاج إلى ثقته وتشجيعه. لقد افتقدنا سيدة فذة ممن صنعوا تاريخ فلسطين، ولن توفيها كل الكلمات حقها، ولكن عزاءنا أنها تركت لنا إرثاً كبيراً يحتذى، ونبراساً مضيئاً نقتات به في الشدائد.

تاريخ نشر المقال 18 آب

 

 

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 18-08-2013آخر تحديث