مصر ....حماس... وفلسطين - د. فايز رشيد

مما لا شك فيه:أن حركة حماس هي من أكثر المتضررين من عزل الرئيس مرسي ومن إسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر،ذلك أنها امتلكت أفضل العلاقات مع حزب الحرية والعدالة ومع الرئيس المعزول تحديداً.لقد صاغت حماس(باعتبارها فرعاً من فروع الإخوان المسلمين)أفضل العلاقات مع مرسي والإخوان, حتى أنها وعندما قام(كاستجابة لطلب أمريكي إسرائيلي مشترك)بإغراق الأنفاق في رفح بالمياه العادمة،لم تُصدر بياناً يدين هذه الخطوة!لقد تجسد أوج هذه العلاقة عندما اقترح مرسي على حماس بقبول وقف لإطلاق النار مع الكيان الصهيوني(وفقاً لطلب أمريكي) في اعتداء نوفمبر 2012 على القطاع وقبلت الأخيرة. بعد ذلك ابتدأت حماس انتهاج سياسات جديدة متعارضة معما روجت له سابقاً : إن بالنسبة لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر,فقد خفت هذا الشعار في خطابها, كذلك قبول دولة فلسطينية على حدود عام 1967فقد أصبحت تقبل بهذا الأمر (وهذا ما صرح به عديدون من قادتها أبرزهم:خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي في مقابلة له مع فضائية سي.إن.إن الأمريكية)أو في العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً(تصريح الناطق الرسمي باسم حماس أحمد يوسف:من أن مسألة إزالة حركة حماس عن قائمة الإرهاب أوروبياً وأمريكياً هي مسألة وقت واستغرب الناطق أن هذه الدول تقيم أفضل العلاقات مع الإخوان المسلمين وتضع فيتو على حماس!).

موقف حماس من حراك يونيو في مصر متماهي تماماً مع موقف الإخوان المسلمين في مصر , فقد اعتبرت أن ما قام به السيسي: انقلاباً وطالبت وما تزال بعودة مرسي باعتباره(من وجهة نظرها)رمزاً للشرعية وهي تقف(تقريباً)في موقف العداء بالنسبة للحكم الجديد ,وخارطته للمستقبل التي حددها السيسي.ليس ذلك فحسب بل جعلت حماس من الفضائيات التابعة لها:الأقصى, والقدس ناطقاً رسمياً باسم الإخوان المسلمين في مصر, واقتصرت برامجها على تأييدهم وفتحت قناة اتصال مباشرة مع ميدان رابعة العدوية في القاهرة ,وكذلك مع كل الميادين التي يعتصم فيها الإخوان.النقطة الأبرز في عداء حماس للحكم المصري الجديد تمثلت في تصريح ناري لأحد المتحدثين باسمها وهو أيضاً من قادتها : سامي أبو زهري عندما صرّح(بالحرف الواحد)قائلاً:إن قرار الاتهام الذي وجه للرئيس محمد مرسي بالتخابر مع حملس يؤكد أن السلطة القائمة في مصر تتنصل من القضايا القومية, وتتقاطع مع أطراف أخرى, للإساءة إليها ,وفي مقدمتها قضية فلسطين!إن هذا التصريح بعيد عن الدبلوماسية ويحمل في طياته اتهامات خطيرة ,ويعمل على قطع شعرة معاوية بين مصر وحركة حماس!.

بدايةً،ليسمح لنا السيد أبو زهري القول:بأن تنصيب نفسه وحركته ناطقاً رسمياً باسم فلسطين هوخطأ كبير, ففي فلسطين فصائل وطنية وإسلامية أخرى لها موقف مغاير لموقف حماس التأييدي بدرجة مطلقة من مرسي والأخوان ,فمنها من وقف مع التغييرات الجديدة واعتبرها خطوة إيجابية جديدة في تأكيد والالتزام المصري نحو القضية الفلسطينية،ومنها من نأى بنفسه عن التدخل في الشأن المصري واعتبر ما جرى سياسة داخلية مصرية.هذه الفصائل أدركت أن ما مارسه مرسي بالنسبة لفلسطين متماه معما مارسه حسني مبارك تجاهها وبشكل قاطع. كان الأولى بحماس ولاعتبارات خصوصيتها الفلسطينية أن تنأى بنفسها عن تأييد طرف دون آخر فيما جرى في مصر من أحداث.نقول ذلك لأن هذا التأييد السافر من قبل حماس للإخوان جعل حماس هدفا لاتهام العديدين من المصريين والعديد من الجهات بـ:التخابر مع الرئيس المصري المعزول من أجل تهريب المساجين أثناء انتفاضة 25 يناير.كذلك الاتهام لحماس بقتل العديد من الجنود المصريين في سيناء ومساعدتها للاتجاهات السلفية ,واتهامها أيضا بتهريب الأسلحة إلى سيناء ,وغيرها من الاتهامات , هذا أولاً.

ثانياً:موقف حماس أعطى نمطاً من المبررات, لبعض المتصيدين في مصر, للقضية الفلسطينية وللعلاقات التقليدية مع مصر, حتى إن إعلاميين كثيرين،وكتّاب ومحللين سياسيين ووجوه سياسية عديدة قاموا بتصعيد الحملة الإعلامية ضد كل الفلسطينيين الذين وقفوا في معظمهم مع التغييرات المصرية الجديدة , وقاموا بمسيرات عديدة تأييداً لحراك 30 يونيو.إن الموقف الشعبي الفلسطيني هو التضامن بالكامل مع الموقف الجماهيري الشعبي المصري،الذي عبّر عن نفسه في السادس والعشرين الموافق الجمعة من يوليو الماضي, كاستجابة للنداء الذي أطلقه السيسي قبل هذا التاريخ, ودعوته للشعب المصري للخروج الى الساحات لتفويض الجيش بمقاومة الأرهاب . اثر النداء خرج ما يقارب الخمسة وثلاثين مليوناً في ميادين التحرير وبقرب قصر الاتحادية وفي الاسكندرية ,وفي غالبية المدن المصرية , ذلك باعتراف جهات إحصائية عديدة.

كان الأولى بحماس تغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية على المصالح التنظيمية الضيقة الأفق : إن باتخاذ مواقف موضوعية تجاه ما جرى ويجري في مصر ,أو بالنسبة لإصدار مواقف واضحة تدين الإرهاب في سيناء.لقد وقفت مصر عبد الناصر مع القضية الفلسطينية قلباً وقالباً, واعتبرتها قضية مركزية لها.في عهد السادات رفض الشعب المصري اتفاقية العار في كمب ديفيد, وفي كافة المظاهرات التي قامت ضد الاتفاقية المشؤومة تم رفع الإعلام والشعارات التي تطالب بتحرير فلسطين.في عهد مبارك قامت تظاهرات تطالب برفع الحصار عن غزة , وفي انتفاضة 25 يناير هوجمت السفارة الإسرائيلية في وسط القاهرة وتم إتلاف محتوياتها.هذا غيض من فيض التأييد الشعبي المصري لفلسطين وقضيتها , تماماً مثل كل شعوب أمتنا العربية المجيدة من المحيط إلى الخليج.إن الرؤية من المنظار الضيق للظاهرة لا يمكنه أن يرى بوضوح, فهو يظل محدوداً بإطاره التنظيمي المصلحي الضيق.علينا أن نرى بوضوح اللوحة الشاملة للحدث أو الظاهرة, وهذا ما نتمناه للإخوة في حركة حماس.

 

* كاتب من فلسطين

 

*

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 20-08-2013آخر تحديث