أم يوسف حمد تعود بروحها الى الصفصاف - بقلم: نضال حمد

بصمت يرحل الجيل الذي عاصر وعاش النكبة الفلسطينية الكبرى. ففي كل يوم نقرا خبرا عن وفاة شخص منهم-ن هنا أو هناك بعيدا عن ارض الوطن، في الشتات والمنافي والمهاجر العربية والغربية. إذن كيف نحفظ ما تركوه لنا من شهادات وحكايات عن الوطن والنكبة والتشرد واللجوء والانتماء لفلسطين الكاملة؟ . وكيف نحرص على تسجيل شهاداتهم-ن قبل فوات الأوان؟ وكيف ندون تلك الشهادات والحكايات لتكون مراجع تاريخية لمن يحملون فلسطين معهم أينما حلوا وحيثما شاءت أن تقودهم الأقدار؟ هذه هي الأسئلة التي يجب ان تبقى حاضرة فينا ومعنا، و التي يجب أن نجيب عليها قبل أن نسلمها نحن أيضا للأجيال الأخرى.

مهما كانت الذاكرة قوية وحيّة لا بد للإنسان مع التقدم في العمر أن ينسى بعض الذكريات وان يلف النسيان أجزاء منها. لذا علينا ان نتابع ذلك بحزم وإصرار وان لا نكتفي بالانتظار والاعتماد على عامل الوقت الذي لم ولا يعمل لمصلحة كبار السن، ولا لمصلحة من ينوي تسجيل الشهادات ومتابعة التاريخ من أفواه من عايشوه وعاشوه. نعلم ان المهمة صعبة وشاقة ولا يمكن لها أن تتم بدون جهد ومثابرة وتكاليف وسفر ومتابعة وتدقيق ووقت يلزمنا الكثير منه.

في هذا الشهر شباط - فبراير 2013 فقدت عائلتنا ( حمد) وبلدتنا (الصفصاف) إحدى اكبر معمرات البلدة، الحاجة أم يوسف حمد، التي وافتها المنية بعد عمر طويل امتد منذ ما قبل النكبة، من تلال الصفصاف في الجليل الفلسطيني الأعلى المحتل الى عاصمة وعد بلفور. فبعد صراع مرير مع المرض في عاصمة الضباب والعذاب لندن، تلك العاصمة التي تعتبر السبب الرئيسي في ضياع وطن الشعب الفلسطيني وتسليمه للعصابات الصهيونية. أسلمت أم يوسف التي حرصت دائما على اللقاء بها ولم يتم اللقاء. أسلمت روحها لباريها. ورحلت الى حيث لا عودة، تاركة خلفها ذكرى طيبة وذكريات وشهادات حرصت ابنتها على تسجيلها وتدوينها، ويقيني أن تلك الشهادة للحاجة أم يوسف سوف تكون مرجعا مفيدا لأهالي البلدة ولأبناء وبنات عائلتنا.  لذا فانا وكل المهتمين بتاريخ بلدتنا سننتظر تلك الشهادة وسنعمل فيما بعد على تعميمها وتوزيعها ونشرها وتدوينها كي تكون مرجعا لنا وللآخرين ولمن سيتابع من بعدنا نكبة شعب فلسطين ونكبة بلدة الصفصاف. 

لم استطع لقاء أم يوسف مع أنني خططت للقاء وأردت ذلك منذ عدة سنوات. فقد شاءت الأقدار أن لا يتم اللقاء وان ترحل الحاجة عن عالمنا يوم11-2-2013 في إحدى المستشفيات اللندنية. كل ما اذكره من وعن الحاجة انطباعات وأحاسيس ومشاعر بقيت عالقة في ذهني وعقلي وقلبي مكالمات تلفونية هاتفية استمرت بشكل غير منتظم عبر عدة سنوات. تحدثنا خلالها عن البلدة والأهل وعن أشياء عامة. كانت خلالها ام يوسف تسأل عن الجميع وبالأسماء، مما يدل على ذاكرتها الثاقبة. شاءت الصدفة قبل عدة سنوات ان سافر نجلاي يعقوب وسفيان الى لندن،وفور علمها حرصت على اللقاء بهما. وأنا أيضا حرصت يومها أن يقوما بزيارة الحاجة والتعرف عليها وان يلتقطا لها ومعها بعض الصور التذكارية، حيث بالفعل تم ذلك. استقبلتهما الحاجة في منزلها  في إحدى مناطق لندن حيث أصرت على ان يتناولا طعام الغذاء على مأدبتها. وتحدثت معهما وفرحت بهما لان فيهم رائحة الأهل والبلدة والغربة والشوق للأهل. التقطا لها ومعها بعض الصور التي ستبقى لتصبح جزءا من شهادة الحاجة أم يوسف. ولن أنسى قولها لي: إنهما يشبهان آل حمد أكثر من شبههما لوالدتهما الأوروبية .

بوفاة الحاجة أم يوسف حمد تفقد عائلتنا اكبر معمرة ولكنها لا تفقد الأمل بالعودة الى الصفصاف وكل فلسطين.فهذا الأمل لازم الحاجة ويلازم كل من سبقها عائدا الى فلسطين روحا لا جسدا. فالعودة ليست حلما بل هدفا وحياة ولازمة طالما بقينا على قيد الحياة. فأرض العودة تنتظر الذين اجبروا على الرحيل عنها بالقوة والإرهاب والمذابح والتآمر من كل صوب وحدب. ولن يتراجع أي منا عن تحقيق هذا الهدف لأنه الأسمى والأقدس. اما من يتراجع فليس منا ولن يكون منا. لذا نامي يا عمتنا وحاجتنا قريرة العين في مقبرة لندن، حيث نام المبدع الشهيد ناجي العلي بانتظار العودة الى بلدته ( الشجرة ) في فلسطين. نامي ولا تقلقي لان هناك جيل جديد من أبناءك وأحفادك، جيل الحناظلة الفلسطينيين، الذي لا يتراجع ولا يتخلى عن العودة الى الصفصاف  والشجرة وفراضية وكل فلسطين.

 

 ابني سفيان مع الحاجة الراحلة أم يوسف في منزلها بلندن

يعقوب وسفيان مع الراحلة ام يوسف في لندن

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 25-02-2013