بعبع يمين يخرج من قبعة الأحزاب - بقلم: جمال عبده

لقد انتهت انتخابات الكنيست الصهيوني وخلصت إلى ما خلصت إليه من نتائج، ولكن لا بد لنا الآن، سريعاً، قبل أن تبرد النار وفي خضمّ نشوة الانتصار (انتصار على من!!)، حيث ما تزال مجريات الأمور وتفاصيلها ماثلة أمامنا، أن نورد بعض الملاحظات على سلوك الأحزاب العربية قبيل معركة الانتخابات (الدعاية الانتخابية)، خلال يوم التصويت نفسه، وعلى تصريحات القادة والنشطاء بعد صدور النتائج.

لقد بنت الأحزاب العربية دعايتها أساساً على التخويف من اليمين، والمقصود باليمين أساساً نتانياهو-لبرمان، وكان الهدف من وراء هذا التخويف، تحفيز الناس للوصول إلى صناديق الاقتراع ورفع نسبة التصويت، إذ بينت استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات أن نسبة التصويت بين العرب ستكون بحدود الخمسين بالمئة أو أقل (أنظر على سبيل المثال استطلاع جامعة حيفا واستطلاع صندوق أبراهام)، واستمر هذا التخويف والتهويل يوم الانتخابات نفسها عبر وسائل الإعلام، وبالأخص راديو الشمس ومواقع الانترنيت، وعبر رسائل الجوال القصيرة. اتخذ هذا التهويل أشكالاً عدة كان عنوانها الرئيسي "كل من يمتنع عن التصويت صوته يخدم اليمين"، حتى وصلت حدود الكذب الصريح حين ادعى أحد أعضاء الكنيست العرب في لقاء مع الصحفي زهير بهلول غداة يوم الانتخابات: "إن كل من لا يصوّت صوته يحسب من ضمن أصوات الحزب الكبير الذي هو الليكود بيتنا في هذه الحالة".

لقد كان الهلع من نسبة المقاطعة العالية المتوقعة سيد الموقف، مما أدى بالقوائم الثلاث أن تتخذ لها هدفاً رئيسيا هو مواجهة تلك المقاطعة حتى أن برامجها ورؤاها امتزجت وغيبت كل منها ما يميزها عن الأخرى، وأطلقت دعاية التخويف من اليمين، والتي تشرعنبشكل واضح ما يسمى باليسار الصهيوني، إذ أن الفرضية الضمنية التي تقف خلف فحوى دعاية التخويف تلك، هي أن الساحة الإسرائيلية مقسومة بين يمين ويسار، وأننا نستطيع التعايش مع هذا الما يسمى باليسار ومن مصلحتنا وصوله للحكم، وهكذا تفكير إما أن يكون ناتجاً عن جهل للواقع السياسي الإسرائيلي، وهذا ما نستبعده عن أحزابنا طبعا، وإما أن يكون استخفافاً بعقولنا، خاصة حين يضم هذا الما يسمي باليسار شاؤول موفاز، تسيبي لفني، يئير لابيد، شيلي يحيموفتش، والقائمة تطول.

جاء يوم الانتخابات، وكما هو متوقع، كانت نسبة مشاركة العرب في التصويت منخفضة جدا حتى ثلاثساعات قبل إغلاق الصناديق، برغم الحملة المكثفة غير المسبوقة من وسيلة الإعلام الأولى لدينا، راديو الشمس، فبدأت نداءات الاستغاثة والاستجداء، بكل ما تحمله هذه الكلمات من معنى، عبر مكبرات الصوت، عبر المآذن، عبر وسائل أخرى داخل الصناديق نفسها، فوصلت نسبة التصويت إلى حوالي 55%، مقابل 70% الشارع العبري/اليهودي (نسبة التصويت العامة بلغت 67.8% ونسبة العرب من مجموع أصحاب حق الاقتراع تبلغ 15%).

لقد كان المتوقع من أي شخص يستجدي الناس أن تخرج للتصويت في العاشرة إلا خمس دقائق، ألا يزاود عليها في العاشرة وخمس دقائق، وكان من المتوقع أن تقوم الأحزاب العربية بعد أن تنفست الصعداء وأنزلت صخرة الخوف عن صدرها في الساعة العاشرة أن تقوم بإعادة حساباتها أو على الأقل بالوقوف على ما حصل وتأمله، ولكننا فوجئنا (أو لم نفاجأ)، بأن قادة الأحزاب عادت فوراً إلى نفس خطابها السابق: "يجب أن ينظر كل من لم يدلِ بصوته في المرآة ويفكر هل أنا من أوصل نتانياهو للحكم"، وخرج آخر: "لقد حرم من لم يصوت العرب من مقعدين إضافيين كان بإمكانهما منح العرب موقع الجسم المانع"، وبعدها بيوم: "انتصرنا على اللامبالاة". لن نطيل في دحض ادعاء إمكانية تكوين العرب جسما مانعا مع الما يسمى باليسار، إذ قطع لبيد في نفس الليلة الشك باليقين بتأكيده أنه لن يشكل أي جسم مانع مع العرب، ولن نسرد تجربتنا السابقة مع الجسم المانع في حكومة رابين ميرتس، الذي كانت أهم منجزاته مأساة اتفاق أوسلو، ولكننا سنؤكد على أن الأحزاب التي لم تستطع رفع نسبة التصويت إلا من خلال نداءات الاستغاثة والاستجداء (والطرق الأخرى) هي التي يجب أن تقف أمام المرآة وتحاسب نفسها، إذ أن تلبية الكثيرين لاستنجاداتها في الساعتين الأخيرتين وإغاثتها، لا يعني أن هؤلاء "الكثيرين" راضين عنها وعن دخول الكنيست، ومن المعيب أن تعتقد أن الحل المناسب لهؤلاء "الكثيرين" أن يستفيقوا من "لامبالاتهم".

لقد كنت قد كتبت بعد انتخابات الكنيست الماضية بأسبوع " الشئ المؤكد هو انه يوم 10/2/2009 حدث شيئ ما , نصف شعبنا تقريبا قاطع انتخابات الكنيست , فهل سيكون شعار احزابنا في الانتخابات القادمة "رفع نسبة التصويت بين العرب  ؟

من الشرعي جدا ان يكون هذا هو شعارها في حال وقفت يوما ما امام المرآة وامام جماهيرها  وداخل مؤسساتها وناقشت ما حدث , ولكن من غير الشرعي بتاتا ان يكون هذا شعارها في حال تعاملت مع الموضوع وكأن شيئا لم يكن "

وها نحن نعيدها اليوم، فهل ستعيد الأحزاب العربية هذه المرة النظر في أدائها، هل ستعيد النظر في مسألة دخول الكنيست من أساسها، هل ستعيد النظر في العمل الكنيسيتي ومدى عدم التأثير، هل ستعيد حساباتها في زيف الديمقراطية الاسرائيلية أم هل ستنتظر حتى الانتخابات القادمة وتخرج لنا من القبعة بعبعا جديدا لحثنا على التصويت ولربما يكون ذات البعبع.. اليمين

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 25-01-2013