المصالحة الفلسطينية - د. فايز رشيد

استبشرت جماهير شعبنا وأصدقاء قضيتنا خيراً،بأجواء الدفء النسبي التي طبعت العلاقات بين حركتي فتح وحماس بُعيد صمود أهلنا في قطاع غزة في وجه العدوان الصهيوني الغاشم في نوفمبر من السنة الماضية،وفي أعقاب الاعتراف الدولي بدولة العضو المراقب لفلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة،الذي وقفت منه حماس إيجاباً.تعززباروميتر التفاؤل بموافقة الطرفين بسماح كل منهما للآخر بالاحتفال في ذكرى إنطلاقة حركته في كل من رام الله  وغزة .عزّز هذه الخطوات إطلاق سراح معتقلي كل حركة في سجون الطرف الآخر،الأمر الذي أدى إلى بروز عوامل إيجابية تدفع السير قدما في طريق المصالحة.

اجتماعات عديدة في القاهرة تمت بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس وزعيم حركة حماس خالد مشعل وبين وفود من الحركتين لبحث تجاوز الانقسام والوصول إلى المصالحة.للأسف لم ير الشعب الفلسطيني ولا أمتنا العربية أية خطوات فعلية من الحركتين باتجاه التطبيق العملي لخطوات جرى بحثها والاتفاق عليها ( رغم الوعود بذلك )تماماً مثلما حدث بعد اجتماعات ومفاوضات عديدة جرت بين الجانبين سابقاً،وتم على إثرها تشكيل لجان مشتركة وبمشاركة كافة الفصائل لبحث الخطوات وآلية تطبيق ما جرى الاتفاق عليه.بضعة أيام بعد كل مشاورات يتعززفيها الأمل بتجاوز الانقسام،ثم ما تلبث أن تعود حليمة لعادتها القديمة.

الغريب:أن قادة الطرفين ينظرّون ويصرّحون ويتبارون في استعمال الجمل المؤثرة والعاطفية في(التغزّل) بأهمية المصالحة،لكن التصريحات تنطبق والمثل القائل:نسمع جععةً ولا نرى طحيناً،فما يزيد عن الثلاثة أعوام مرّت على الانقسام دون ظهور أية بوادر وأي بصيص أمل لإمكانية تجاوزه لا الآن ولا في المستقبل القريب.هذا الوضع أدى بجماهيرنا الفلسطينية والعربية إلى اليأس من إمكانية عودة الوحدة إلى الساحة الفلسطينية ,وإلى رؤية أية مباحثات بين الجانبين من منظار"رفع العتب"،وليس من أجل الوصول إلى اتفاق حقيقي،وهو ما يشي:بأن الطرفين يفتقدان الأرادة للتخلص من الانقسام،ليس هذا فحسب،وإنما يتعاملان مع الموضوع بمنتهى التبيسط والتقزيم،وأن قوى الشد العكسي في الطرفين هي المؤثرة،وأن التصريحات لمسؤولي الحركتين هي من أجل تبرئة الذمة لكل فريق عن استمرار الانقسام،أمام الشعب الفلسطيني وأبناء أمتنا العربية.

الطرفان للأسف:لا يدركان واقع الساحة الفلسطينية واستحقاقاتها ولا طبيعة المرحلة الخطرة التي تمر بها القضية والمشروع الوطني الفلسطيني ولا الأخطار المحدقة إسرائيلياً بكل ما تحمله من متغيرات قادمة عنوانها:تمرير التسوية الإسرائيلية واستمرار الاستيطان.حتى هذا الوقت جرت مصادرة 80% من أراضي الضفة الغربية،والتحالف الحكومي اليميني القادم في إسرائيل سيتنكر نهائيا لحل الدولتين وسيعزز من رؤيته للضفة الغربية باعتبارها "أرضاً إسرائيلية وهي يهودا والسامرة" وسيعمل على تهجير الفلسطينيين إلى"الوطن البديل" الأردن،وإلحاق قطاع غزة بمصر،وإلى توطين اللاجئين الفلسطينيين حيث يقيمون.كما سينادي"بأرض إسرائيل الكبرى".

من ناحية ثانية:يخطئ من يظن أن إسرائيل لن تقوم بجولة جديدة من العدوان على غزة،وذلك بُعيد الانتخابات الإسرائيلية القادمة وتشكيل الحكومة ووضوح منطلقاتها السياسية(المعروفة).عدوان نوفمبر 2012 لم يكن سوى جولة أولى في الصراع.لن تسمح عقلية الصلف والعنجهية وعقدة التفوق اِلإسرائيلية للمقاومة الفلسطينية بامتلاك صواريخ تهدد المدن الإسرائيلية.قطاع غزة ليس جنوب لبنان،فهو أرض منبسطة دون جبال وتلال،وكل ما على هذه الجغرافيا مكشوف.لا نقول ذلك من أجل التهويل ولكن من أدراك كامل لعقلية هذا العدو وطبيعة المتغيرات من داخله.ما تخطط له إسرائيل لن يكون قدراً،فجماهيرنا قادرة على الصمود وفصائلنا على المقاومة.إن تعزيز المقاومة يتم من خلال الوحدة الوطنية الفلسطينية بعد تجاوز الانقسام.

إدراك هذه المخاطر إضافة إلى ما تخططه الولايات المتحدة للمنطقة عموماً تقتضى توجيه كل قوى المقاومة في الوطن العربي نحو هدف واحد،وهذه لن تتأتى إلا بتجاوز الانقسام الفلسطيني.السلطتان ما تزالا محتلتين وإسرائيل تحاصر القطاع وتتحكم في معابره.التسوية وصلت إلى طريق مسدود.المفاوضات لم تجلب سوى الدمار لقضيتنا وشعبنا،ألا يدرك القائمون عليها هذه الحقيقة؟ثم ألا يدرك القائمون على السلطة في غزة أن إسرائيل لم ولن تلتزم بأية اتفاقية للهدنة؟إدراك كل هذه العوامل يعمل على تسريع إنجاز مهمة المصالحة،فلماذا يتأخر الطرفان في إنجازها؟لا نشك أنهما يدركان كل هذه المخاطر وما تقتضيه...لذا من الطبيعي والمنطقي أن يبادر الجانبان إلى الوحدة...أما إدراك كل تلك العوامل والإصرار على بقاء الانقسام فهو الانتحاربعينه!.

إدراك هذه المخاطر أيضاً يسّهل وصول الساحة الفلسطينية إلى برنامج القواسم المشتركة وإلى محاسبة المرحلة الماضية منذ اتفاقيات أوسلو وحتى الآن بكل أخطائها وخطاياها وإلى وضع أسس كيفية مجابهة إسرائيل في المرحلة القادمة،كما يعمل على بلورة استراتيجية فلسطينية تتماهى خطوطها مع استحقاقات المرحلة على ضوء المتغيرات السريعة البروز في الصراع مع العدو الصهيوني, وعلى إمكانية حشد شعبي عربي مؤيد للاستراتجية الفلسطينية،لتكون أيضاً متبناه عربياً.من دون ذلك لن نستطيع مواجهة إسرائيل وأخطارها في المرحلة القادمة وبالمعنى الاستراتيجي أيضاً.للحقيقة:تَعِبَ الكلام وملّت اللغة من مناشدة الطرفين لإنجاز المصالحة حيث أن الانقسام هو الحقيقة الواقعة...والمصالحة ...مكانك راوح!.

 

مقال سابق

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 27-01-2013