الأستاذ بهجت أبوغربية، رجل جسّد ثقافة المقاومة فكرا وممارسة - كلمة رشاد ابوشاور

   

          ها نحن نلتقي في رحابه، نقبس منه نورا ونارا. نستلهم حياته بفصولها التي جسدت تاريخ فلسطين المعاصر، بثوراته، وانتفاضاته، ومقاومته التي لم تخمد نارها.

دائما تردد اسمه مسبوقا بلقب:الأستاذ، تعريفا بدوره كمعلم، فهو أستاذ النضال في الميادين، من قلب القدس إلى أقصى فلسطين، إلى الشتات.

لم يكل، ولم يمل، وقد قارب المائة من عمره إلاّ قليلاً، وظل يقظ العقل والنفس، يتابع أخبار الأهل، ويحض على المقاومة، وعدم الاستكانة، ورفض مخططات تصفية القضية.

اتفق معارفه على مناداته، والحديث عنه، في غيابه، وحضوره: الأستاذ.

وهو كان أستاذا بارزا في مدرسة المقاومة، تلك المدرسة التي لا ينجح في الانتماء لها إلاّ كل من يلتزم بمتطلباتها، وقيمها، ومبادئها، وأخلاقياتها.

هذه المدرسة لا تمنحك شهادة التخرج إلاّ وقد ختمت حياتك بالنجاح المؤزر في كل مراحلها. وهي تفعل ذلك لأنها عرفت أشخاصا انتسبوا لها، ثمّ باعوا مشاركتهم العابرة، وتعيشوا عليها، وانحرفوا، وادعوا أنهم ضحوا، في حين إنهم خانوا ما ادعوا الإيمان به، ولم يفوا بما عاهدوا عليه

في مدرسة الأستاذ بهجت أبوغربية، غير مقبول أن تقول متباهيا: أنا كنت، أنا قدمت، أنا ضحيت، أنا سجنت، بل: أنا سأضحي، أنا سأعطي، أنا جاهز في كل لحظة لافتداء وطني، وشعبي، وأمتي.

بدأ حياته في بيئة أسرية مناضلة، وفي وقت مبكر أدرك هول الخطر الصهيوني، والعربدة الصهيونية، ومحاولة الصهاينة كسر عنفوان أهل القدس، وإرهابهم ، فانتدب نفسه، هو وصديق فتوته سامي الأنصاري، واتخذا قرارهما بحمل السلاح، والرد على عنف الصهاينة بعنف ثوري رادع، يلقنهم دروسا توجعهم، وتكسر شوكتهم.

استشهد سامي الأنصاري في مواجهة صفيا أثناءها ضابطا بريطانيا مجرما روع أهل القدس،اسمه( سكرست) يوم 12 حزيران 1936، يصفه الأستاذ بهجت بأنه كان ضابطا استعماريا قذرا شديدا عربيدا، أراد أن يذل شبان القدس ، ويرهبهم.، وكانا في عشريناتهما، فواصل الأستاذ بهجت المسيرة، مستلهما شجاعة وجسارة رفيقه، وظل وفيا لدم الشهيد، وهذا درس من دروس مسيرة الأستاذ: الوفاء للشهداء، لدمهم، للقيم التي اعتنقوها، والتي ضحوا لأجلها، ومنح ابنه البكر اسم رفيقه الشهيد: سامي، حتى يبقى الاسم حيا، فلا تنسى الشهادة والشهيد.

مائة عام إلاّ قليلاً عاشها الأستاذ، فقد ولد في العام 1916، ورحل في العام1912، وطيلة هذا العمر المديد تداخلت فصول حياته بفصول كفاح الشعب الذي أنجبه، والذي ولد على ثراه.، والأمة التي انتسب لها، ورفع قضاياها عاليا، ولم يتزعزع إيمانه بوحدتها.

حياة مجيدة، عالية، وارفة الظلال، يتفيأها كل مقاوم، ومثقف، سخّر حياته لخدمة قضايا أمته.

حياة لم يهتز صاحبها طيلة عمره المديد، ولا فترت همته رغم المحن، بل ازداد صلابة، وراكم خبرات وضعها في خدمة من سيواصلون، ويعلون قيم المقاومة، والتضحية، والاستشهاد.

عرف الأستاذ بهجت طبيعة الصهيونية بالمعايشة، وبعد احتكاكه بيهود القدس، وتعرفه بأخلاقهم، وتفكيرهم، عن قرب، كتب: إمّا نحن أوهم ،لا مجال للتعايش مع الصهاينة أبدا. ص35 في الجزء الأول من مذكراته، المعنون: في خضم النضال العربي الفلسطيني).

بهجت أبوغربية قائد معلم، بكل معنى الكلمة، وصفاته لم يغدقها عليه أحد مجاملة، فكلما وصفته بصفة نضالية تكتشف أنه أضاف لها، وأصّلها، ودفع بها عاليا كالراية، لتكون علامة هادية للآتين.

هو من القلائل الذين كتبوا في قضايا الأمة، إدراكا منه لدور الفكر والمعرفة في تسليح الأجيال المناضلة، حاضا على المقاومة حين تراجع عنها من صعدوا بالانتماء لها.

الأستاذ بهجت أكبر من المناصب، ومنذ شبابه المبكر، وهذا ما سار عليه طيلة عمره .

حين ألح عليه الأستاذ أحمد الشقيري، مؤسس وباني منظمة التحرير الفلسطينية، أن يكون أحد أعضاء اللجنة التنفيذية، تردد كثيرا، فوسط الأستاذ الشقيري المناضل الكبير الأستاذ عبد الخالق يغمور ليقنع صديقه بهجت، وبعد طول نقاش، وافق الأستاذ بهجت أن يكون أحد أعضاء اللجنة التنفيذية الأولى لمنظمة التحرير الفلسطينية، هذا في حين كانت هناك قوى سياسية، وأحزاب، وشخصيات، تتسابق للحصول على عضوية اللجنة التنفيذية، وما كان همها سوى الوجاهة، والبروز!

آمن الأستاذ بهجت بالوحدة العربية، وانحاز لوحدة مصر وسورية، وحين غيّر قادة في حزب البعث، موقفهم من الوحدة_ عفلق، الحوراني، البيطار_ اختلف معهم، هو وعدد من رفاقه في الساحة الأردنية، يتقدمهم المناضل عبد الله الريماوي، لأنه رأى بأن الوحدة لا تفصل لمجرد بعض الأخطاء في الممارسة، فالمسار يصحح بالنقد، وبالعمل الجاد على مواجهة أي انحراف.

 

من أسهم في بناء منظمة التحرير الفلسطينية، تصدى للانحراف، وكشف مخاطره على القضية الفلسطينية، وكلل مواقفه الناقدة بالاستقالة من كل مواقعه في المجلس الوطني، والمجلس المركزي، بتاريخ 21 / 10/ 1991.

كتب الأستاذ في ( من النكبة إلى الانتفاضة): إن خروج منظمة التحرير الفلسطينية عن الميثاق الوطني الفلسطيني، يعني انقضاء وانفصام العهد الذي يربط شعبنا، ويربطني بها. لكل ذلك قررت الاستقالة من عضوية المجلس الوطني، والمجلس المركزي، وقطع كل صلة لي بمنظمة التحرير الفلسطينية، والاستمرار في معارضة نهجها من خارج إطارها، والاستمرار في النضال، والمقاومة، بكل الوسائل المتاحة لحرمان العدو من الاستقرار، على طريق التحرير والعودة.( ص525)

من خلال النكبات التي ألمت بالعرب، في فلسطين، وغيرها من الأقطار العربية، يضع الأستاذ بهجت محددات تحمي المسيرة الثورية من الخطأ، والانحراف:

1_ إن علاقات ونشاطات الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الرأسمالية ، بشكل عام ، في البلاد العربية، تستهدف الاستيلاء على ثرواتها، وبخاصة البترولية، وأسواقها التجارية، وتوظيف موقعها الاستراتيجي في خدمة مساعيها للسيطرة على العالم اقتصاديا وسياسيا.

3_ إن أي فكر تحرري استراتيجي عربي لمجابهة الصراع، وإدارته، حاليا، ومستقبلاً، يجب أن يأخذ  في الاعتبار كون الولايات المتحدة قائدة المعسكر الإمبريالي لتنفيذ ودعم وحماية دولة العدو الصهيوني...

وهنا نصل إلى البند الرابع، الذي يقع في صميم فضح الطروحات السياسية الاستسلامية التي قادت إلى كامب ديفد، وأوسلو، ووادي عربة.

يقول البند 4: لكل ذلك فإن كل فكر، أو تخطيط، أو تعامل، يعتبر الولايات المتحدة، كقوة عظمى، يمكن الاستناد إليها في حل الصراع العربي _ الصهيوني، يحفظ الحقوق العربية في فلسطين، أو يحد من الأطماع والنشاطات الصهيونية، أو أن تكون وسيطا( أو سمسارا شريفا) ، كما تدعي، بين العرب ودولة العدو الصهيوني، فكر خاطئ جدا، يؤدي إلى إفشال المقاومة العربية، ونجاح المشاريع والمخططات الإمبريالية_ الصهيونية.

يضيف موضحا: ولهذا رفضت مشروع مدريد، واتفاق أوسلو، التي خالفت فيها القيادة المتنفذة في منظمة التحرير، كل ما تقدم، وبخاصة تعليق الأمل على الدور الأمريكي، فسقطت في مستنقع الفشل، ووضعت القضية الفلسطينية، والشعب، في مأزق خطير.( ص529).

أيها الحضور الكرام: تنبّه الأستاذ بهجت أبوغربية مبكرا جدا لدور النفط في تخريب حياة الأمة، وإعاقة وحدتها، ونشر الفساد في صفوفها.

نقرأ ما قاله شقيقه صبحي قبل حولي ثمانين عاما، عندما قرأ خبرا عن اكتشاف النفط بكميات تجارية: وما أزال أذكر قول أخي صبحي، في أحد الأيام، تعليقا على خبر نُشر في الصحف عن اكتشاف البترول في العراق: يا سلام! شرّش الاستعمار في بلادنا! ( راحت) الوحدة العربية. ويضيف: وكأنه كان يستشرف الغيب: رحمك الله يا أخي صبحي، وشرّفك بالشهادة فأراحك قبل أن ترى ماذا فعل البترول بنا، وببلادنا، وبآمالنا في الوحدة العربية، ماذا فعل البترول بفلسطيننا.( ص65 في خضم النضال الفلسطيني)

ونضيف لقول الأستاذ بهجت: وماذا فعل البترول، والغاز، بمثقفينا، بصحافتنا، بفضائياتنا، بالعقول والضمائر!

لننظر حولنا، ولنتأمل أنواع مثقفي النفط والغاز، وقد أضيفت نعم الغاز للبترول، لتوظّف في شراء مثقفين  يوظفون ثقافتهم في خدمة التزوير، والتزييف، وتخريب وعي الجماهير، وهم بهذا لا يختلفون عن الغانيات اللواتي يبعن أجسادهن، هؤلاء يوظفون معارفهم في السوق لمن يدفع لهم! إنهم يروجون للسلام مع الكيان الصهيوني، ويبررون العدوان على أقطار  الأمة بحجة الديمقراطية، والليبرالية الاقتصادية بحجة الانفتاح!.

إنهم يمجدون ديمقراطية أمريكا، وفرنسا، وبريطانيا، وهي تدمر ليبيا، وتتلمظ لتدمير سورية، بعد أن دمرت العراق. إنهم معادون لكل من ينادي بوحدة الأمة. إنهم يتطاولون على المثقف الثوري المؤمن بالمقاومة سبيلاً لتحرير فلسطين، وإلحاق الهزيمة بالصهيونية، ويتهمونه بأنه ينتمي لمرحلة شعارات الستينات. كل شيء عندهم شعارات خشبية: تحرير فلسطين، وحدة الأمة، فهم يريدوننا لينين كالعلكة، بحيث يسهل مضغنا با لأنياب الأمريكية ، والصهيونية..والمهم، في كل الأحوال، أن يتعيشوا هم، ويتنعموا ببركات فتات النفط والغاز!

هؤلاء لا يرون أن سلام كامب ديفد، وأوسلو، ووادي عربة، مكن الصهاينة من تهويد القدس، ومصادرة المستوطنين لما تبقّى من أرض فلسطين، وأن أوهام السلام أضاعت عقودا من المقاومة، وبددت ما زرعته الانتفاضتان، وتوهت جماهير الأمة عن طريقها، وقضاياها.

مثقفون مرتزقة، يخرجون من جيب ( السفير) كما وصف الشاعر العربي الكبير خليل حاوي حال حكّام التبعية والعمالة.، الذين هم في خدمتهم.

النفط والغاز ثروات تبدد، ينتفع بها الغرب الإمبريالي، وأسر لم تعد تمت للأمة بصلة، كل مهمتها التخريب، ونشر الفساد، وتمكين أعداء الأمة من تحويل أراضيها إلى قواعد، ومستودعات أسلحة للإمبرياليين أعداء الشعوب، في حين يجوع الإنسان العربي، وتتفشى البطالة بين شباب الأمة المحروم من ثروات تفجرت في أرض بلاده المسخّرة خيراتها لأرباح أعداء الأمة.

ثقافة النفط والغاز تؤجج هذه الأيام الكراهية، والأحقاد، بين أبناء الأمة الواحدة. تزرع بينهم الصراعات الطائفية، وتهدر طاقاتهم في الاقتتال الداخلي، بدلاً من مواجهة الصهاينة الذين يهودون القدس، ويستحوذون على كل أرض فلسطين، ويحتلون الجولان، ومزارع شبعا، ويتهددون بلاد العرب مشرقا، ومغربا.

الحضور الكرام:

في الذكرى الأولى لرحيل الأستاذ بهجت، تم الإعلان عن جائزة باسمه، هي جائزة ثقافة المقاومة، وقد منحت في دورتها الأولى للقائد بسام الشكعة الذي تعرض مع عدد من قادة شعبنا في الضفة الفلسطينية لعملية اغتيال في 2 حزيران 1980، فقد ساقيه إثرها، ورغم الجريمة البشعة، ارتفعت هامته عاليا في سماء نابلس، وكل فلسطين، مع قمتي جبلي جرزيم وعيبال.

لم تعطل محاولة الاغتيال الإجرامية،وبتر ساقي ( أبونضال) همته، بل ازداد عنادا وكبرياء وحضورا، وما زالت كلماته تلهم أهلنا، وتشجعهم على مواصلة المقاومة لتحرير فلسطين، وتصل إلى أحرار أمتنا في كبل أقطارهم، منادية : حي على المقاومة.

جائزة ثقافة المقاومة التي تقدمها رابطة الكتاب الأردنيين، بدعم كريم من أسرة أستاذنا بهجت أبوغربية، تذهب في دورتها الأولى لمناضل كبير نعتز به، من قائد كبير نعتز به..فأكرم بالمُكرّم، والمُكرّم.

المجد لثقافة المقامة، ثقافة تحرير فلسطين، وتوحيد الأمة، ثقافة مواجهة الإمبريالية والصهيونية وقوى العمالة والتبعية، حتى إلحاق الهزيمة بهما على كل أرض العرب...

المجد لثقافة النهوض بالإنسان العربي، إنسانا حرا سيدا كريما، يأخذ دوره اللائق به وبأمته في هذا العالم.

* نص كلمة الكاتب رشاد ابوشاور، التي شارك بها في احتفالية تسليم جائزة المناضل الكبير بهجت ابوغربية لثقافة المقاومة، للمناضل الكبير بسام الشكعة، في الاحتفالية التي أقيمت مساء يوم الأحد 27 /1/2013 ، في مجمع النقابات الأردنية بعمّان.

 

مقال سابق

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 28-01-2013