احتلال اليرموك وحصاره .. ومعاناة سكانه - نضال حمد

كثرت النداءات مؤخرا لفك حصار مخيم اليرموك وإدخال المساعدات الغذائية والطبية والمازوت الى المخيم. فهناك في اليرموك وضع إنساني مرعب وحالة لا تطاق ، السكان القلائل الذين فضلوا البقاء في منازلهم بالرغم من انعدام مقومات الحياة ، واحتلال المخيم يعانون الأمرين في حياتهم اليومية. إدخال المساعدات والمعونات الغذائية والطبية ومقومات الحياة مثل المازوت والغذاء والدواء حق طبيعي لأهل المخيم. لكن كيف تتم عملية إدخال هذه المساعدات في وضع ميداني صعب ، حيث جبهة النصرة والجيش الحر يحتلانه ويقيمان فيه إمارة صغيرة تتحكم بكل شيء. لا يوافق أي إنسان على حصار المخيم بهذا الشكل ومنع إدخال المساعدات الى السكان المتبقين فيه ، ولكننا بنفس الوقت نتفهم مخاوف السلطات السورية من ان يستغل المحتلون هذه المساعدات لتعزيز قدراتهم في البقاء بالمخيم. خاصة أن هؤلاء أعلنوا مرارا وتكرارا عدم رغبتهم بالانسحاب منه.

 حاول ويحاول العقلاء والوجهاء وبعض الأطراف الفلسطينية السياسية في سورية إقناعهم بالانسحاب من المخيم كي يتم تجنيبه معركة ستؤدي الى دماره. لكن رد هؤلاء كان واضحا وواحدا : " دخلنا المخيم ولن ننسحب منه .. ومن اليرموك الى القدس".  ولا ندري أين كانت القدس في قاموس هؤلاء القوم في السنوات السابقة . وإن كانت بالفعل موجودة على أجندتهم. وان صدقوا فإن طريق القدس معروفة وهناك ارض فلسطينية محتلة وأخرى محررة في غزة مثلا فلماذا لا يشدون الرحال من كل بقاع الكون للقتال الى جانب إخوتهم في فلسطين من أجل الوصول الى القدس. فالذين يصلوا الى اليرموك قادمين من آسية و افريقية والمغرب العربي الكبير وبقية دول العرب من المحيط الى الخليج بإمكانهم الوصول الى فلسطين المحتلة أو الى غزة المحررة، حيث السلطة هناك أيضا إسلامية. أما احتلال اليرموك والتعنت ومواصلة احتلاله بلا اكتراث واهتمام بمصير سكانه سوف يبعد هؤلاء السكان اللاجئين عن العودة الى القدس وفلسطين وهذا ما تريده الصهيونية بكل تأكيد.

بعض الصفحات الفلسطينية المؤيدة للجيش الحر وجبهة النصرة سرا أو علانية تروج الى أن اليرموك هادئ وانه مليء بالسكان وأنهم يجرون حملات لإعادة الحياة الى المخيم. لكن واقع الحال يؤكد عكس ذلك.فالحياة في المخيم معدومة ولا حركة ولا حياة ولا شيء يوحي بأن المخيم استعاد ولو ربع حياته العادية. المخيم يبدو في الصور ومن خلال أحاديث بعض سكانه أشبه بمدينة أشباح ، تفوح منه رائحة الموت والدمار والفراغ.  وبالرغم من ذلك نعود ونقول ان إيصال المساعدات يجب ان يتم ويتفق عليه بطريقة ما ترضي الجميع وتنال موافقتهم. فهذا حق للعائلات القليلة التي مازالت صامدة هناك بالرغم من الحصار من جهة والاحتلال من جهة ثانية.

ولكن يجب ان نقول ايضا انه في المخيم حسب ما علمنا هناك فقط 1500 عائلة من نحو 200 ألف فلسطيني ، عداكم عن مئات آلاف السوريين الذين نزحوا عنه. وكلنا نعرف سبب الحصار المضروب على المخيم من ناحية المداخل التي تسيطر عليها القوات النظامية السورية، فمداخل المخيم من ناحية الحجر الأسود والتضامن تخضع لسيطرة الجيش الحر وجبهة النصرة ، وهم أصلا احتلوا المخيم لوصل هذه المناطق ببعضها وكي تكون منطقة واحدة آمنة لتحركاتهم المستقبلية باتجاه العاصمة دمشق ومطارها الدولي وغوطتها. قبل احتلاله كان مخيم اليرموك يشكل العائق بين وصل هذه المناطق.وهذا ما تعرفه السلطات السورية خير المعرفة لذا فان هدفها من الحصار المضروب على المخيم هو عدم تسلل المسلحين من الجيش الحر وجبهة النصرة الى قلب دمشق. ولكن الذي يجب ان تعرفه السلطات أيضا أن هذا الحصار يؤثر بالمقام الأول على السكان الذين ظلوا في المخيم وصمدوا هناك، بالرغم من تجاوزات واعتداءات الجماعات المسلحة على الممتلكات ونهب المنازل والمتاجر والمستشفيات كما جرى مع مشفى فايز حلاوة ومشفى الباسل .. حيث نهبوا من قبل الجيش الحر ونقلت محتوياتهم الى حي التضامن الخاضع لسيطرة الجيش الحر. هذا الحصار يدفع ثمنه الناس الأبرياء فيما محتلي المخيم يصولون ويجولون وينهبون .

نفهم الموقف الحرج للسلطات السورية التي صبرت على هذا الوضع لغاية اليوم، فهي أمام وضع صعب وأي قرار تتخذه لإخراج المسلحين من مخيم اليرموك سوف يكون مكلفا جدا بالمقام الأول لسكان المخيم ، الذين من المحتمل أن يخسروا كل شيء ، في المقاوم الأول ممتلكاتهم ومنازلهم ومتاجرهم. فأي معركة ستكون نتيجتها تدمير مخيم اليرموك. وهناك معلومات عن قيام الجماعات المسلحة بتفخيخ بنايات ومنازل وعمارات في المخيم تحسبا للمعركة القادمة. هؤلاء يفعلون ذلك لأنهم كما قالوا دخلوا المخيم كي يبقوا فيه لا كي ينسحبوا منه بناء على طلب الفصائل والوجهاء والعقلاء. وهنا بالذات يجب ان نذكر المعنيين الفلسطينيين أن هذا الوضع صار أمرا واقعا بفضل  تردد و جبن الفصائل وعدم دفاعها عن المخيم قبل سقوطه. إذن هذه الكارثة ايضا هي نتيجة لسياسة الفصائل الفلسطينية التي نأت بنفسها في مخيم اليرموك . وكذلك نتيجة موقف الذين باعوا أهل اليرموك وتخلوا عنهم وقت الشدة ، ومنهم من أيدوا محتليه ولوحوا بأعلامهم وراياتهم، وحتى بعضهم قاتل ومازال الى جانب محتلي اليرموك ، هؤلاء المتشددين الذين رددوا على مسامع المفاوضين وكذلك على مسامع الباقين من أهل المخيم : ان الطريق الى القدس تمر من مخيم اليرموك.

 

* مدير موقع الصفصاف

 

العودة الى الصفحة الرئيسيةة

safsaf.org - 04-01-2013