رغم ذلك... - محمد كناعنة – أبو اسعد
 

رغم كل العقبات والإخفاقات على المستوى التنظيمي، وتحدي لكل عواصف الانهيار على المستوى الوطني القومي والعالمي، رغم كل ذلك سارت الجهود حثيثة باتجاه انجاز الوحدة وإعادة اللُّحمة

لا بد في البدء من توجيه التحية إلى عموم أعضاء حركة أبناء البلد، رفيقات ورفاق، قيادات وكوادر، أصدقاء وأنصار، على نجاح جهود الوحدة وإعادة اللُّحمة إلى جسد هذا التنظيم الوطني القومي التقدمي المكافح على قاعدة التمسك بالثوابت الوطنية العامة، وخاصة ما يتعلق بالمبدأ الذي يميز هذا التنظيم على ساحة الداخل الفلسطيني، بعدم الاعتراف بشرعية الاحتلال عام 1948 وما جسده ما بعد ذلك، وتحديدا هنا البرلمان – الكنيست – كجهاز تشريعي وما يمثله من تجسيد للاحتلال ونكبة شعبنا الفلسطيني، وليس فقط عدم المشاركة في لعبة "الديمقراطية" الزائفة وإنما خوض معركة لفضح زيف ادعاء الديمقراطية وعدم شرعية الاحتلال من خلال المقاطعة المبدئية لهذه المؤسسة والعمل على الدعوة لهذا الموقف بين جماهير شعبنا في الداخل الفلسطيني.

جاء انعقاد هذا المؤتمر الاستثنائي – المؤتمر السابع دورة الرفيق الشهيد إبراهيم برانسه – في وقت عصيب من حياة الحركة الوطنية الفلسطينية، وأبناء البلد كجزء من هذه الحركة لم تسلم من عصف انعكاسات المرحلة الجديدة ما بعد غرب المشروع القومي العربي وانهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وتغوُّل الوحش الامبريالي الأمريكي وتفرده في رسم سياسة عولمة السياسات الدولية، اقتصادياً وعسكرياً، وجاء اتفاق أوسلو ألتفريطي – كما سماه الشهيد جورج حبش – ليلقي بضلاله على عموم الحركة الوطنية الفلسطينية، لتصبح "إسرائيل" تجسيدا لحق تقرير المصير لليهود في فلسطين كما ذهب البعض في قولهم، ولتصبح المقاومة فعلا عبثيا بحسب محمود عباس، وليصبح الميثاق الوطني لاغيا ملغيا "كادوك" كما صرح ياسر عرفات قبل ذلك بسنوات وليصبح شعار دولة إلى جانب دولة شعار "الحركة الوطنية الجديد" في الداخل الفلسطيني، وحق العودة يرحل إلى الأجيال القادمة والكنيست مربط خيلنا، وكان هذا العصف المعولم للمفاهيم والثوابت قد طال أبناء البلد من ما سلخ كادرا أساسيا منها لصالح المرحلة الجديدة.

رغم كل العقبات والإخفاقات على المستوى التنظيمي، وتحدي لكل عواصف الانهيار على المستوى الوطني القومي والعالمي، رغم كل ذلك سارت الجهود حثيثة باتجاه انجاز الوحدة وإعادة اللُّحمة إلى جسد الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني ، وفي هذا الشأن بذل قادة وشخصيات وطنية شريفة صادقة النوايا جهودا حثيثة، وعلى مدار أكثر من عامين، وكانت البوصلة باتجاه الوحدة من اجل الوحدة بذاتها ولذاتها وعلى قاعدة أن فلسطين اكبر من الجميع وان الهدف أسمى من أي اعتبار ذاتي أو غير ذلك لا يرتبط بالمبدأ، فعلى المبدأ لا نساوم، وما دام البرنامج السياسي هو الجامع، والعودة إلى الأصل يجبُّ ما قبله فلا داعي للاستمرار في ركوب سفينة الانشقاق، كيف لا ونظرة سريعة على حال مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل تحديدا ولحركتنا الوطنية، يكشف لنا صورة مخيفة حدَّ الهلع، حال من الاضطراب واغتراب ثقافي سياسي اجتماعي أخلاقي ولا انوي هنا إقامة مناحة كربلائية لنعي أي من أصحاب الشأن هنا، لا المجتمع ولا الحركة ولا الثورة إن شئتم، رغم تحولها إلى شيء أخر نقيض لذاتها إلى حد ما، وإنما هي محاولة لوضع الإصبع على هشاشة أداة التغيير الثوري وفي حالتنا في أبناء البلد – ولكل القوى الوطنية التي تنحو ذات المنحى في التمسك والدفاع عن الثوابت – إن هذا الحال ليس "وعكة صحية" وإنما حالة من الانهيار إضافة إلى ضربات من هنا وطعنات من هناك، هذا ما دفع إلى تغلغل الوهن والى الاعتكاف والتراجع لدى البعض أو التحول باتجاه الأسهل والأسلم – ذاتيا – وفي كلا الحالتين الفكرة الثورية هي الخاسرة، ولو مرحليا، مما دفع للابتعاد عن الأصالة في الفكر وغدا التقوقع في الشعار بعيدا عن الوعي والإبداع عبئا لا فكاكه منه إلا للعودة إلى الأصل، فالأصالة تحتاج إلى شجاعة، والى جرأة في طرح القضايا وتناولها بالنقد، والقراءة النقدية، وكان التمسك بالمبدأ والثبات في وجه رياح اللَّبرلة وكذا تحتاج إلى التضحية.

التضحية أبدا لا تعني الموت.. إنما على العكس من ذلك هي تعني الدفع باتجاه الحياة وهذا ما يدفعني إلى القول دائما "اعشق الحياة حتى الموت"، وهذا يغيظ البعض، فالموت كلمة سيئة في قاموس نضالهم السياسي، ليس هناك شك في رفض فكرة الموت بذاتها ولكن استعدادا للتضحية من اجل الوصول إلى أهدافنا في الحياة الحرة الكريمة، في بناء مستقبل أفضل خالٍ من الظلم والاضطهاد، لا بد لهذا الاستعداد أن يصل حتى الموت، بمفهوم آخر حتى المواجهة وليس الهرب من المسؤولية والاختباء كالجبناء، إنما التضحية ذاتيا وفرديا لصالح العام والمجموع، لصالح المبدأ الذي نحمله ونقاتل من اجله قناعةً مع سبق الإصرار وليس من باب أهون الشرَيين. وعليه كانت مسيرة الوحدة وفكرتها لبعث الأمل من جديد للمشروع الوطني، وليس مشروعا لإنقاذ حالة فردية، وهذا يتطلب منا عدم الاكتفاء بالنقد وإنما الالتزام بالعمل على تحويل هذا النقد والقراءة النقدية إلى معول فكري بوضع الأسس السليمة للتعامل الأخلاقي مع التنظيم كأداة تغيير ثوري ودافعة في هذا الاتجاه، لحماية المسار والمسيرة من الانزلاق باتجاهات استسلامية تنازلية في خضم لعبة التكتيك والاستراتيجي.

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 05-01-2013