«اليونيفل» يُبلغ لبنان: العبسي على أراضيكم.. وتساؤلات حول المهمّة الموكلة إليه؟

تجارة الأسلحة تستعر وصفقات بآلاف الدولارات بأسعار خيالية للداخل والخارج

هيثم زعيتر:

 

طوى الأسبوع الأول من العام 2013 أوراقه بين احتفالٍ بالأعياد والعُطل، وبدأت جلسة المناقشات بين نوّاب فريقَيْ 8 و14 آذار من أجل الوصول إلى قانونٍ انتخابي للدورة المقبلة، منتصف هذا العام..

وإذا كان الحوار والمناقشات بين النوّاب أصبح ضرورةً للخروج بتوافق - إذا أمكن - على قانون انتخابي، فهذا يدل على أنّ نتائج جميع الاستحقاقات، سواءً في الخلاف السياسي أو التراشق الكلامي، أو الإشكالات والاشتباكات العسكرية المسلّحة، محتومةٌ بالحوار من أجل الوصول إلى نقاط تلاقٍ، وهذا ما أثبتته الأيام على مر السنوات والعقود الماضية..

وأي قانونٍ خرج أو توافق عليه وأُقِرَّ في المجلس النيابي، يبقى تفصيله وفق ما أُعِدَّ على قياساتٍ تُناسب مَنْ بيدهم زمام الأمور، وكلمة الفصل في المجلس النيابي، سواء مراضاةً لكتلٍ كبيرة، أو كتلٍ وأصواتٍ يُطلق عليها «بيضة القبان»، وبالتالي لو جرى استعراض لجميع القوانين التي جرت على أساسها الانتخابات، ولوجدنا أنّها كانت مُفصّلةً وفق الظروف السياسية، سواء لجهة عدد النوّاب أو التمثيل الطائفي والمذهبي والمناطقي، وهو ما انسحب على جميع الدورات النيابية للمجالس منذ البدء بإجرائها قبل عدة عقود، والتي بقي فيها الاستثناء، ولمرة واحدة، سمة بارزة..

ويبدو أنّ المواطن الذي كان يُجبِر القيادات على الالتزام برأيه، أصبح اليوم يُقتاد خلف شعارات هذه القيادات، ومنها ما يُثير الغرائز الطائفية والمذهبية والمناطقية، بحيث يُحرِّك هذا الزعيم أو ذاك الشارع، وفجأةً في ليلةٍ ظلماء، تتبدّل الأمور، وتتغيّر التحالفات، ويُطلب من هذا المواطن الاقتراع لمَنْ كان بالأمس يُهاجمه ويختلف وإياه، ليس في السياسة، بل أيضاً في القطيعة ما بين أبناء المنطقة الواحدة، وربما بين أبناء العائلة والبيت الواحد..

المواطن يعيش طقساً عاصفاً، يُنير فيه البرق عتمة الليل، في ظل انقطاع التيار الكهربائي والتقنين لما هو مقنّن، وعلى وقع الصواعق الإلهية التي تختلط أصواتها في كثر من الأحيان مع أصوات الاشتباكات والقذائف المتنقلة بين منطقةٍ وأخرى، والتي ترتفع وتيرتها وفقاً لظروفٍ وحساباتٍ، في بعضها محلية، وفي الغالب ما هو مرتبط بملفاتٍ إقليميةٍ ودولية، وتختلط أيضاً مع المفرقعات التي لا يدري المواطن، أهي أصوات قذائف وانفجارات، أم مفرقعات يُسمح بإطلاقها دون حسيبٍ أو رقيب..

وبين كل ذلك يبقى المواطن يعيش لهيب صيفٍ يُحرِقه، وزمهرير شتاء وعواصف تُغرِقه، ودون أنْ يستفيد لبنان من هذا الخير الإلهي، حيث ما زالت المياه تذهب هدراً إلى البحر، دون إقامة سدود أو معامل كهربائية، وحتى دون الاستفادة من المراوح الهوائية لتوليد الطاقة الكهربائية، هذا مما هو ملموسٌ، فكيف بما هو متوقّع أنْ يجنيه لبنان بعد اكتشاف البترول والغاز، الذي بدأ بصرف مبالغٍ خيالية على مَنْ سيُشرِف عليه، دون أنْ يكون هناك موعدٌ محدّدٌ لاستخراج هذه الثروة النفطية والغازية..

يبدو أنّ العام 2013 ما زال يئن تحت وطأة الملفّات التي حملها من العام الماضي 2012، والأخرى الذي تستحق في هذا العام، ومنها ما هو متراكمٌ منذ سنوات، بل عقودٍ طويلة، وما هو مخبّأ لهذا العام من ملفات وأحداثٍ وخططٍ أُعدّت في «المطابخ الدولية»، ليس للبنان بمفرده، بل للمنطقة العربية والعالم، والتي يتأثّر لبنان بتداعياتها وارتداداتها، وإنْ بقيَت تأثيراتها محدودة الارتدادات.

وقد حمل من العام الماضي ملفات، في مقدمها:

- الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين المحتلة والجولان السوري ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا في لبنان.

- دور الجيش اللبناني، الذي توزع ليس في الدفاع عن أمن واستقرار لبنان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، بل في مواجهة شبكاته التجسسية، وملاحقة الخلايا الإرهابية، وتطويق ذيول الإشكالات والأحداث اللبنانية المتنقلة في مختلف المناطق.

- المقاومة التي ما زالت تُشكل توازن رعب مع الاحتلال الإسرائيلي، وإنْ كان لم يُحسم موضوع الاستراتيجية الدفاعية في ظل خلاف القيادات اللبنانية بشأنها.

- قوات «اليونيفل»، التي ما زالت وحداتها تقوم بالمهمة الموكلة إليها بموجب القرار الدولي 1701، الصادر عن «مجلس الأمن الدولي»، والتي تعرّضت لأكثر من عدوان استهدفها، أو تهديد طاول وحداتها، لكن لم تُخفض الدول المشاركة فيها عديدها.

- تحرّك إمام «مسجد بلال بن رباح» – عبرا – صيدا الشيخ أحمد الأسير، والعلاقة المتينة مع بعض الأطراف اللبنانية، والمتصادمة مع أطرافٍ أخرى، ليس سياسياً فقط، بل استخداماً للسلاح.

- الأحداث الأمنية المتنقّلة من قتل وسرقة وتفجيرات وتفشي ظاهرة المخدرات.

- الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب في ظل عدم إيجاد حلولٍ للمطالب المحقة والملحة للعمال والموظفين والمعلمين.

- الملف المستجد للنازحين السوريين والفلسطينيين من سوريا إلى لبنان.

فلسطينياً

الالتفاف والفرح الذي تجلّى بمواقف الفصائل الفلسطينية على مختلف اتجاهاتها، بالنصر التاريخي السياسي الذي تحقّق في «الأمم المتحدة» بدخول دولة فلسطين – عضو مراقب، على الرغم من الضغوط الأميركية والتهديدات والممارسات العدوانية الإسرائيلية.

وكذلك ارتدادات النصر التاريخي الميداني الذي تحقّق في قطاع غزة في مواجهة العدوان الإسرائيلي بتاريخ 14 تشرين الثاني 2012.

- دور «القوى الإسلامية» الفلسطينية في مخيم عين الحلوة، الذي أعطى ثماره بحلحلة العديد من العقد ومنها بين فرقاء لبنانيين.

- المواطن في الجنوب القابض على الجمر والمكتوي بنار المعاناة، يحتار من أين يصد الضربات: أهي من الداخل أم من العدو المحتل؟ أم من الشبكات الإرهابية؟ أم من الآفات الاجتماعية؟ أم في اختلاطٍ في ما بينها وكأنّ هناك «مايسترو» يُحرك واحدةٍ إن هدأت الأخرى، ناهيك عن استهداف الاغتراب، الذي يُعتبر مورداً رئيسياً لأبناء الجنوب.

وما نعرضه في هذا التقرير ليس إلا من باب النصيحة، ولعل هناك من يقرأ، وإذا قرأ عليه معرفة ماذا يعني ذلك، وإذا توضّحت الأمور، هل هناك مَنْ يتّعظ من التجارب السابقة المريرة والمؤلمة، ومنها ما كنا قد أشرنا إليه بتواريخٍ سابقة.

وكانت «اللـواء» قد نشرت موضوعاً بتاريخ 29 تشرين الثاني 2006، حذّرت فيه على لسان مسؤول فلسطيني بارز، مختلف القيادات السياسية والقضائية والأمنية والحزبية في لبنان، من مخطط تنظيم «القاعدة» عبر «فتح الإسلام» في الشمال، وهو ما لم يؤخذ على محمل الجد من قِبل المعنيين، ما أدى إلى تجميع هذا العدد ضمن تنظيم «فتح الإسلام» ومن جنسياتٍ مختلفة، ونفذوا اعتداءً على الجيش اللبناني بتاريخ 19 أيار 2007.

ومن حق أي شخصٍ يجد أنه مستهدفٌ أو معني بهذا الموضوع، الرد وإبداء وجهة نظره.. وفي المقابل لنا الحق في كشف ما نملك من معلومات ووثائق، بالأسماء والأرقام والتواريخ للعديد من الملفات التي سنتطرق إليها في ملفنا هذا.

شاكر العبسي مجدّداً في لبنان

تؤكد مصادر موثوق بها لـ «اللـواء» أنّ قوات الطوارئ الدولية «اليونيفل» العاملة في الجنوب، أبلغت الأجهزة الأمنية اللبنانية، رسمياً أنّ أمير تنظيم «فتح الإسلام» شاكر العبسي، الذي اختفت آثاره منذ تمكّن الجيش اللبناني من إنهاء حالته في مخيم نهر البارد (أول أيلول 2007) بعدما اعتدت مجموعة من هذا التنظيم الإرهابي على قوات الجيش، يوم خطفت هذه المجموعة الإرهابية المخيّم ومارست الاعتداء ضد الجيش، فسقط شهداء وجرحى من الجيش، ودمر المخيم، وتهجر أهله الذين ما زالوا يسعون جاهدين من أجل العمل على إكمال إعماره وعودتهم إلى ديارهم.

وتوضّح المصادر أن العبسي لم يُقتل كما تردّد سابقاً، وأنّ الجثة التي قيل بأنّها تعود له، ليست عائدة له، ويقول بعض من التقى زوجته «أم حسين» (المتخصصة في تدريس الفيزياء والرياضيات) بأنّها لدى مشاهدتها جثته (11 أيلول 2007)، أشارت إلى أنّها غير متأكدة من أن هذه الجثة تعود إلى زوجها، ولدى الإصرار على الاستفسار منها، أوضحت أنّ نسبة 95% هي لزوجها، ولكن بقيت هذه الـ 5% تُرجّح أن الجثة لا تعود إلى زوجها، نظراً لحالة التشويه الحاصلة بها.

وتشير المصادر إلى أنّ العبسي تم توقيفه من قِبل السلطات السورية وأودع أحد سجونها، وتمكّن قبل فترةٍ من الهرب ومغادرة السجن، حيث تشير المعلومات إلى أنّه وصل مجدداً إلى لبنان.

وتؤكد المعلومات أنّ باخرة «اليونيفل»، المكلّفة تسجيل ورصد الاتصالات الهاتفية واللاسلكية وما يجري على الأراضي اللبنانية، والتي تجوب المياه الإقليمية اللبنانية، رصدت إشارات تُفيد بوجود العبسي في لبنان، وهو ما جرى إبلاغ الجهات الأمنية المعنية بذلك.

وهذا يُثير جملة من التساؤلات حول: ما هي الأسباب والدوافع التي عادت بالعبسي إلى لبنان؟ وماذا يُخطط؟ وما هي المهمة الموكلة إليه؟ وإذا كان طوال هذه الفترة على قيد الحياة، لماذا لم يتم الكشف عنه أو محاكمته، علماً بأن ذلك يطرح جملةٌ من التساؤلات على أكثر من صعيد، خصوصاً أنّ القيادي في «فتح الإسلام» شهاب قدور «أبو هريرة» الذي قُتِلَ في طرابلس (8 آب 2007)، وُجِدَتْ جثته، والقيادي في «فتح الإسلام» أبو سليم طه أوقف أيضاً (16 تشرين الأول 2007).

والسؤال المطروح هو مَنْ هي الجهة التي سيعمل لصالحها العبسي، وهل كما جرى لحظة وصوله إلى لبنان قبل العام 2007، أم ذات الدور الذي تولّى وأوكل إليه في العام 2007، أم دور جديد؟

وتؤكد مصادر مطلعة أنّ موقوفي «فتح الإسلام» في سجن رومية، وبينهم قياديون في هذا التنظيم، يتابعون نشاطهم، حيث ذكر بعض السجناء الذين أُخلِيَ سبيلهم، أنّهم يُديرون خلايا هذا التنظيم من داخل السجن، الذي تحوّل إلى مركز لقيادتهم، مع وجود أجهزة كمبيوتر وأجهزة خلوية وبتقنيات عالية، تم إدخالها إلى السجن، وهو ما عُثِرَ عليها سابقاً لدى مداهمة القوى الأمنية لعدد من غرف السجن.

وتشير المعلومات إلى أنّ بعض المناطق بدأت تعج بالعديد من الجاهزين للقتال والاندماج تحت مسمياتٍ مختلفة، وهدفهم القتال ضمن طوائف ومذاهب، وأنّ أولى المهمات هي مواجهة مجموعاتٍ في البعض منها من ذات الطائفة والمذهب، والمهمات الأخرى ضد طوائفٍ ومذاهب أخرى وفي أكثر من مكان.

ارتفاع تجارة الأسلحة

في غضون ذلك، تؤكد مصادر مطلعة أن تجارة الأسلحة قد ارتفعت وتيرتها وأصبحت تُدار من قِبل شبكات منظّمة، حيث ارتفعت أسعارها بشكلٍ خيالي، ومنها ما هو مخزّن للداخل، وقسمٌ يتم تصديره إلى سوريا.

وتضيف المعلومات بأنّ مسؤولاً في مجموعة مسلّحة سلّم أحد تجار الأسلحة في منطقة معينة، مبلغ 200 ألف دولار أميركي ثمن صفقة أسلحة، لكن تبيّن أنّ رزمة منها تبلغ قيمتها 10 آلاف دولار مزوّرة، فما كان من هذا التاجر إلا أنْ سلّم جزءاً من كمية الأسلحة المتفق عليها، وبينها قذائف «أر.بي.جي» مغشوشة، فوضع بدلاً من حشوات العبوات، أخرى مصنعة من الجفصين، ولدى اكتشاف الأمر من قِبَلْ الشاري، تدخّل رجل دينٍ في ذات المنطقة، متوسطاً بين الفريقين، فأُعيد مبلغ 150 ألف دولار، فيما بقي باقي المبلغ بحوزة تاجر الأسلحة.

كما إنّ مسؤولاً في تنظيم مسلّح اشترى قاذف بـ 10 بقيمة 50 ألف دولار أميركي، وهو سعر خيالي ثمناً لهذا القاذف.

كذلك تم رصد سرقة مستودعات أسلحة داخل المخيمات وخارجها، وعدد من المسؤولين لم يتجرأ على الإفصاح عن ذلك عند اكتشاف الأمر، حيث اتضح أنّ هذه الأسلحة بيعت إلى تجارٍ داخل المخيمات وخارجها.

وتؤكد المصادر أنّ مسؤولين عندما راجعوا هؤلاء التجار، قطعوا أمامهم وعداً بأنّهم لن يقوموا بحرتقاتٍ أو إشكالاتٍ أمنية أو تفجيراتٍ داخل المخيمات أو خارجها، لكن لا أحد عليه توقيف استفادتهم من تجارة الأسلحة، في موسم متعطش لأي نوعٍ من أنواعها.

وتُبدي أجهزة أمنية متابعة، اهتماماً بالمعلومات التي تطرّقنا إليها في «اللـواء» منذ مدة حول ما يُخطّط إلى مخيمات بيروت: برج البراجنة، صبرا وشاتيلا، بعد توافد العديد من الغرباء عن هذه المخيمات للإقامة فيها، هناك حيث تركت العديد من العائلات الفلسطينية هذه المخيمات، وقامت بتأجير منازلها بأسعارٍ خيالية إلى بعض الشبّان من جنسياتٍ فلسطينية ولبنانية وسورية وعراقية وكردية وجنسيات آخرى، بعضهم عمّال، والبعض الآخر من غير الواضح ماذا يُخطط له، خصوصاً أنّ هذه المنطقة هي على تخوم الضاحية الجنوبية، حيث المقر الرئيسي لـ«حزب الله» وحركة «أمل».

ويأتي التركيز على هذه المخيمات، بعد الدور اللافت لمختلف الفصائل و«القوى الإسلامية» في مخيم عين الحلوة، والتي أكدت مواجهتها لمحاولات أي مجموعة تسعى إلى القيام بخرقٍ أمني أو جرّ المنطقة إلى اقتتال.

في ضوء ذلك، يجب أنْ يؤخذ بعين الاعتبار، خطورة الوضع القائم في ظل تنامي الخلايا الإرهابية والتكفيرية، التي بدأت تتغلغل في مختلف المناطق اللبنانية، ومنها المخيّمات الفلسطينية.

صيدا إلى أين!

ما زالت مدينة صيدا تخطف الأضواء، انطلاقاً من جملة اعتبارات، نظراً لأنّها بوابة الجنوب والمقاومة، والحاضنة لأكبر تجمّعٍ فلسطيني في الجوار، وأنّها طريق العبور من وإلى الجنوب، وكذلك عبور قوافل «اليونيفل».

ولهذا، فإنّ المواطن الذي سئم ما يؤثر على قطع رزقه، ويعيش بين حينٍ وآخر تحت هاجس خضةٍ أمنية، تكون مسبّباتها خلافاتٍ شخصية تتطوّر إلى إشكال بالأيدي واستعمال العصي والسكاكين والآلات الحادة، قبل اللجوء إلى استخدام السلاح الذي تحوّل من زينة الرجال، إلى رعبٍ للأطفال والنساء والشيوخ، وتهديدٍ للآمنين في بيوتهم وتجوالهم.

والشارع في صيدا الذي انطلقت منه المقاومة بوجه الاحتلال الإسرائيلي واحتضنها، يُسجل عتباً كبيراً على قيادة المقاومة، بأنّ هناك مَنْ يسعى إلى الأخذ بجزءٍ من المدينة إلى جانب المقاومة، بدلاً من التعاطي مع المدينة بشموليتها، وليس بالمفرّق، وهذا يستوجب مصارحةً من المسؤولين والمعنيين، خصوصاً أنّ هناك تذمّراً من بعض الحالات التي تتلطّى تحت مسميات المقاومة، وتعبث بأمن المدينة توتيراً وفي أكثر من محطة.

وهذا ما يستوجب حلاً جذرياً، فكثرٌ ممَّن يؤيدون المقاومة لا غبار على أدائهم ومواقفهم، وفي الدور والسلوك، بل يُعتبرون رموزاً قيادية، وإنْ اختلفت بعض الأطراف معهم في السياسة، لا يمكن التغبير عليهم في المواقف والسلوك.

في المقابل، هناك مَنْ يسعى إلى نقل البندقية من كتفٍ إلى آخر، أو البحث عن موقعٍ ودورٍ، أو الاستفادة بأوجه متعدّدة، فيسيئون إلى المقاومة بعدما أساؤوا إلى أنفسهم وفي مجالاتٍ وصعدٍ متعدّدة، وبأزياء مُتعدّد.

ويأخذ العديد من المتابعين على بعض مسؤولي «حزب الله» أنّهم يسعون إلى التعاطي المباشر مع عدد من الكوادر والعناصر، الذين كانوا يقومون بتدريبهم، سواء من «التنظيم الشعبي الناصري» أو القوى اللبنانية، وحتى الفصائل الفلسطينية، وهو ما ترك حالة انزعاج من قِبل هؤلاء المسؤولين.

وهذا الأمر مع غيره كان أيضاً سبباً رئيسياً في قرار «أنصار الله» بقيادة الحاج جمال سليمان لإعلان الانفصال السياسي والأمني والعسكري والمالي عن الحزب، والذي أتى في مرحلة دقيقة، وترك أكثر من علامة استفهام، ولم تنجح الجهود التي بُذِلَتْ لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً.

وتؤكد المصادر الصيداوية أنّ الإشكال الأخير الذي وقع في مدينة صيدا وحصد قتيلاً هو محمد ضرار و3 جرحى في نزلة صيدون وساحة الشهداء، سبقه العديد من الإشكالات في ذات المنطقة وفي شارع الشهيدة ناتاشا سعد وحي دلاعة، ومن قِبل بعض الأشخاص وفي أحداثٍ أخرى داخل البلدة القديمة، وكان في كل مرة منها يتم تطويق الإشكالات دون حلولٍ جذرية للمشاكل.

وجال أمين عام «التنظيم الشعبي الناصري» الدكتور أسامة سعد  على نزلة صيدون وساحة الشهداء في صيدا، حيث وقع الإشكال بين مناصري التنظيم وعناصر من «سرايا المقاومة»، وقدّم اعتذاراً للمواطنين عمّا جرى، مؤكداً رفض مثل هذه الأحداث.

وعلى الرغم من هذه الهفوات والإشكالات، يؤكد المطلعون أن العلاقة بين «التنظيم الشعبي الناصري» و«المقاومة» لا يُمكن أن تتأثر بإشكالات تقع هنا أو هناك، بينما المطلوب من المسؤولين لدى الطرفين، مُعاقبة كل مَنْ تسوّل له نفسه الإخلال بالأمن إلى أي جهةٍ انتمى، فمصلحة المواطن أهم من مصلحةٍ ضيّقة لدى أصحاب مصالح شخصانية.

وكان لافتاً في كلمة إمام «مسجد بلال بن رباح» في عبرا – صيدا الشيخ أحمد الأسير، في أعقاب الحادث الأخير منذ أيام، توجّهه إلى عناصر «التنظيم الشعبي الناصري» مشدّداً على دور التنظيم، وأنّهم أبناء مدينة صيدا، وأنّه يجب فصل دورهم عن دعم وتأييد حزب إيران.

وهذا الواقع الصيداوي ينسحب أيضاً على العديد من الملفات، فالعام الماضي شهد تحرّكاً لافتاً للشيخ الأسير، وتعدّد العناوين من دعم للثورة والشعب السوري إلى تحرّكاتٍ أخرى مناصرةً لغزة والقضية الفلسطينية، وصولاً إلى طرح مصير الإستراتيجية الدفاعية لـ «حزب الله».

ونفّذ الشيخ الأسير اعتصاماً مفتوحاً على بوليفار الدكتور نزيه البزري - الشرقي (27 حزيران 2012) واستمر فيه حتى (1 آب من العام ذاته)، حيث أثمرت مبادرة «القوى الإسلامية» في مخيم عين الحلوة، التي سلّمت إلى المعنيين في الدولة اللبنانية، وأعطت ثمارها المرجوة بعد اجتماعاتٍ عقدتها مع الشيخ الأسير والقيادات اللبنانية الرسمية.

ولكن هذا الواقع انسحب مراراً وتكراراً في إشكالاتٍ حصلت بين مناصري الشيخ الأسير وقوى صيداوية وأخرى من حارة صيدا و«حزب الله» وتوّج في الإشكال التي حصل في منطقة تعمير عين الحلوة (11 تشرين الثاني 2012)، وأدى إلى مقتل 3 أشخاصٍ وجرح 6 آخرين، ومن بين القتلى مرافقَيْ الشيخ الأسير، لبنان العزي وعلي سمهون.

كما قام الشيخ الأسير بتنفيذ عدة اعتصامات داخل مدينة صيدا وفي بيروت ومناطق الشمال والبقاع.

وتشير مصادر متابعة إلى أنّ الشيخ الأسير، عرض منزله وقطعة أرض يملكها في منطقة شواليق – شرقي صيدا للبيع، وقام مع مجموعة من أنصاره بشراء عدد من الشقق في منطقة إقامته في عبرا.

دبور يُبلّغ سليمان

وفلسطينياً أيضاً، أبلغ سفير دولة فلسطين في لبنان أشرف دبور، رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان خلال زيارته له في قصر بعبدا «أنه لن تكون هناك مخيّمات جديدة، وأن هذه الاستضافة لإخوتنا النازحين من المخيمات الفلسطينية في سوريا، هي استضافة مؤقتة مؤقتة مؤقتة، وهذا قرار جماعي فلسطيني على مستوى القيادة، ومستوى الفصائل كافة، وبالاتفاق مع الاخوة في الدولة اللبنانية».

وأطلعه على أوضاع النازحين الفلسطينيين من سوريا، والتدابير التي اتخذت في المخيمات بنوع خاص من أجل استقبالهم وايوائهم في انتظار عودتهم التي «نتمنّى أن تكون سريعة».

دور «القوى الإسلامية» الفلسطينية

وكان لافتاً التحرّك البارز لـ «القوى الإسلامية» في مخيم عين الحلوة، وتحديداً «عصبة الأنصار الإسلامية» و«الحركة الإسلامية المجاهدة»، حيث تعدّى هذا الدور المخيم، وشكّلت هذه القوى صمام أمان أيضاً للوضع في منطقة صيدا.

وقد شهدت الأيام الأخيرة من شهر كانون الأول الماضي اجتماعاتٍ لممثلي القوى الإسلامية الشيخ جمال خطاب والشيخ أبو طارق السعدي والشيخ أبو شرف عقل، مع القيادات الصيداوية على مختلف مشاربها ومستوياتها، الروحية والسياسية والحزبية وحتى الفاعليات الرسمية والأمنية وكانت هذه اللقاءات على علانية.

كما عقدت هذه القوى لقاءً أيضاً مع وزير الداخلية والبلديات العميد مروان شربل.

ويُطرح التساؤل: إذا كانت هناك حاجةٌ لدور هذه القوى، التي ظُلِمت في مراحل سابقة، والكثير منها أو من عناصرها ومناصريها، إما صادرة بحقهم أحكام قضائية أو مذكّرات توقيف أو بلاغات بحثٍ وتحرٍ أو كُتُب معلوماتٍ لدى الأجهزة الأمنية، فلماذا تتم الاستفادة من دورها، دون إنهاء ملفّاتها سواء بمحاكمةٍ عادلة، أو بقانون عفوٍ، كما جرى في جرائم سابقة، أو باتضاح الحقيقة في العديد من التقارير المغرضة التي كتبها مخبرون ضعفاء النفوس أو لمآرب خاصة؟!

هذا الواقع وهذا الدور الذي يُسجّل لدى كل الأطراف ويشهدون به، يجب أنْ يُترجم عملياً من قبل القيادات اللبنانية المعنية.

وهذا أيضاً ينسحب على ملفٍ هامٍ وحساس، وهو واقع الحقوق المعيشية والاقتصادية والمدنية وحق التملّك للفلسطينيين في لبنان، الذي كان يتذرّع البعض بأنّه يُساهم في التوطين، بينما أثبت الفلسطيني بالتجارب الملموسة، وعلى مختلف الصعد، في فصائل «منظمة التحرير الفلسطينية» و«تحالف القوى الفلسطينية» و«القوى الإسلامية»، أنّ لا مشروعاً أمنياً ولا سياسياً ولا عسكرياً لهم في لبنان، بل إنّ إقامة الفلسطيني مرتبطة بالعودة إلى فلسطين، حيث يتمسّك بالقرار الدولي 194 الذي ينص على عودته إلى أرض الوطن.

وبانتظار ذلك على مختلف الكتل النيابية المسارعة إلى إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، والالتزام بما يقولونه في اجتماعاتهم الداخلية، عن إجحاف بحق الفلسطينيين، وإنّ أقل الواجب هو إقرار حقوقهم، بأن يطبّقوا ذلك تحت قبة البرلمان، وما زال الوقت متاحاً لإنجاز ذلك.

 

 

نشر في جريدة "اللـواء" الأربعاء 9-1-2013

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 09-01-2013