أبو ذر يواجه مرسى!-بقلم: بلال فضل

تعالوا نسمى الأمور بأسمائها، ما يجرى فى مصر الآن ليس صراعا بين حماة الدين الحنيف ودعاة الإلحاد والكفر، بل هو صراع بين الراغبين فى إنتاج طبعة ملتحية من نظام مبارك وبين المُصرِّين على إسقاط كافة أشكال الإستبداد، صراع بين منطق (نهدا ياجماعة) ومنطق (الثورة مستمرة)، وهو صراع تستخدم فيه السلطة المنتخبة الملتحية نفس الأسلحة القذرة التى كانت تستخدمها السلطة القمعية الحليقة من تخوين وتخويف وتشويه بالإضافة إلى السلاح الأكثر فتكا وتفضيلا: التكفير.

الإخوان الذين كانوا يسوقون أنفسهم دائما كأعداء للطاغوت الأمريكى حسموا خيارهم منذ اللحظة الأولى وأدركوا أنه لا سبيل لبقائهم على كرسى الحكم أطول فترة ممكنة إلا بالتحالف مع الطاغوت، ولذلك قرروا الإكتفاء بعمليات ترقيع للسياسات التى قام عليها عهد مبارك بدلا من نسفها لكى يتجنبوا مخاطر المواجهة مع الواقع، وأصبحت تعلو يوما بعد يوم نبرة التصالح التى يعرضونها على ممثلى المصالح الإقتصادية السائدة فى عهد مبارك، فى نفس الوقت الذى يسعون إلى استمرار تحالفهم المرحلى مع التيارات الدينية الأكثر تشددا لقدرتها على توفير غطاء دينى تبريرى يحتاجونه بشدة فى مواجهة القوى الثورية التى سترفض أن تلبس سلطانية الإستقرار أو أن تعتليها جماعة بإسم الدين.

اتفق أو اختلف مع المفكر الإيرانى الثورى على شريعتى ومع الطريقة التى تم إستغلال أفكاره بها من قبل السلطات الإيرانية القمعية، لكن حاول أن تقرأ محاضرته الشهيرة (دين ضد الدين) وأنت تتأمل كيف يتم إستخدام الدين فى الإبقاء على شبكة المصالح التى كانت قائمة فى عهد مبارك ليكون الإخوان حراسا عليها وجناة لثمارها، مع الحرص على إستمرار نهج مبارك فى توسيع حجم الفتات الذى تلقيه السلطة للناس لتخف حدة غضبهم ويواصلوا دفع عجلة الإستقرار التى تجعلهم مستقرين فى التعاسة وتجعل أصحاب المصالح مستقرين على عرش مصالحهم.

ينبهنا شريعتى فى محاضرته إلى أن الحقائق التاريخية تؤكد أن الدين لم يكن يواجه إلا بالدين، خلافا للتصور الساذج الذى نحمله عن وجود صراع تاريخى دائم بين الدين والإلحاد، يمكن أن نصطدم فى القرون المتأخرة التى نمت فيها مظاهر المدنية والفكر والفلسفة بوجود أشخاص ينكرون وجود الخالق أو الآخرة، لكنهم لم يحدث فى وقت من الأوقات أن قاموا بتكوين طبقة أو فئة إجتماعية معتد بها. إن أكثر من أضر بدعوة التوحيد التى حملها سيدنا موسى لم يكن فيلسوفا ماديا أو ملحدا دهريا، بل كان بلعم بن باعورا صاحب أعلى مقام دينى فى زمانه، ومع ذلك فقد نهض لمعارضة دعوة موسى مستغلا إيمان الناس وثقتهم به. سيدنا عيسى كان من أبرز أسباب معاناته الطويلة «الفريسيين» وهم لم يكونوا ماديين ولا زنادقة ولا دهريين بل كانوا أتباع وأنصار الدين القائم فى ذلك الزمن. حتى الذين حاربوا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان شعارهم القضاء على محمد وأتباعه بذريعة إنتهاكهم لحرمة بيت إبراهيم ولأنهم صبأوا عن دين آبائهم وخرقوا الأصول والمقدسات.

يقول شريعتى أن التاريخ يعلمنا أن هناك على الدوام صراعا بين نوعين من الدين: الدين الثورى الذى يدعو إلى الإنقياد المطلق لإرادة الله لكنه فى الوقت ذاته يدعو إلى الثورة على كل ما سواه وعدم التسليم للأصنام بمعناها الشامل لكل مايتخذه البشر كآلهة زورا وتزويرا بمعونة جهل الناس وظلم الحاكمين، والدين التبريرى الذى تحمله فئة «تكن العداء للحقيقة والعدالة والحرية والحضارة والرقى وتنشغل بإشباع ولعها وغرائزها المنحرفة فى التسلط على رقاب الناس وحرمانهم من أبسط حقوقهم وقد كان أفراد هذه الفئة دائما من المتدينين ولم يكونوا من الزنادقة والكافرين». وفى حين يغذى الدين الثورى أتباعه برؤية نقدية لكل مايحيط بهم ويكسبهم شعورا بالمسئولية تجاه الوضع القائم ليسعوا لتغييره، يقوم الدين التبريرى بترويج مبدأ الرضوخ للأمر الواقع، ويقنع الناس بأن وضعهم الراهن هو الوضع الأمثل الذى يجب أن يرضوا به لأنه المصير المحتوم الذى كتبه الله عليهم، ولذلك فقد ساهم «حكام الملك العضوض» فى دعم كل الأفكار القدرية والتبريرية التى تسلب من المسلمين الشعور بالمسئولية وتقتل فيهم روح المبادرة.

يضع شريعتى يده على نقطة مهمة هى أن مناصرى الدين التبريرى دائما يكونون من أصحاب الطبقات الإجتماعية العالية والغنية، وتراهم جميعا مع الهيئة الحاكمة كتفا فى كتف، وقد تراهم أحيانا يهيمنون على الهيئة الحاكمة أيضا، هم أولئك الذين عبر عنهم القرآن بـ «الملأ» وهم المترفون الذين يملأون العين ويشغلون المناصب المهمة فى مجتمعاتهم، وهم الذين يواجههم دائما الدين الثورى الذى برغم أنه لم يتمكن من أن يسيطر على الحكم دائما، لكنه ظل على الدوام فى تاريخنا الإسلامى يواجه دين الطاغوت والمترفين ويدعو الناس إلى التمرد على جبهة الملأ لإقرار العدالة ونشرها، ويسعى دائما لأن ينضج الناس ويكون لهم وجدان دينى يقظ ليس وليدا للجهل ولا الخوف، فيقفون ضد كل من يبرر الجوع ويسببه بإسم الدين، ويصبح شعارهم الدائم قول سيدنا أبى ذر الغفارى أبرز رموز الدين الثورى «عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه»، وهى الجملة التى اختفت فى ظروف غامضة من على ألسنة جميع قادة ووعاظ تيارات الشعارات الإسلامية لأنها لم تعد صالحة للإستخدام بعد الوصول إلى كرسى الحكم، لأن مايلزمهم أكثر الآن من قول أبى ذر الغفارى شعار مبارك الأثير (نهدا ياجماعة).

عن الشروق المصرية
 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-01-2013