عن عودة 'فتح'- بقلم: عبدالحليم قنديل

لفت أنظار المراقبين ذلك الحشد المليوني في الذكرى الثامنة والأربعين لانطلاق حركة 'فتح'، ولفت الأنظار أكثر بروز الحشد 'الفتحاوي' في غزة بالذات، والتي سيطرت عليها حركة 'حماس' قبل سنوات، وأقامت عليها سلطتها الحصرية.

بدا الاحتفال الفتحاوي في غزة جزءا من عملية تهدئة فلسطينية متبادلة، حيث سمحت سلطة رام الله الفتحاوية باحتفال لحماس في الضفة الغربية، وردت سلطة حماس في غزة بالسماح لحركة فتح بإقامة احتفالها السنوي، وبدا تطبيع العلاقات مفيدا في التعرف على تغيرات مستجدة في النفوذ الجماهيري للحركتين الفلسطينيتين المتنافستين .

والمدهش أن احتفال فتح في غزة فاق في حجمه احتفال 'حماس' في غزة نفسها، وهو ما يظهر تعديلا ملموسا في الموازين، فقد جرت آخر انتخابات فلسطينية قبل سنوات طويلة، وحققت فيها 'حماس' فوزا كاسحا، وبدا أن 'حماس' تتقدم لترث نفوذ فتح القديم، وساهمت ضغوط دولية وإقليمية في حرمان 'حماس' من حقها في تشكيل حكومة فلسطينية مستقرة، وظل الشد والجذب قائما، وجرى عقد اتفاقات تهدئة سرعان ما جرى النكوص عنها، وانتهى الصدام السياسي إلى صدام عنيف بالسلاح في غزة، سيطرت بعده حركة حماس على مقاليد الأمور في القطاع، فيما فرضت 'فتح' سلطتها الواقعية في الضفة الغربية، وضيقت كل حركة على الأخرى في مجال نفوذها، وكما جرى حرمان 'حماس' من نشاط جماهيري أو عسكري ظاهر في الضفة، فقد جرى أيضا حرمان 'فتح' في غزة، وإلى وقت استطال لخمس سنوات، ومع مستجدات الربع الأخير من عام 2012، بدا أن 'حماس' نجحت إلى حد كبير في فك الحصار عن غزة، وحظيت بدعم إقليمي قوي من تركيا وقطر والسلطة 'الإخوانية' في مصر، إضافة للدعم العسكرى الإيراني الذى مكنها من الصمود في حرب غزة الأخيرة، وهكذا خرجت 'حماس' من الحرب أكثر قوة، وبدت كأنها التنظيم الفلسطيني الأعظم تأثيرا، وأقامت احتفالها بذكرى التأسيس في حضور زعيمها خالد مشعل لأول مرة، وفيما بدا احتفال حماس غاية في النظام، وشهد حضورا جماهيريا كثيفا كما هي العادة، لكن احتفال 'فتح' الذي أعقب احتفال حماس حمل المفاجأة، وبدا كاحتفال عفوي شعبي مذهل في حشوده، برغم أن محمود عباس ـ القائد الحالي لحركة 'فتح' ـ لم يشهده شخصيا، واكتفى بتوجيه كلمة إلى المحتفلين عبر 'الفيديو كونفرانس'، وبدا الأمر كله عودة مظفرة لحركة فتح إلى ديار غزة معقل 'حماس' التقليدي.

وبالطبع، قد تجد بعض تفسير لما جرى في التفاعلات الفلسطينية الداخلية، فقد حقق عباس ـ زعيم فتح ـ نصرا سياسيا أعقب نجاح حماس في ردع العدوان الإسرائيلي، وكسب لفلسطين صفة الدولة 'غير العضو' في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأقيمت احتفالات جماهيرية حاشدة في الضفة الغربية ابتهاجا بما جرى تصويره كنصر مؤزر لعباس وحلم الدولة الفلسطينية، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الدعم الجماهيري المضاف لعباس في غزة، فقد عكست حشود احتفال 'فتح' بغزة ضيقا جماهيريا باديا بحكم حماس، والذي يمتاز بالتضييق الاجتماعي فوق القمع السياسي والأمني، وبدا أن جاذبية تفوق حماس العسكري أقل أثرا من جاذبية نصر عباس السياسي، صحيح أن حماس تمتلك جهازا تنظيميا يبدو أكثر صلابة، لكنها فقدت على ما يبدو جاذبية المشروع، فقد صعدت حماس فلسطينيا على أساس من تبنيها للمشروع المقاوم، فيما بدا عباس محصورا محاصرا في مشروع مساوم عظيم البؤس، وكان فوز حماس الانتخابي الكاسح ترجمة لتغيرات حاسمة في الموازين وقتها، بدت فيها حركة 'فتح' يتيمة إثر الوفاة الغامضة لمؤسسها الزعيم التاريخي ياسر عرفات، فيما بدت حماس فى صورة الحركة الاستشهادية المقاومة الرافضة لاتفاق 'أوسلو' وما تلاه، لكن دخول حماس إلى الانتخابات مثل أول تراجع سياسي، صحيح أنها حققت فيه فوزا، لكنه الفوز الذي أنهك عقيدة الحركة، وأضر بتجردها المقاوم، فقد نقلت مركز ثقل اهتمامها من السلاح إلى السياسة، ثم لجأت إلى السلاح لحسم صراع السياسة في غزة، وأقامت سلطة بدت كغاية في ذاتها، وتحول جناحها العسكري إلى قوة تأمين لسلطة بدت محصورة في جيب غزة، وهو ما جعل القبول الجماهيري التلقائي لحماس في أزمة، فقد أجبرت حماس الناس في غزة على الانقياد لسلطتها، وأقامت حكما حديديا أضاف إلى متاعب الحصار المفروض، وأصابت مفاسد السلطة المطلقة الكثير من كوادرها وقياداتها، ولم يعد لها ذات الامتياز والبريق الأخلاقي القديم مقارنة بالفساد التقليدي لكوادر وقيادات فتح، أضف إلى ذلك تداعي عناوين مشروعها المقاوم، وسعيها إلى التفاوض غير المباشر مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وهكذا ضاعت الحدود المرئية بين مشروع حماس المقاوم ومشروع عباس المساوم، وبما جعل التفضيل الجماهيري منصرفا إلى أسباب أخرى، فقد تراجعت أولوية قضية الاحتلال والتحرير والمقاومة، وتقدمت أولويات أخرى منصبة على أحوال المعيشة، والمقارنة بين أحوال الناس الأكثر يسرا في مدن الضفة الغربية، وبين أحوال الناس الأكثر عسرا في غزة، وبما جعل جاذبية سلطة عباس تتفوق على جاذبية سلطة حماس.
غير أن جاذبية حركة 'فتح' المستعادة في غزة لها بعد آخر يبدو أكثر ظهورا، البعد المقصود عربي عام ومصري بالذات، فقد انتهت ثورات الربيع العربى ـ مؤقتا ـ إلى حكم الإخوان، بدا إخوان تونس ـ حركة النهضة ـ في مقدمة المشهد السلطوي بعد الثورة، ثم أقام الإخوان المسلمون في مصر نظاما سياسيا تجريبيا , وبدت سلطة الإخوان في مصر محابية بالضرورة لحركة 'حماس' الإخوانية، خاصة أن غزة من زوايا جغرافية وتاريخية تبدو لصيقة جدا بأحوال مصر الداخلية، وقد تفاءلت حركة حماس بصعود الإخوان في مصر، وحظيت بامتيازات هائلة لم تكن لها في أي وقت، وبدت سعيدة بكونها فرعا فلسطينيا لسلطة الإخوان المسلمين المصرية، وربطت نفسها بكسب أو خسارة الإخوان في مصر، وتجاوزت عن الدرس البديهي في التعامل مع الساحة المصرية بالغة التفرد، ففلسطين قضية وطنية مصرية جامعة، وليست أبدا قضية لحزب ولا لجماعة بذاتها، وقد أخطأت حماس بتحزيب و'أخونة' الهوى الفلسطيني في مصر، وهو ما جعل جاذبيتها ـ أي جاذبية حماس ـ تتآكل بسرعة في مصر، وبطريقة متوازية مع تآكل شعبية السلطة الإخوانية، وهكذا تولد نفور فلسطيني من حماس مواز تماما للنفور المصري المتزايد من حكم الإخوان، وكان الأثر نفسه قد لوحظ في أول انتخابات ليبية جرت أواسط 2012، فقد أثر ارتباك تجربة البرلمان الإخواني المصري على حظوظ إخوان ليبيا، ولم يحصلوا فى انتخابات القوائم الليبية سوى على عشرة بالمئة من الأصوات، ثم بدا تأثير تواضع أداء الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي ظاهرا في الحالة الفلسطينية، وأثر بالسلب على شعبية حماس في معقلها الغزاوي، وهو ما أتاح لحركة فتح صعودا جماهيريا لاتخطئه العين .

عن القدس العربي
 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-01-2013