بعد عامين....متغيرات لتمرير التسوية - د. فايز رشيد

ما كشفه برلسكوني من"أن ما حدث في ليبيا لم يكن ربيعاً عربياً،أو ثورة شعبية بل تدخلاً أرادته فرنسا"،يمثل لطمة كبيرة لكل الذين راهنوا على ما يسمى بــ"الربيع العربي" وصدمةً لكل الاحساس الجماهيري الشعبي لأمتنا من المحيط إلى الخليج : في المراهنة على المتغيرات الثورية القادمة.وإمعاناً في المساس بشعور مقدس لمواطن هذه المنطقة يذهب رئيس الوزراء الايطالي الأسبق في توضيحه خلال مقابلته لوكالة الأنباء الايطالية قائلاً"إن ما حدث في ليبيا جرى وفق قرار للحكومة الفرنسية بالذهاب إلى هناك،والتدخل في نزاع داخلي وتقديمه في إطار المجتمع الدولي على أنه ثورة،وهاجمت الطائرات الفرنسية ليبيا قبل أن يتم اتخاذ قرار مشترك والبدء في قصف قوات القذافي". لن نتفق مع برلسكوني في تعميم ما كشفه على أقطار الانتفاضات العربية جميعا ,فهي تظل حراكات جماهيرية عفوية أتت بحكم الاوضاع السائدة في تلك البلدان, وفي ظل نضوج غير مكتمل للأنتفاضات , وهي أتت وفق المفاهيم العلمية – الفلسفية للحراكات الشعبية.

ونحن نعيش إرهاصات مرور سنتين على بدء الانتفاضات العربية،فبالسؤال عما تم إنجازه من متغيرات ثورية على صعيد بلدان الثورات،يتضح أن هناك انفصاماً كبيراً بين مراهنات الجماهير الشعبية والامة باسرها وبين الواقع الصادم لوضع هذه المتغيرات.باختصار هي كانت انتفاضات جماهيرية في غالبيتها لكن لم تكتمل إلى ثورات،فأدنى أسس علم الثورات في مختلف المدارس الايديولوجية-الفلسفية يفترض أن الثورة بحاجة إلى برنامج تقف من ورائه قوة قادرة على التغيير،والقوة بحاجة إلى قيادة متمكنة ,والثورة بحاجة إلى كسر بنية النظام السابق إن من حيث القوى المشكلة له أوآلية عمله،و كذلك سياساته الاقتصادية الاجتماعية والسياسيية،وهذا ما لم يحصل في بلدان ما يسمى بــ(الربيع العربي)!الذي حدث هو استبدال وجوه بأخرى في ظل وجود منفذي وأرباب سياسات العهد السابق أولاً،وجرى تكيّف القيادات الجديدة وفقاً للسياسات السابقة ثانيا،وهذا لم يجرِ عبثاً ولا عفوياً بقدر ما هي عملية تكالبية بين : قوى جديدة ساعداتها ظروفها على تسلم السلطة في بلدانها و قوى خارجية أرادت إزاحة خطوط مسار الانتفاضات العربية عن دربها الصحيح , بل اعادته خطوات كبيرة إلى الوراء.

منذ نشأة القضية الفلسطينية وظهورها إلى الساحة, ارتبطت دوماً بالتحولات الكبرى العربية, فالثورات التي جرت في العالم العربي كان أحد شعاراتها الرئيسية العمل من أجل فلسطين،وكان الحكم على الثورة جماهيرياً(ليس على الصعيد الفلسطيني فحسب وإنما على صعيد الأمة العربية أيضاً) يرتبط بمدى تبني هذه الثورة أو هذا المتغير العربي للقضية الفلسطينية اقتراباً أو ابتعاداً.هذا الأمر خلق نوعاً من الارتباط العضوي بين القضية الفلسطينية والتطورات العربية،حيث أن هذه المتغيرات العربية أثرت وتأثرت بالقضية الفلسطينية, والأخيرة أيضاً تأثرت وأثرت في الأحداث العربية.

المتغيرات العربية الجديدة لم تؤد إلى تثوير الوضع العربي للأسف , لذا نرى أنه وبدلاً من المزيد من الالتصاق بين المسألتين شهدنا ونشهد مزيداً من النأي والانفكاك عن القضية الفلسطينية على قاعدة"أهل مكة أدرى بشعابها".هذا الأخير للأسف لعب فيه العامل الفلسطيني دوراً تقزيمياً , فبدلاً من المطالبة بتثوير الوضع العربي جرى العكس تماماً . وهو ما أدى إضافة إلى سياسة النأي التي ابتدأت بوادرها بعيد توقيع اتفاقيات كمب ديفيد ,تلاها:اتفاقية اوسلو،ومن ثم:وادي عربة،واتفاقيات أخرى ظلّت خفية،الأمر الذي أدى إلى اختزال الصراع مع العدو من شكله العربي المتمثل في الصراع العربي-الصهيوني إلى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وصولاً إلى الخلاف أو النزاع(تصوروا ابتعاد هذه التعابير عن الحقيقة والواقع).

بالتالي فإن المتغيرات العربية أيضاً : لم تؤد إلى وجوب التزام القيادات الحاكمة بالشعارات الجماهيرية, وبشكل خاص حول فلسطين،ففي حمّى انتفاضة الجماهير الشعبية في مصر كان شعار:وجوب إلغاء اتفاقية كمب ديفيد, وجرى حصار جماهيري للسفارة الإسرائيلية في القاهرة ومن ثم اقتحامها . وفي بلدان عربية أخرى تم رفع شعار تحرير فلسطين،إلا أن القيادات الجديدة وبدلاً من الألتزام بأيديولوجيتها السابقة وركائزها الاستراتجية (قبل تسلم الحكم ) في التعامل مع العدو الصهيوني،تراجعت عن كل ذلك لصالح"التعايش مع إسرائيل"،و"عدم تحريم التطبيع معها"،وكان ذلك في ظل المزيد من التشدد الإسرائيلي في التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية أو الأخرى العربية , أو ما يسمى بــ"مبادرة السلام العربية" واشتراطات جديدة تريد إسرائيل فرضها على الفلسطينيين والعرب كالاعتراف بــ"يهودية الدولة الإسرائيلية" ومعادلة"سلام مقابل سلام" وليس "سلام مقابل الأرض"،هذا على سبيل المثال وليس الحصر.

المتغيرات العربية لم تؤد إلى إيجاد مشروعين متناقضين عربيين تجاه التعامل مع إسرائيل, فالنظام الرسمي العربي حسم خياراته السياسية في ما أطلق عليه"مبادرة السلام العربية". بمعنى آخر لم تؤد المتغيرات إلى مبادرة استراتيجية عربية جديدة ,فهذه مرتبطة بوجود النظام السياسي الجديد.والاستجابة لضغوطات الجماهير من أجل التغييرباعتبار ذلك أمراً واقعاً ,و هناك عوامل أخرى عديدة غيرها. لذا لم تحقق المتغيرات أسسا استراجية جديدة , فقد قُطفت ثمارها قبل نضوجها.إن ما أدت إليه:هو ظهور تحالف رسمي عربي جديد بدلاً من آخرقديم ,من حيث التأثير في الوضع العربي مع تناسٍ مطلق لهذا التأثيرعموماً في الوضع الدولي سواء بالنسبة للقضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا العربية المركزية الأخرى.

منذ بداية الحراكات الجماهيرية العربية حرصت الولايات المتحدة(وهي تتكلم بلسان الببغاء الإسرائيلي) والدول الغربية عموماً :على خوض نقاشات ومقاربات وإجراء ندوات فكرية مع القوى المؤثرة في هذه الحراكات, في كل من واشنطن وعواصم هذه البلدان وذلك للأهداف التالية:

أولاً: ضمان علاقات جيدة بين واشنطن والغرب عموماً والأنظمة الجديدة في هذه البلدان ,بشكل تحرص فيه هذه البلدان على بناء(او على استمرارية العلاقة بالشكل الذي كان) أفضل العلاقات مع الطرف الأول, وبخاصة أن الولايات المتحدة تقدم مساعدات لهذه البلدان.

ثانياً:الحرص على الاتفاقيات المعقودة بين بعض هذه البلدان وإسرائيل مثل اتفاقية"كمب ديفيد", وضمان عدم اتخاذ سياسات هذه البلدان لعلاقات راديكالية ثورية ضد اسرائيل بل بالصورة التي حددتها واشنطن :أن المدخل إليها يمر من البوابة الإسرائيلية.

ثالثاً:استغلال الظروف القائمة حالياً لتمرير تسوية وبالشروط الإسرائيلية في المنطقة،والتي تراعي الأمن الإسرائيلي واشتراطاته , وعدم وجود مستقبلي لكل ما يهدد هذا الأمن: سواء من الدول العربية أو من دول المنطقة على طريق بناء الشرق الأوسط الجديد أو الكبير،الذي تبرز فيه إسرائيل كدولة مهمينة في الشرق الأوسط.هذا يتماشى مع سياسة محو وتقسيم البلدان العربية(وهو ما تناولناه في مقالة الخميس 10 يناير الحالي). لهذا فان فكرة الأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية لعقد مؤتمر دولي للسلام في المنطقة،وهو ما كان ينادي به طيلة ترؤسه للخارجية المصرية ,توارت ولم يجر طرحها على جدول أعمال الجامعة حتى اللحظة. لهذا يجري اشعال حرائق ( فتن, استهداف ,تهجير , تركيز اعلامي كبيرعلى الخطر الفلسطيني القادم وغيرها) في المخيمات الفلسطينية في أكثرمن بلد عربي. لهذا يجري اعادة احياء مفاهيم مثل : الفيدرالية , الكونفدرالية, التقاسم الوظيفي , التوطين , اعادة التهجير , الوطن البديل وغيرها من الأصطلاحات الشبيهة .

تمرير التسوية الأسرائيلية – الأمريكية – الغربية تظل الهاجس الأول والأخير لواشنطن, ولذا فلربما نشهد في القريب العاجل: محاولات عديدة لتمرير التسوية في المنطقة واشعال حرائق جديدة في المنطقة العربية. ولكنليس كل ما تخطط له إسرائيل وأمريكا وحلفائهما قدراً مفروضا علينا بل يمكن إفشاله مثلما تم افشال الكثير من المحاولات السابقة .

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 18-01-2013