الحالة الثورية في مصر وتداعياتها على حركة حماس والوضع الفلسطيني - غازي الصوراني

منذ اندلاع الانتفاضات الشعبية وسقوط رؤوس أنظمة الاستبداد في تونس ومصر ، واشتعالها في اليمن وسوريا والبحرين والأردن ، توجهت انظار الشعب الفلسطيني صوب هذه الانتفاضات تعبيراً عن فرحته وتأييده للمشهد العربي الديمقراطي "الجديد" في انتظار نتائج "الصندوق" أو الانتخابات .

لكن تداعيات الأحداث في مصر، سرعان ما كشفت فشل الانتفاضات العفوية في قطف ثمار ثورتها وتحقيق الأهداف التي انطلقت من أجلها في الحرية والكرامة والديمقراطية، بسبب افتقارها للتنظيم ولكل من الرؤية الثورية والقيادة الوطنية المعبرة عن طموحاتها ، فالانتفاضة الشعبية مهما كان حجمها وانتشارها، لا تعني أبداً قدرتها على فرض الحل الثوري الجذري ، طالما بقيت الجماهير أسيرة لعفويتها وفاقدة للوعي الثوري، الأمر الذي دفع بقيادة الجيش إلى أن تتولى مقدرات السلطة والحكم بالمرحلة الانتقالية في مصر بعد 25/يناير مفسحة المجال – لأول مرة في تاريخ مصر الحديث- لجماعة الإخوان المسلمين بتشجيع أمريكي ، الوصول إلى سدة الحكم، حيث نجحت بسبب قوة انتشارها وتغلغلها في صفوف الجماهير الفقيرة، في قطف ثمار الانتفاضة وتحقيق الفوز في الانتخابات والوصول إلى قمة السلطة الحاكمة في تونس ومصر، عبر شعارات وبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية لم تحمل في طياتها أي شكل من أشكال التناقض مع سياسات نظام الرئيس المخلوع من ناحية، ومع سياسات الولايات المتحدة والنظام الرأسمالي التابع، إلى جانب استمرار اعترافها بالدولة الصهيونية والاتفاقات المعقودة معها من ناحية ثانية .

وفي هذا السياق، أشير إلى أن الحالة الثورية الديمقراطية في مصر انطلقت من هموم الجماهير الشعبية المصرية وقضاياها المطلبية في العدالة الاجتماعية إلى جانب المطالبة بالحرية والديمقراطية وحرية الرأي والمعتقد ضد الاخونة، لكنها بالمقابل ابتعدت تماماً عن اية ارتباطات سياسية معادية للامبريالية وإسرائيل . وفي هذا الجانب من المهم الإشارة إلى أنه إذا كان النظام الديمقراطي في مصر بعد 30/يونيو سيظل ملتزماً باتفاقات كامب ديفيد وبالاعتراف بإسرائيل والتبعية لسياسات الإمبريالية الأمريكية ، فإن جماعة الإخوان المسلمين بدأت منذ سنوات –وفق العديد من المصادر الموثوقة- اتصالاتها المباشرة وغير المباشرة مع الإدارة الأمريكية وصولاً إلى نوع من التوافق بينهما عشية الانتفاضة في 25/ يناير ، ولم يكن فوز د.محمد مرسي في احد تجلياته سوى تجسيد لهذا التحالف على الأهداف المشتركة وخاصة سياسات الاقتصاد الحر والخصخصة ورفض تدخل الدولة في الاقتصاد بذريعة الدفاع عن "الاقتصاد الإسلامي" ضد كل قوى التقدم والحداثة والديمقراطية والتطور الصناعي عموماً وضد قوى اليسار العربي خصوصاً ، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والبطالة والفقر والغلاء والاستبداد في أوساط الجماهير المصرية، علاوة على التزام الإخوان المسلمين باتفاقات كامب ديفيد ومواصلة العلاقة مع الدولة الصهيونية ، والصمت المطبق على جرائم العدو الصهيوني ضد شعبنا الفلسطيني .

ففي ظل مشهد الإسلام السياسي برئاسة د.محمد مرسي، حرصت جماعة الإخوان المسلمين على تكريس الأوضاع الاقتصادية والطبقية على ما كانت عليه إبان حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك ، إلى جانب حرصها على صياغة وتطبيق مجموعة من القوانين والأنظمة الهادفة إلى رفض جوهر الشكل الليبرالي للديمقراطية السياسية وحرية الأفراد وحرية الرأي والمعتقد ، وتكييفه وفق منظورها الأيديلوجي الديني الكفيل بإعادة انتاج وتجديد التخلف الاجتماعي ، وإيجاد السبل الكفيلة بصياغة أشكال جديدة من التبعية للسياسات الأمريكية ارتباطاً بالمصالح الطبقية الكومبرادورية والطفيلية المحيطة بجماعة الإخوان المسلمين دونما أي اهتمام بالشعارات والأهداف الاجتماعية بالنسبة لجماهير العمال والفلاحين الفقراء وبالنسبة للشباب والمرأة وصغار الموظفين وكافة قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية (زيادة الأجور / البطالة / الفقر / دعم السلع الأساسية للفقراء / الغلاء والتضخم ... إلخ).

وفي مثل هذه الأوضاع ، لم يكن مستغرباً ، اشتعال الانتفاضة الثورية من جديد في مصر عبر حــركة تــمرد في 30/6 ضد الإخوان المسلمين بعد أن تكشفت الجماهير زيف شعاراتها ، واستطاعـت -بدعم واضح من الجيش- عزل الرئيس وإسقاط نظام الجماعة والتحرر من الحكم الإخواني وإسدال الستار على مشهد الإسلام السياسي بعد عام واحد فقط من وصوله إلى الحكم.

لقد حسم الجيش موقفه لصالح القوى الديمقراطية الليبرالية ، بعد أن وصل الرفض الشعبي لأخونة الدولة ولحكم الرئيس مرسي وجماعته حداً لا يمكن وقفه إلا عبر الشرعية الثورية، التي استند إليها الجيش لعزل الرئيس وانهاء سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على الدولة ومؤسساتها ، على الرغم من إدراك الجيش والقوى الثورية في مصر حجم وقوة انتشار الجماعة وحركات الإسلام السياسي، في المجتمع المصري عموماً ، وفي أوساط الفلاحين الفقراء في الأرياف، وفي أوساط فقراء المدن، حيث سارعت جماعة الاخوان المسلمين إلى رفض وإدانة قرار الجيش المطالبة بعودة الرئيس المعزول، ومن ثم بدء أشكال جديدة من الصراع الدموي إلى جانب المظاهرات الاعتصامات المؤيدة للجماعة في معظم المدن.

وفي هذا المناخ، اندفعت حركة حماس باعتبارها أحد فروع الاخوان المسلمين، إلى تأييد الأصل أو المركز القيادي الأم لجماعة الاخوان المسلمين في مطالبتهم بعودة الرئيس مرسي وحكومته ، ووضعت فضائياتها : القدس والأقصى ، في خدمة الجهاز الإعلامي للإخوان المسلمين في مصر ، الأمر الذي خلق حالة من النقد والاستياء، سرعان ما تحولت إلى حالة من العداء لحركة حماس ، وامتدت تداعياتها ضد الشعب الفلسطيني عموماً، وفي قطاع غزة خصوصاً عبر وسائل الإعلام والصحف والفضائيات ومقالات العديد من المثقفين الليبراليين المصريين .

لذلك أقول – بكل حزن وألم- ان موقف حركة حماس وتداعياته الإعلامية والسياسية والمجتمعية في الذهنية الشعبية العفوية المصرية، سيترك أثراً بالغ السوء على مستقبل القضية الفلسطينية ، عبر مراكمته لمزيد من العزلة والتراجع في أوساط الشعب العربي في مصر الذي يعيش –في معظمه- حالة من الرفض لممارسات جماعة الإخوان المسلمين، ترافقت مع حالة من العداء الشديد لحركة حماس التي استطاعت وسائل الإعلام وبعض القوى السياسية المصرية، تكريس الانطباع في أذهان قطاع واسع من الشعب المصري، وبأساليب لا تخلو من المبالغة، بان حركة حماس مسئولة عن تهديد الأمن القومي المصري، متناسين أن اتفاق كامب ديفيد كان ومازال السبب الرئيسي في تهديد الأمن القومي لمصر، كما اتهموا حماس بأنها المسئولة عن تهريب السلاح إلى سيناء ومسئولة عن قتل عدد من الجنود المصريين على حدود رفح، ومسئوليتها عن تهريب المساجين أثناء انتفاضة 25/يناير، إلى جانب حديث بعض الإعلاميين والمثقفين الليبراليين، بأن "كل تنظيم إسلامي متطرف في سيناء يوجد له نظير في قطاع غزة" وأن حماس تعرف جيداً التنظيمات الارهابية في سيناء، وتأكيدهم على أن كل ما يحدث في سيناء هو "مشروع متفق عليه بين كل الجماعات الإسلامية التي تحاول الإيقاع بين الناس في سيناء وبين الجيش"، وجاءت تصريحات كل من صفوت حجازي ومحمد البلتاجي (عضوي قيادة الاخوان المسلمين) التي أعلنا فيها على أن "وقف العمليات المسلحة في سيناء مرهون بإعادة الرئيس مرسي إلى الحكم" ، لتغذي تلك الشبهات .

الأمر الذي أدى إلى تصعيد الحملات الإعلامية المغرضة ضد الشعب الفلسطيني بذريعة تأييد حركة حماس لممارسات الاخوان المسلمين في مصر بعد انتفاضة الجماهير في 30/ يونيو ، على الرغم من أن معظم أبناء الشعب الفلسطيني شاركوا اشقائهم في مصر ، فرحتهم بعزل الرئيس مرسي وحكومته وجماعته .

لكن حركة حماس لم تتفاعل او تستجيب لمشاعر الأغلبية من الشعب الفلسطيني ، ولم تبادر إلى بلورة موقف موضوعي ينطلق من المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني ، بل وقعت في خطيئة تكتيكية كبرى حينما قررت الانحياز الصريح لرؤيتها الأيديولوجية ولمصالحها الفئوية التنظيمية الضيقة عبر تأييدها السياسي والإعلامي المكشوف دفاعا عن الرئيس المعزول وجماعته ، على النقيض من أماني ومواقف الأغلبية الساحقة من الشعبين المصري والفلسطيني المتضامنة مع الشرعية الثورية للخلاص من تجربة الاخوان المريرة في الحكم رغم قصرها الزمني ، بل إن حركة حماس لم تعرف كيف تخلق حالة من التوازن بين تأييدها للإخوان المسلمين ، وبين التزامها الوطني بقضايا الشعب الفلسطيني ، حيث قامت بتخصيص معظم ساعات البث لقنواتها الفضائية التي أصبحت منبراً رئيسياً للإخوان المسلمين في مصر ، ينقل الصور الحية والمباشرة من ميدان "رابعة العدوية" ، الأمر الذي أدى الى زيادة الاستياء والتحريض والعداء لحركة حماس وللشعب الفلسطيني.

والملفت للانتباه أن أحداً من قيادات حركة حماس لم يعلن أي موقف مؤيد صراحة لموقف الجماعة الاخوانية ضد الجيش والثورة الشعبية في مصر، لكنهم في نفس الوقت لم يعلنوا أي موقف يدين ممارسات الإرهاب في سيناء وغيرها من المدن المصرية، والأخطر من ذلك أن حركة حماس لم تبادر إلى نفي مشاركتها في اجتماع "التنظيم الدولي" في إسطنبول أو رفضها مخططاته المعلنة، على الرغم من تأكيد حركة الاخوان المسلمين في الأردن خبر مشاركة حماس في الاجتماع المذكور!! وهو خبر ممكن أن يكون عارياً عن الصحة، وبالتالي فإن من واجب حركة حماس انطلاقا من التزامها الوطني وحرصها على مصالح الشعب الفلسطيني ووقف تدهور العلاقات الفلسطينية المصرية، بل وحرصها على وجودها ومستقبلها، لكي لا تتحول إلى قوة معادية للشعب المصري وما ينتج عن ذلك من نتائج كارثية على أبناء قطاع غزة، أن تبادر إلى نفى مشاركتها ورفضها لمقررات ذلك المؤتمر.

وبالتالي فإن دعوتي للاخوة في حركة حماس تغليب المصالح والأهداف الوطنية على المصالح الحزبية الضيقة، هي دعوة تستند إلى دورها وتاريخها الوطني والكفاحي، بمثل ما تستند إلى ضرورة تاريخية خارجة عن إرادة حماس وتحالفاتها، تتطلب منها أو تفرض عليها اليوم قبل الغد، أن تعلن موقفاً مؤيدا لطموحات الشعب المصري في الخلاص من حكم الإخوان المسلمين، وإدانة ممارساتهم الإرهابية، وأن تنتقد ممارساتها السابقة ومواقفها المؤيدة للجماعة بعد 30/يونيو، وذلك حرصاً منها على احترام عمق الروابط الوطنية والقومية التاريخية والمستقبلية بين شعبينا، وحرصاً منها على وقف كافة أشكال التحريض الإعلامي والمعاملة السيئة لأبناء شعبنا.

وفي هذا السياق فإن على حركة حماس أن تدرك دلالات ونتائج وتداعيات الانتفاضة الشعبية العارمة في 30/ يونيو التي بددت أوهام الشعور بالقوة والسيطرة الطويلة الأمد لجماعة الاخوان المسلمين ليس في مصر فحسب، بل ستشتعل الانتفاضات الثورية الجماهيرية في تونس ومجمل أقطار الوطن العربي إلى جانب تركيا ، وذلك عبر تأثر هذه البلدان سياسيا واجتماعيا بدروس وعبر السقوط المدوي للإخوان المسلمين في مصر، عبر شرعية ثورية، لم يكن ممكناً التصدي لها بما يسمى بشرعية الصندوق أو الديمقراطية الشكلية الهشة، التي لا تستند إلى ميثاق أو عقد اجتماعي مدني وديمقراطي يلتزم بمصالح الأغلبية الساحقة في تطلعها صوب التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وفصل الدين عن الدولة، بما يضمن تحقيق الوحدة العضوية لوجهي الديمقراطية ، السياسي والاجتماعي معا، وتكريسها في خدمة الهوية والدولة الوطنية الديمقراطية تمهيدا لبلورة الهوية القومية الديمقراطية العربية كهوية مستقبلية وإطارا سياسيا أو اجتماعيا موحداً.

لذلك، فقد آن الأوان لكي تدرك جميع حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي، خطيئة منطلقاتها الايدولوجية الدينية السلفية المنغلقة، وأوهام الحديث عن ما يسمى بـ"الأمة الإسلامية" أو "الخلافة الإسلامية" والنعرات المذهبية والطائفية المدمرة لتطلعات شعوبنا ومستقبلها، الأمر الذي يفرض عليها مراجعة منطلقاتها الفكرية وخطابها وسياساتها بصورة نقدية جذرية، تنطلق من رحابة الاستنارة العقلانية والحداثة ، بعيدا عن كل اشكال ومظاهر التعصب الديني وشعاراته النقيضة لروح عصرنا ومستقبل شعوبنا ومجتمعاتنا.

وفي كل الأحوال فإن المطلوب من حركة حماس مواجهة الأمر الواقع الجديد في مصر بعد سقوط جماعة الاخوان المسلمين، وهذا يقتضي منها سؤالاً صريحاً لذاتها بعيداً عن أوهام القوة والاستعلاء والتفرد، التي لم تعد قائمة أو مجدية لدى الفرع طالما سقط الأصل، والسؤال هو : ماذا عن مستقبل حركة حماس؟ هل ستبقى مصرة على الانقسام في "امارة غزة" ؟ أم أنها يجب أن تبادر إلى التقاط دروس وعبر اللحظة الراهنة، لكي تخطو خطوات جدية وعاجلة صوب انهاء الانقسام وفق وثائق الوفاق الوطني الفلسطيني ، قبل أن يُفرض عليها بالاكراه شكلا خارجيا من المصالحة يتعامل معها كفريق مهزوم، أو أن يُفَرَض عليها وعلي قيادتها وكوادرها حصاراً سياسياً واقتصادياً وجغرافياً يؤدي إلى مراكمة العديد من العقبات والتعقيدات التي لن تستطيع حركة حماس تجاوزها بسهولة.

وفي هذا السياق، اعتقد أن سياسة النظام المصري الانتقالي الحالي، ستأتي استمراراً لسياسة نظام حسني مبارك ، على الرغم من الاختلاف في الشكل لا المضمون، حيث سيبقى ، محافظاً على دور مصر السياسي تجاه القضية الفلسطينية ، وحرصه على ابقائها على سكة التسوية، على قاعدة الاتفاقيات الموقعة بين المنظمة "وإسرائيل"، وبذات الرعاية والمرجعية الأمريكية ، وفي المقابل، بات من الواضح أن قيادة المنظمة والسلطة وحركة فتح والرئيس أبو مازن، رأت في التغيرات الأخيرة التي جرت في مصر بعد الحالة الثورية التي أسقطت حكم الإخوان المسلمين، فرصة كبيرة تصب في مصلحتها، وتزيد من رصيدها، وتشكل داعماً لها، في إطار المفاوضات العبثية المتجددة بإشراف وزير الخارجية الأمريكي التي تم الإعلان عنها صباح يوم السبت 20/يوليو/2013 وفق الشروط الأمريكية - الإسرائيلية وفق ما صاغته ما سمي "مبادرة السلام العربية"، أو أي صيغة أخرى تحفظ لها استمرار مصالحها الطبقية، واستمرار بقائها على رأس السلطة، ومن هنا "التقطت" القيادة ورئيسها أبو مازن مبادرة وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، حيث وجدت بها فرصة سانحة للخروج من مأزقها، وتجديد ذاتها ومصالحها، متجاوزة في ذلك كل ما وضعته من "شروط" للعودة للمفاوضات.

أما عن حركة حماس التي لا زالت تعيش تحت تأثير صدمة سقوط حكم الإخوان المسلمين، فهي تعيش الآن مأزقاً جدياً، يمس مرتكزات بنيتها ووجودها وسلطتها في قطاع غزة، فهي إما أن تستمر في رفض الوقائع التي أنتجتها الحالة الثورية المصرية، التي أدت لعزل مرسي، وإسدال الستار على حكم الإخوان هناك، أو أن تُكيف نفسها مع هذا الواقع الجديد حفاظاً على مصالحها واستمرار حكمها وسيطرتها في قطاع غزة!! ، دون إلغاء سيناريو العودة إلى المقاومة ضد "إسرائيل" الذي قد تلجأ حركة حماس إليه لوحدها أو بالتنسيق السري مع بعض التنظيمات الدينية في سيناء، التي لها امتدادات وفروع في قطاع غزة، لكن هذه المقاومة قد لا تجد تأييداً شعبياً ملموساً في القطاع ان لم تترك آثاراً سلبية .

على أي حال ، أعتقد أن حماس، وبوضوح تام، ليس أمامها ترف الاختيار، بل ستنظر لما جرى من باب مصالحها السياسية والتنظيمية والطبقية التي تلتقي فيها مع حركة فتح، وبالتالي مع النظام المصري، ما بعد الحالة الثورية، وستعمل مضطرة لتكييف نفسها مع هذا الواقع بعد خروجها من سوريا ومن قطر ومن السعودية والأردن ...إلخ ، خاصة إذا ما عرفنا أن قطاع غزة الذي لا يزيد تعداد سكانه كثيراً عن 1.6 مليون نسمة، فيه اليوم ما يزيد عن ألف مليونير بعضهم أعضاء في الحركة أو مريديها، إضافة إلى جهاز بيروقراطي ضخم يصل تعداده إلى أربعين ألف موظف يعتاشون من خلال سلطة حماس في غزة من جهة، وحكومة ووزراء وأعضاء تشريعي ومرافقين..الخ من جهة أخرى، وبالتالي ليس أمام الحركة سوى التكيف –وفق سياساتها البرجماتية التاريخية- مع الواقع الجديد.

كل ما سبق، وانطلاقاً من "براغماتية" حركة حماس المعروفة، في ضوء خيارها وقبولها عام 2006 الموافقة على أن تتولى قيادة حكومة السلطة الفلسطينية، وأن تكون طرفاً في سلطة الحكم الإداري الذاتي في حكومة غزة قبل وبعد الانقسام في 14/حزيران/2007، وارتباطاً بهذه التنازلات ، سنشهد ما يمكن أن نسميه "انحنائة" أو "قبول" بما جرى في مصر مؤخراً ، ونتائجه من على قاعدة الحفاظ على مصالحها وإبقاء سيطرتها وحكمها في قطاع غزة، وحفاظاً على ماء وجهها، ومنفذها الوحيد، في ظروف يبدو فيها أن المصالحة الفلسطينية ليست قريبة أو على أولويات جدول الرئيس أبو مازن، الذي سيعمل –مع حركة فتح وعدد من التنظيمات الأخرى- على اهمال حركة حماس في هذه المرحلة، إلى حين انضاج العلاقة مع "إسرائيل" وفق أوهام أبو مازن، ثم يبدأ في الإعلان عن الانتخابات للرئاسة والمجلس التشريعي والحكومة الجديدة ، حيث يبدو أن أبو مازن سيحرص –في ضوء الأوضاع المصرية الجديدة- على ألا يكون لحركة حماس أي أغلبية في المجلسين التشريعي والوطني، كما لن يوافق أن تتولى حماس رئاسة المجلس التشريعي ، ولن يكون لها أغلبية في أي حكومة فلسطينية قادمة، وبالتالي فإن حركة حماس قد تكون مضطرة للموافقة على الشروط المصرية الجديدة لرسم العلاقة معها من أجل استعادة الحد الأدنى من القنوات أو الجسور مع الحكم الجديد في مصر، في ظل ما يشن عليها من حملة اتهامات تطال الحركة من باب تدخلها في الشأن الداخلي المصري.

إن كل ذلك، سيفرض على حركة حماس مزيداً من الاقتراب –والذي بدأ فعلياً منذ فترة سابقة- من برنامج حركة فتح وقيادة المنظمة والسلطة، بحيث نجد شكلاً من التقاطع والتوافق بينهما، في الرؤية والطرح بالنسبة للقضية الفلسطينية التي لن تخرج عن الشروط والإملاءات الأمريكية – الإسرائيلية، حينها سيكون بقاء الانقسام من عدمه جزءاً من تلك الرؤية، آخذين بعين الاعتبار أن حركة حماس –إذا ما تأكد سقوط الإخوان المسلمين في مصر - لن تعود قوة رئيسية في المعادلة السياسية الفلسطينية والمصرية بعد 30 / يونيو، وستبدأ عوامل التراجع والضعف في بنيتها ووجودها وتأثيرها ، في مقابل تزايد "قوة" أبو مازن وحركة فتح السياسية مع النظام المصري الجديد الذي سيبارك بدوره عملية التفاوض العبثي والاستجابة للشروط الأمريكية والإسرائيلية فيما يسمى بـ"عملية السلام".

أخيراً ، إننا أمام مشهد ما بعد 30/حزيران ، الذي يحمل في طياته إمكانيات لإعادة تشكيل بلدان النظام العربي في إطار أوضاع جديدة من التبعية للسياسات الأمريكية والنظام الرأسمالي العالمي، بما في ذلك استمرار الاعتراف والتطبيع مع دولة العدو الصهيوني أو الدعوة لمهادنتها لآماد طويلة قادمة ، باسم الاعتدال السياسي وفي إطار الديمقراطية السياسية الشكلية أو الليبرالية الرثة ، بما يحقق مصالح القوى الطبقية الكومبرادورية والطفيلية والبيروقراطية العسكرية والمدنية، التي لم تتغير أحوالها ومصالحها على الرغم من سقوط رأس النظام في هذا البلد أو ذاك.

وبالتالي أتوقع مزيداً من الهبوط والتراجع لكل من الأهداف والثوابت الوطنية الفلسطينية ، وأهداف الثورة الوطنية الديمقراطية في مصر وبلدان الوطن العربي ، طالما ظل البديل الشعبي الديمقراطي اليساري ، الفلسطيني والعربي على هذه الحالة من الضعف والتفكك .
 

2013 / 7 / 23
 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 30-07-2013