في ذكرى انعقاد المؤتمر العربي الأول 1913: من يذكر النساء؟!- بقلم: د. فيحاء قاسم عبد الهادي

 

عبَّر د. "كلوفيس مقصود"؛ عن انتعاشه لانعقاد "ندوة: مئة عام من القومية العربية: تقييم نقدي وتصورات مستقبلية"، في باريس، يومي 4-5 حزيران 2013؛ قائلاً: "الشجاعة في نقد الحركة القومية العربية":
"كدت أستقيل من الأمل .. يجيء المؤتمر ليثري عودة الأمل، ويرسِّخ مسؤولية الكلمة. في خضم هذا الوضع العربي العام؛ تجيئون من أجل استقامة البوصلة. العروبة هي مواطنة، تتجاوز الأعراق والطائفيات والدين. يستقيم عندها البوصلة".

*****
كان إحساساً رائعاً ومهيباً؛ أن أشارك وشقيقتي "فادية" (ورقتها: القومية العربية لدى عوني عبد الهادي)؛ في الندوة، التي هدفت إلى إحياء الذكرى المئوية لانعقاد المؤتمر العربي الأول، في باريس: حزيران عام 1913، والذي مثلت ذكرى حركة المعارضة السياسية العربية النشطة، التي هدفت إلى إثارة الروح القومية، في مواجهة التعصب، والعنصرية، والتمييز، الذي مارسته الدولة العثمانية؛ ضد العرب ولغتهم ووجودهم القومي، والمطالبة باللامركزية والمشاركة السياسية.
قبل أن ابدأ مداخلتي: (المرأة في الفكر القومي العربي بين الدمج والإقصاء: المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية في الخمسينيات نموذجاً)؛ كان لا بد من التنويه بالمشاركة السياسية للنساء العربيات، منذ بداية القرن الماضي، ولا أدلّ على ذلك؛ من أن بعض النساء العربيات قد أبدين رأيهن في انعقاد المؤتمر العربي الأول، عام 1913؛ بواسطة إرسالهن برقية تأييد، ضمن البرقيات العديدة التي تلقتها لجنة المؤتمر، من مختلف البلاد العربية والأجنبية، وهن: "عنبرة سليم سلام"/ التي عرفت باسم: "عنبرة سلام الخالدي" (باحثة، ومترجمة، ومناضلة نسوية)، و"وداد محمصاني"/ التي عرفت باسم "وداد المحمصاني الدباغ" (كاتبة وأديبة وتربوية، ومناضلة نسوية)، و"شفيقة غريِّب".

*****
في الذكرى المئوية لانعقاد المؤتمر العربي الأول؛ ظللتنا روح عمي الغالي: "عوني عبد الهادي" (من مؤسسي جمعية العربية الفتاة، ومن منظمي المؤتمر، ورئيس حزب الاستقلال)، وأرواح: رئيس المؤتمر "عبد الحميد الزهراوي"، و"سليم سلام"، والشهيد "عبد الغني العريسي"، ورفاقهم، وأرواح الثوار الذين استشهدوا في سبيل الحرية، في القرن الواحد والعشرين: "شكري بلعيد"، و"خالد سعيد"، ورفاقهم.
كما ظللتنا أرواح الرائدات العربيات: "سيزا نبراوي"، و"هدى شعراوي"، و"طرب عبد الهادي"، والمناضلات العربيات: "سالي زهران"، و"أميرة شحادة"، و"صفية فرحات"، و"أمل محمود" ورفيقاتهن؛ ممن يواصلن كفاحهن ضد الاحتلال، والعنصرية، والاستبداد، ويطالبن بحقوقهن السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، ويهدفن إلى معانقة الحرية والأمان الإنساني.

*****
سجّل التاريخ المدوَّن، مشاركة المرأة الفلسطينية، ضمن التنظيمات القومية العربية، فترة الخمسينيات والستينيات، باقتضاب شديد؛ لكن التاريخ الشفوي، أضاف إلى التاريخ المدوَّن، وأغناه؛ ما أضاف مادة ثرية للبحث والتحليل، حول المرحلة السياسية.
انتظمت المرأة الفلسطينية، لأول مرة في تاريخ العمل السياسي الفلسطيني، ضمن تنظيمات سياسية عربية قومية، منذ أواخر الأربعينيات.
ومن الملاحظ أن النساء الفلسطينيات، اللواتي عملن ضمن الأحزاب العربية القومية، في تلك الفترة، هن نساء: "حزب البعث العربي الاشتراكي"، و"الحزب السوري القومي الاجتماعي"، ولاحقاً في منتصف الخمسينيات "حركة القوميين العرب".
وقد استدعى انخراط المرأة الفلسطينية، ضمن التنظيمات الحزبية العربية؛ دراسة هذا الدور، من خلال التاريخ الشفوي، الذي يجمع الروايات الشفوية المختلفة، ويقارنها بعضها ببعض، لإنصاف المرحلة.

*****
أشارت نتائج البحث إلى أن النساء قد ربطن بين انتسابهن إلى الأحزاب، وإيمانهن بالفكر القومي العربي، وفي القلب منه تحرير فلسطين.
ويظهر أثر الثورة المصرية عام 1952، في مصر، والوحدة العربية بين مصر وسورية، عام 1958؛ في تزايد اهتمام النساء في الفكر القومي.
كما ظهر أثر الثقافة القومية؛ في اعتناق العديد من النساء للفكر القومي؛ بعد ظهور مفكرين قوميين، أثروا المكتبة العربية بمؤلفاتهم، كما جذبت الشعارات العربية، التي تنبع من الواقع العربي الكثير من النساء، اللواتي أردن الارتباط بأحزاب، ليس لها امتداد أجنبي.
وكما أن شعارات الوحدة والعروبة، كانت الدافع الرئيس لالتحاق مجموعة كبيرة من النساء الفلسطينيات، بصفوف الأحزاب القومية؛ غادرت العديد من النساء هذه الأحزاب، بعد أن حادت عن المبادئ التي آمنَّ بها. وقد شكل فشل الوحدة بين مصر وسورية، عام 1961، عامل إحباط ويأس لهن.

*****
وتأتي شهادات النساء، اللواتي انتظمن في صفوف "حركة القوميين العرب"، منذ منتصف الخمسينيات، لتفسِّر سبب الالتفاف حول الفكر القومي، الذي مثلته "حركة القوميين العرب"، في مواجهة الفكر الشيوعي، الذي مثله "الحزب الشيوعي"، حيث يتبيَّن عامل آخر، ساهم في انحسار الفكر القومي، وهو التعصب الشديد، الذي رافق صعود هذا الفكر، والذي تلخص في نفي الآخر، وعدم القبول بالتنوع السياسي والحزبي، بالإضافة إلى أن شهادات النساء قد كشفت؛ أن أكثرهن لم يصل إلى مرتبة قيادية عليا، وأن الحركة، غالباً، لم تعتمد مبدأ الاختلاط في عملها التنظيمي، مع النساء؛ ومع ذلك فقد أبقت القيادة للرجال. أما موضوع إهمال البعد الاجتماعي، في الفكر القومي، وعدم طرح قضايا النساء، بشكل مستقل عن القضية السياسية، واستبعاد النساء من مواقع صنع القرار؛ فقد شكَل ثغرة كبيرة، في نمو هذا الفكر وفي ازدهاره، وفي التحاق النساء، ضمن هذه الأحزاب. كما أن الشهادات قد بيَّنت أن وجود النساء في أطر سياسية مشتركة مع الرجل، ووجودها في مراكز صنع القرار يمكن أن يساهما مساهمة فاعلة في تزايد التحاق النساء بالأحزاب القومية، وفي انتعاش الفكر القومي.
ويتَّضح من شهادات النساء، اللواتي انتظمن في صفوف الحركة، أن أكثرهن لم يصل إلى مرتبة قيادية عليا، وأن الحركة، غالباً، لم تعتمد مبدأ الاختلاط في عملها التنظيمي، مع النساء، ومع ذلك؛ أبقت القيادة للرجال.

*****
في وقفة تقييمية نقدية؛ ترصد الأبعاد الاجتماعية للحركة القومية؛ تبيَّن تأثير الفكر القومي العربي، على ازدياد المشاركة السياسية للنساء الفلسطينيات، ودمجهن داخل أحزاب سياسية قومية، كما تبيَّن أثر إقصاء النساء عن مواقع صنع القرار، في انحسار مشاركة النساء، ضمن هذه الأحزاب، وفي تراجع تأثير الفكر القومي العربي.
وأظهرت نتائج البحث أهمية المساهمة السياسية للمرأة، من موقع الشراكة، لا موقع التبعية؛ من أجل تجاوز المأزق المؤلم الذي تعيشه المجتمعات العربية، والحركات السياسية.

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 17-06-2013