بعد حافة استدخال الهزيمة -حلقة 6
المضمر في خطاب السيد: العودة إلى سوريا وتفكيك مفاصل الدولة القطرية - عادل سمارة

قلما أعتقد بأمور قطعية مسبقاً، ولكن القياس والتنبؤ العلمي أمر مباح وقيد قدرة بني البشر. على هذا أرى أن النصر آت وقد أخذت اناملنا تتحسس ملمسه الحريري وإن كان مخضبا بالدم. وتاج هذا النصر أن الكيان الصهيوني زائل رغم أن المدافعين عنه من تنويعات قوى الدين السياسي لم يتوقف تكاثرها بعد ولعلي أحسدها على هذا القدر من الإخلاص لأعداء الأمة بل الأمم.

المعاني المضمرة أرقى وأعمق وأفعل من اللغة المباشرة. في ظروف الصراع، حتى وهو صراع مفتوح يكون للمعاني المضمرة الفعل الأعمق والأشد. المعاني المضمرة تتجاوز استدخال الهزيمة وتبادىء وتُهاجم كما يفعل العاشق الحقيقي لله صوفياً وللمرأة كأنثى غير عادية.

معاني السيد واضحة ومضمرة، والمضمرة أعمق واشد. فهو قد وضع ما تسمى السيادة لأشباه الدول في مقامها الطبيعي الوضيع الحقيقي. فلا سيادة للدولة التابعة التي تقودها سفيرة الولايات المتحدة دولة دم الأمم وسفير السعودية دولة فكر ترقى عنه وحوش الغاب لأنها لا تأكل إلا وقد تضورت جوعاً. المعنى المضمر للسيد هو تفكيك مفاصل الدولة القُطرية بدءا من لبنان. (هذا عنوان كتاب لي صدر قبل أربع سنوات). وكم أنا سعيد بأن السيد يفعل ما قلت واحببت. فالدولة القطرية هالوكا (الهالوك نبات يقف منتصبا إلى جانب جذع نبتة البنادورة فيقتلها- شكله يوحي بمخيال الجنس لدى مجاهدي النكاح) موقف حزب الله يعني بوضوح عودة نصف لبنان إلى اصله السوري بلا مواربة، وهذا ما لا يجب أن تكون هناك رجعة عنه، وهذا قرار وليس استفتاء، فلا معنى لاستفتاء شعب على تجزئة وطنه، مثلا كاستفتاء اوسلو على ثلاثة ارباع فلسطين. نعم فالدولة القطرية نمط من الاحتلال. وإذا كان هذا كشفاً لتهافت الرئيس الحالي، فهو تواصل مع موقف الرئيس السابق إميل لحود سواء كرئيس أو قائدا للجيش قبلها. فالذي حرر جنوب لبنان وحمى ثروته وشرفه وأرضه هو المقاومة التي دعمتها سوريا، فمن حق سوريا أن تكافىء باستعادة أرضها.

لا يدخل مقاتلو حزب الله في الدفاع عن سوريا كما دخلت المجموعات الرثة الرعاع السوقة والعوام! بل يدخلون أُصلاء إلى بلدهم. هم يبقوا هناك، أما مرتزقة العالم وبائعو انفسهم بالمال فسيموتون هناك لأن من أرسلهم سوف يطيل الحرب حتى لو فقط من أجل موتهم.

من المعاني المضمرة لحديث السيد أنه ذكر السعودية ألف مرة دون اسمها، ربما لأنه يعلم أن واشنطن بصدد استخدام السعودية للتهدئة بعد أن قررت التضحية بأمير قطر الذي لم يخرج عن طوعها، لكنها عهدت له باقذر المهام، ولم يكن أمامه سوى أن يفعل منذ طرد ابيه وحتى تخريب سوريا. ذلك بعد أن تاكدت واشنطن، أن هذا الذي ربته ليوم جاء الآن "هو....العيد" وبأن النفخ الهائل لقطر منذ أن فتحت علاقات مع العراق ايام الرئيس صدام حسين بعكس بقية الأنظمة العربية لم يكن ذلك مبادرة طيبة وقومية منها بل كانت محاولة لنفخ قطر لدور خائن ولتقليم أظافر آل سعود، أو ضربة تحت الخاصرة.

نلاحظ وخلال الأزمة السورية كلها أن من يتحدث هم قادة المعسكرين المتصارعين بينما أغلبية التوابع بين صامت أو مثرثر أو متآمر.
· في معسكر الشرف والكرامة يتحدث الرئيس الأسد، وحسن نصر الله وبوتين ولافروف ونجاد
· وفي معسكر العدو، الثورة المضادة، يتحدث أوباما وكيري ونتنياهو وفابيوس.

أما بقية الأعراب وخاصة الأمراء والملوك والرؤساء...الخ فيتهامسون ويتآمرون فرادى ومن خلال الجامعة العربية. فهل من درس في هذا غير توضيح معنى التبعية؟ أما الذي ابتلع لسانه بعد أن عوى ثم اقعى فكان أردوغان الذي طالما ثرثر عن رحيل الأسد، فرحل حمد وهو نفسه يتارجح، هذا رغم وجود "الأسد المتأهب" في عمان. هل هو الأسد المتأهب أم المتردد أم المتأهب للهرب؟

وحتى في الميدان يتحدث قادة الجيش السوري ويتحدث شهداء حزب الله، وفي المقابل يتحدث قادة الإرهاب بما يتضح أنه كذب بعد ساعات، ويتفاخرون بجهاد النكاح وقتل الأطفال نحراً. هل يتذكر القارىء والمستمع العربي متى سمع عن الذبح العلني في العصر الحديث ولأول مرة وبفخر؟ إنه يوم مذبحة دير ياسين في فلسطين. ألا نلاحظ الحبل السًرِّي بين قرية حطلة السورية ودير ياسين؟

كل دولة قُطرية خُلقت اصطناعا لتعيش بدورها، وخاصة الأردن. وهذه مصيبة على العرب الأردنيين. هذه الدولة لا يمكن لها العيش إلا بكونها قاعدة ضد الأمة العربية. منذ المشاركة مع الإنجليز في سحق ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق 1941 إلى سحب الجيش الأردني رغماً عنه من اللد والرملة 1948 إلى المشاركة في ذبح ثورة ظفار إلى جانب الإنجليز وشاه إيران وسلطان عمان 1973 إلى جانب الكثير الكثير واليوم تُستباح ارض الأردن لجيوش الولايات المتحدة و 17 عدو آخر في مشروع عدواني ضد سوريا قد لا يكون أقله منطقة عازلة. فهل من معنى للدولة القطرية بعد؟

هذا الصراع على سوريا هو صراع على الوطن العربي باسره، وحتى على إيران. وهو صراع يجب ان نكسبه لا تردد قط. وهذا يتطب حربا في مختلف المستويات والمجالات. وأخصها الحرب على الاعتراف بالكيان الصهيوني والحرب على التطبيع والحرب على من لا يقاطع منتجات الثورة المضادة وليس الكيان وحده. أليس من العار أن نسمع الولايات المتحدة تتحدث عن حصار سوريا وتقديم تسهيلات تجارية لمن يحتلون بقعاً فيها؟ بينما مئات ملايين العرب تاكل منتجات الأعداء كما تفعل القطعان! قد يستاء البعض من هذا. ربما، ولكن أليس هذا صحيحاً؟ وهل الإخلاص للجماهير بالكذب عليها ام بكي الوعي؟

لفتني حديث السيد عن مسجد الخليفة الفاروق. ولدي هنا ملاحظتان:
· من قال ان الفاروق لم يكن ليحب الحسين؟ والفاروق كان عادلاً وكان أشجع من دافع عن الرسول. ألم يُعلن إسلامه متحديا قريش كلها (الدولة العظمى آنذاك). ألم يقل: " من أراد أن تثكله امه فليتبعني إلى بطن ذلك الوادي". وأليس هو من قال فيه صاحب كسرى : "عدلت فأمنت فنمت". في هذا قال خليل مطران، ومطران عربي لا شيعي ولا سني:

قد راع صاحب كسرى أن رأى عمراً...بين الرعية عُطلاً وهو راعيها
أمنت لمَّا اقمت العدل بينهمُ...فنمت نوم قرير العين هانيها

هل يجرؤ قادة السنة وحتى مشايخهم أن يتحركوا سوى في الطائرات؟ ألا يعيش سعد الحريري في كل مكان غير في لبنان؟ ثم لماذا مسجد عمر في القدس هكذا فقيرا ومهملاً. أليست تكاليف ليلة مع غانية لأمير سعودي كافية ألف مرة للعناية به؟ أم ان بندقية لقاتل وهابي أحق عندهم من مسجد الفاروق.

ليس حزب الله هو الذي يرتعد من طرد المواطنين اللبنانيين العاملين في أسوا اماكن العمل في العالم، في كيانات النفط، حيث لا حقوق لأحد ولا حتى لله، سوى للأمريكي وتابعيه من الحكام. والمضمر في حديث السيد هو أن ضحايا عنصرية حكم الخليج لن يكونوا من حزب الله أو جمهوره بل من جمهور 14 آذار بشقيه الديني والمذهبي، فليدافع هؤلاء عن تابعيهم المساكين.

لعل من أرقى دروس تجربة حزب الله الذي يتحدى الدول العظمى عالمياً والقوية إقليميا –الكيان الصهيوني- وتوابعهما العرب. ولعل في هذا درسا موجها لكل عربي من المواطن العادي حتى الحاكم المستبد، بأن من يأخذ بالاعتبار غضب هذا ومنافع ذاك، لا يمكن ان يخدم وطنه!

عملت لأسبوعين في جريدة اسبوعية في القدس في بداية الثمانينات وكتبت نقدا حينها لأحد الأنظمة العربية. جلس إلي صاحب الجريدة وقال: "تعرف يا اخي نحن لا نهاجم البلد العربي كذا لأن الوالد يزوره، والبلد كذا يشرب عندهم فنجان قهوة، والبلد كذا نمر منه...الخ"، قلت إذن يا صديقي ليس أمامي سوى نقد الصومال لأنه لا يوجد بها "مص أُصبع" خذ استقالتي". ومضيت.

لم يتحدث السيد عن حماس ربما تأدباً، أو أملا في عودة علاقة ما، أو ربما وهذا الأصح لأنه حريص على علاقة ما من أجل تسليح غزة، ولكنني أكاد أجزم بأن جناح الاستسلام والمال هو الأقوى، وماذا يضير هذا الجناح حين تتحول غزة إلى أمارة مال وغاز وهابية.

بقي أن نقولن بأنه بعد مغادرة حافة استدخال الهزيمة كل شيء يتحول بل يتغير.

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 17-06-2013