خربشات على جدار الفيسبوك - محمد كناعنه- أبو أسعد

"على فكرة أنا مشتاقلك كثير" يكتب صديق لصديقتِهِ على الفيس بوك ويقرأ العالم أجمع ويبدأَُ العقل الذكوري لدى الشباب والصبايا بالتحليل والتأويل وهنا بالامكان الخروج عن النص، وليسَ عندَ هذا الحَدّ تقفُ مهاترات تكنولوجيا المعلومات القادمة على أجنحة السُرعة الضوئية، فمنها ما يُسعفنا الوقت للتعرّف عليه ومنها ما يتجاوزنا، ومنها ما يُغرقنا، قِناعاً شفافاً لا شيءَ يخفيه إلاّ جهلنا، أَو أَننا نقنع أنفُسنا أّنَّ لا أّحد يرانا من خلف شاشة الحاسوب ما بَعد منتصَف الليل أو في عزِّ الظُهر، في الحمّام في غُرفة النوم، في المكتب أو على شاطئ البحر.

أَصدقاء الفيسبوك هم أحياناً في عالم "الصداقة الحقيقية"، قبل أيام صادفني شاب عربي في مدينة يهودية، جاءَ إليّ حيثُ جلستُ مع شخص آخر في جلسة عمل على أمل أنّ لا أحد يعرفنا هناك، سلّم عليَّ بحرارة وبدا عليَّ الاستغراب فقالَ لي:- " نحنُ أصدقاء على الفيس بوك" إبتسمتُ وغادرَ والابتسامة تُشير إلى "حلاوة" اللقاء الأول، وحصل الأمر في ذات الجلسة أكثر من مَرّة معي ومع صديقي، وهذا ليسَ لأننا شخصيات معروفة على المستوى الشعبي فقط وإنما بدافع أن الصداقة على الفيس هي نوع من أنواع الروابط الاجتماعية الوهمية القابلة للتحوّل إلى حقيقة شئتَ أم أبيت ذلك.

الفيسبوك تحوّل إلى وسيلة التواصل الأولى والأقوى بينَ الناس، ولكنّها حتماً لا تُغني عن صِلة الرحم مثلاً، أَو عَن صلة الدم والروح وغُبار المعارك وجنون المقاومة وتلاوين العَبثِ بالحجارةِ أَو بالحناجر ورسم المعاني في زوايا الأماكن، كما يفعلُ الشباب (إناثاً وذكوراً) في حراكات هذا الوطن، من يافا العروس إلى عكا السور، من عرابه، القرية التي تبحثُ عن ذاتها إلى النبي صالح الملتهبة في صدِّ جدار الموت الكبير.

في ذكرى النكبة، على أرصفة البلدة القديمة، بينَ باب العامود وبوابات الأقصى كانَ جَمعٌ يتحرّك بسُرعة القادم إلى الصلاة حاضراً، صبايا وشباب، من أسماءِ ما تبقى من قرى وما يُسمى بالمدن في الداخل الفلسطيني، وبعدَ عناءِ السير المُترقّب لأَي تصادم مع جُند الاحتلال، والانفاس تُلتَقط عُنوةً ولكن برضى وطمأنينة.. فجأة قالَ لي رفيقي جهاد العبد الله: "على فكرة رفيق أبو أسعد، نَسيت أن أعرّفكَ على الصبايا، هذه سمر عزايزة وهذه روان خليلية" فقلتُ بعدَ التحيّة: "طبعاً نحنُ أَصدقاء على الفيس بوك".

على سيرة سَمر عزايزه، والتي لا أعرف إنتماءها الحزبي ولكن يكفيني أنني شاهدتُها في أَزقة القُدس في يوم النكبة، لتؤكد المؤكد في عروبة المدينة وتتدافع بينَ الجنود وخيّالة الاحتلال مع صبايا وشباب من جيلٍ غاضبٍ لا يُساوم ولكنّهُ حتماً يقاوم . قبل أيام قرأتُ "ستاتوس" على ظهر صفحتها من على متن وجه كتاب التواصل الاجتماعي، على إثرِ "مؤتمر مناهضة الخدمة المدنية" نقداً أو تعليقاً على تصريحات أَطلقها عضو الكنيست الاسرائيلي د. جمال زحالقة عن "التجمع" ويقول: "من يعمل خدمة مرتبة يجب أَن ينبذ إجتماعياً" ويضيف:- " والبنت إلي بتخدم مش لازم حَدا يقبل يتجوزها".. وكان رَفض الناشطة الشبابية عزايزه من منطلقات نَسويّة ورأت في تصريحات زحالقة ترسيخ لثقافة ذكورية، وجهة نَظر.

إستَفزّتْني التعليقات من قبل جماعةِ زحالقة، والدفاع عن "نَسويّة" جمال، وشدّتني جُرأة النقد في طرح الموضوع من قبل ناشطة شبابية، أنا لستُ نسوياً، ولا أعرف معنى الذكورية، وأُومن أن الانسان موقف، وكذا الرُجولة، وأدركُ جيداً أنّها ليست زلّة لسان، مقولة زحالقة تلك، وأعلم جيداً أَنّ مؤتمراً بهذا الموقف كانَ فاشلاً، وأقولُ قولي هذا بعدَ أَن مَنَّ عليَّ ربَ العالمين بنعمةِ عدم المشاركة لعدم دَعوتي إلى هُناك رغمَ أنني من المؤسّسين للجنة مقاومة الخدمة العسكرية بكل أشكالها مع فضيلة الشيخ رائد صلاح وغبطة البطريرك عطالله حنّا والاخ إحسان مراد وهذان الأخيران لم يتم دعوتهما، وخلل الدعوة ليس عندَ المتابعة وحدها، وكانَ الأجدى برفيقنا ومندوب أبناء البلد رجا إغبارية أن يقوم بذلك، ولا حَرج. ولا ننسى أن نشدّ على أَيادي الصبايا والشباب وكل الناشطين في هذا المجال على جُهدهم المتواصل، ولكن حتماً زيادة نسبة الخدمة المدنية والعسكرية كما تقول التقارير تعني الفشل، وجود جواسيس في "قيادة" الهيئات الوطنية العليا يعني الفشل، وجود تعاون وتعامل من قبل مؤسسات اهلية مع مؤسسات إسرائيلية وأجنبية داعمة للتجنيد المدني والعسكري أليسَ فشلاً...

أَن تزور قيادة التجمع الوطني مقاول أصوات في مدينة سخنين مثلاً لا حصراً، وهو من أقطاب حزب العمل الصهيوني تاريخياً، ويحصل منهم عل ما حصل مقابل حفنة أصوات للكنيست، هل يقارن هذا بالبنت التي تخدم في الخدمة المدنية لتجد لها قسطاً تعليمياً، وهذا ليسَ تبريراً، ولكن... عذراً من أَصدقائي في قيادة التجمّع فرع سخنين لأنّني لم أحفظ ال "سر".

وأخيراً نسأل : من يُقسم/ تُقسم يمين الولاء لدولة اليهود ماذا نقول لَهُ؟. سؤال من باب المُزاودة لا أَكثر ولا أَقل، وعُذراً على ثقلِ المعنى!.

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 19-06-2013