الباعة: الأمن قبل الرغيف.. ومطلبنا تنظيمه من الفوضى
سوق الخضار في عين الحلوة: مصدر للرزق والتلاقي وتبادل المعاناة


 سوق الخضار وسط مخيم عين الحلوة - ثريا حسن زعيتر:

 

على مساحة أقل من كيلومترين مربعين فقط، تضيق على أكثر من 100 ألف نسمة.. يعيش أبناء مخيم عين الحلوة، الحياة بحلوها ومرّها، يرسمون بآمالهم وأحلامهم نبض المقاومة وإرادة الصمود...

وبالرغم من كل العواصف التي مرت بهم منذ نكبة فلسطين في العام 1948 إلى اليوم، ما زال المخيم مكاناً للتلاقي والمحبة والتجاور، يختصره سوقه الشعبي المعروف بـ «سوق الخضار»، الذي يعتبر نبض الشارع في الأمن والمشاكل، والتوتر والاستقرار، وفيه مصدر الرزق وتبادل الأحاديث والشكوى من المعاناة التي يزيدها انعدام فرص العمل، وارتفاع البطالة، والأوضاع الاقتصادية الصعبة، والغلاء الفاحش، وفوق كل ذلك حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المدنية والاجتماعية والإنسانية...

بين أحياء المخيم وأزقته، يمتد السوق على حاله منذ سنوات بعيدة - قبل نحو 55 عاماً، فأصبح يصغر حجمه وتضيق مساحته على من فيه، نظراً للاكتظاظ السكاني، فالسوق هو امتداد لمداخل أساسية لأحياء صفورية والمنشية وعمقة والسميرية، وفيه يشكو الناس معاناتهم اليومية، ويلتقون لتبادل آخر المستجدات وطرح أوضاع مخيمهم. وفيه يُمكن للمرء أن يستنتج مدى الانسجام القائم بين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، متجاوزين كل الخلافات، على قاعدة «أن «السوق للجميع... وفيه يلتقي الجميع»...
«لـواء صيدا والجنوب» جال في سوق مخيم عين الحلوة، واستمع إلى شكاوى أبنائه واطلع على ظروف عيشهم ومعاناتهم...

شريان الاقتصاد

يُعتبر سوق الخضار في مخيم عين الحلوة، الشريان الرئيسي لدورة الاقتصاد، فهو يقع في منتصف المخيم، ويمتد من وسط الشارع التحتاني صعوداً إلى وسط الشارع الفوقاني، بطول 400 متر وعرض 3 أمتار، وكان قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران من العام 1982 مُنظماً جداً، ولم يكن يُلاحظ أحد وجود عربات للخضار وسط الطريق، أو امتداد للبسطات من اليمين واليسار، كما هو حاصل في هذه الأيام.

والسوق هو مقصد لأهالي المخيم ومناطق الجوار: صيدا، درب السيم، مغدوشة والغازية، وتتعزز هذه الحركة بشكل كثيف أو تتراجع وفقاً للأوضاع الأمنية في المخيم، أو للإجراءات العسكرية المُتخذة تشديداً أو تخفيفاً على مداخله، مما ينعكس سلباً أو إيجاباً على البائعين في السوق، الذي يقصده الناس من غير أبناء المخيم لرخص الأسعار وتدنيها قياساً على ارتفاع الأسعار التي تباع بها ذات الأغراض والحاجيات من الخضار والفاكهة خارج المخيم.

وفي السوق يعلو ضجيج الباعة، كل ينادي على بضاعته: بقدونس.. نعنع.. بصل.. بندورة.. خيار.. سمك.. وثياب من مختلف الماركات التركية والسورية والصينية والوطنية، إضافة إلى محلات الأدوات المنزلية، والسمانة وأخرى اشتهرت بتصنيع البرادي، وكلها تقريباً بأسعار زهيدة يقوم بها سوريون، إلى محلات الأحذية التي يشتهر بها المصريون.

وسط الضجيج يقلب إبراهيم عباس بضاعة، يريد أن يشتريها كعادته كل يوم، ويقول: إن سوق الخضار يُشكل حالة استثنائية، فهو أرخص من باقي المناطق في المدينة، وهو قريب من جميع أحياء المخيم، لكن المشكلة الرئيسية التي يتأثر بها، هي الناحية الأمنية، عند وقوع أي اشتباك يخاف الناس من الجوار ولا يعودون يقصدونه، فالهاجس الأمني أثر سلباً عليه بسبب المشاكل - التي نحن بغنى عنها - لكن هذا أمر واقع، وهو يضر بمصلحة المخيم والأمن قبل رغيف الخبز، عندما يكون هناك أمن تكون دورة الاقتصاد ناشطة وحركة البيع والشراء رائجة.

ويضيف: نطالب بالأمن أولاً.. ثم الأمن أولاً وأخيراً، ونحن نعمل مع القوى الفلسطينية الوطنية والإسلامية على تحصينه، وهناك تجاوب من كل الأطراف، وإن كان ضعيفاً، ونأمل عدم حصول أي مشكلة كي لا تتكرر الإشكالات.

مفارقة وتأجير

في السوق، يجد المرء كل ما يطلب، فالمنطقة شعبية، لكن الجميع يشكو من الفوضى إذ أن زحف «البسطات» من داخل المحلات إلى خارجها، جعلها تُضيق مساحة الشارع عرضاً، وهو لا يتجاوز في الأساس 3 أمتار، وفي أيام الآحاد والعطل لا يستطيع الإنسان التخلص من الحشود والمرور بسهولة، إضافة إلى الروائح التي تنبعث من السمك والدجاج واللحمة وغيرها... لكن المفارقة أن جميع الذين يمتلكون محالاً تجارية في السوق يشتكون من قلة البيع، والعديد منهم، قام بتأجير محاله للسوريين، بمبالغ تتراوح ما بين 300 و400 دولار أميركي في الشهر الواحد، حيث وصلت نسبة المستأجرين منهم إلى 80%.

وينهمك السوري عبد الرؤوف العصفور، الذي وفد إلى المخيم منذ خمسة أشهر بتحضير الفول والحمص للزبائن بعدما استأجر منزلاً ومحلاً بـ 600 دولار أميركي، والذي يعيش معاناة فوق معاناة الناس اليومية في المخيم، اذ بالكاد يستطيع أن يُؤمّن قوت يومه من بيع الفلافل والفول والحمص، حيث لا يتجاوز سعر الصحن الواحد ألف ليرة لبنانية، ويقول: «لقد استأجرت المحل وغرفتين بـ 600 دولار أميركي، وأسعى كل اليوم من أجل تأمين المال. هناك اقبال على بيع الفول والحمص ولكن الأمر في الفترة الأخيرة بات مرتبطاً بالأوضاع الأمنية، عندما تحصل مشاكل نقفل المحل أياماً عدة، إلى أن يعود الوضع الأمني إلى طبيعته، حتى نعود ونعمل كالمعتاد.

يتابع: كل شيء في لبنان غالٍ، ويحتاج الإنسان إلى أكثر من ألف دولار كي يعيش شهراً بكامله، فيما الإنتاج ضعيف، ونعيش كل يوم بيومه، بالرغم من إننا لا نجد موطىء قدم في السوق، فهذا أمر جيد، وأعتقد أن الاهتمام بالسوق، وتنظيم حركة المشاة فيه، وتخفيف الزحمة، أو تنظيمها، يُساهم بشكل كبير في زيادة الحركة، لأن الحركة بركة وتجلب المال.

مظاهر سلبية

بالرغم من صورة الحياة، إلا أن مظاهر عديدة سلبية تبقى موجودة وبحاجة إلى معالجة، في طليعتها: حالة الازدحام الشديد، وإعادة تنظيم السوق، تنظيم «بسطات» أصحاب المحال، بحيث لا تمتد إلى خارج المحل لمسافة متر أو مترين، من كلتي الجهتين مما يُعيق حركة المارة ويزيد من الازدحام، والاستقرار الأمني، وهو عامل يُساهم في ازدهار الحركة التجارية والاقتصادية.

وسط السوق يجلس سليمان نصر (صاحب محل إكسسوارات ومناديل) مُنتظراً الزبائن ليسترزق في يومه، ويقول: منذ 19 عاماً وأنا هنا في السوق، لكن هناك فرقاً كبيراً جداً من النواحي الأمنية والاقتصادية، كل لبنان يتأثر بالوضع الأمني، وأي طلقة رصاص تُؤثر على حركة السوق، من طرابلس حتى الجنوب، الناس خائفة، وتقول القادم أصعب، والوضع حالياً منذ أسابيع هادئ، وهو متأرجح ويؤثر سلباً وإيجاباً، وأي حدث أمني يُؤثر علينا، الرخص موجود، لكن الناس لم تعد تأتي كما في السابق، لا يوجد أشغال، والبطالة تزداد، والسيولة انخفضت، فنتمنى أن يعم الهدوء والأمن لبنان، خصوصاً مخيم عين الحلوة، وفي النهاية كلنا إخوة، وكنا نتنظر عادة قدوم المسافرين من الخليج العربي، لتنشيط الدورة الاقتصادية وضخ السيولة في المخيم، لكن يبدو أن هذا العام لن يأتوا بسبب الوضع الأمني.

روح الحياة

ويصف محمود حيدري (أحد التجار الفلسطينيين الذين كان والده من أوائل الذين فتحوا محلات في السوق قبل 55 عاماً)، يقول: إن الحالة الاقتصادية ضيقة على الجميع والأشغال قليلة، والبطالة كبيرة وتؤثر على الحركة الاقتصادية لأن الأوضاع الأمنية والاقتصادية مرتبطة ببعضها البعض.

ويضيف: لقد كان أبناء صيدا والجوار يقصدوننا من الخارج، لأننا نبيع أرخص، أما اليوم فقد تراجع عدد القاصدين أكثر من 90% عن السابق، وقد خفت حركة البيع كثيراً وأصبحت أقل من 50% بسبب الوضع الأمني أولاً ثم الطرقات، والازدحام، إضافة إلى تسهيل عملية الدخول الى المخيم أو التشديد على الحواجز العسكرية، وكلها عوائق تؤدي إلى الركود وترتد علينا سلباً، لقد تحدثنا مع القوى الفلسطينية الفاعلة لتحصين الأوضاع الأمنية في المخيم لأنها تلعب دورها في تنشيط البيع والشراء، ونطالب بتخفيف الإجراءات، ويجب أن تقوم بواجبها ومعالجة أي مشاكل فردية حتى لا تصبح تنظيمية وتوثر على المخيم والجوار.

ويختم حيدري: بالرغم من إنني أحمل جنسية أجنبية إلا أنني أفضّل العيش في المخيم وأجد في هذا السوق نفسي وروح الحياة وتألف الناس ومحبتهم وخوفهم على بعضهم البعض لأنهم ما زالوا يُحافظون على العادات والتقاليد الأسرية بعكس الآخرين.

 

المصدر: اللواء

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 19-06-2013