السيطرة على أجسادهن باسم الدين - ريتا فرج
 

يعتقد بعض الباحثين الغربيين المهتمين في دراسة الظاهرة الدينية، خصوصاً قضايا الجندر، أن الإسلام دين أبوي معادٍ للنساء، وأن الآيات القرآنية كرست نمطاً ذكورياً قدسياً حال دون المساواة بين المرأة والرجل، علماً أن القراءة الحديثة المتعدّدة المناهج تفضي الى إرساء تأويل مساواتي قادرٍ على تجاوز الخلاصات التي خرج بها الفقه التقليدي.

ليست السلفية الإسلامية المتشددة المناهضة للنساء المسلمات وحقوقهن في المجالين الخاص والعام حكراً على الإسلام، إذ إن الأصوليين اليهود أي «الحريديم» يمثلون الاتجاه الذكوري/ البطركي الذي لا يقل عنفاً تجاه المرأة عن السلفيين.
ولعل العودة الى أسطورة الخلق كما أوردها العهد القديم تبرهن عن حجم العنف الديني تجاه المرأة اليهودية الذي حملها وزر الخطيئة، ما دفع حاخاماً يهودياً الى تعداد تسع لعنات على المرأة بسبب السقوط من الفردوس «الطمث ودم العذرية وتعب الحمل والولادة وتربية الأطفال وتغطية رأسها، كأنها في حداد وتٌخرم أذنها مثل الجارية ولا يؤخذ بشهادتها، وبعد كل هذا، الموت». وحتى الآن يردد اليهود الأرثوذكس في صلاتهم هذا الدعاء «نحمد الله أننا لم نخلق نساءً... والحمد لله أنه لم يخلقني وثنياً ولم يخلقني امرأة».

يذكر ليونارد سويدلر في كتابه «Women in Judaism» أن المرأة الحائض كانت تُنفى أحياناً لتجنب التعامل معها الى بيت يُسمّى «بيت الدناسة» طوال فترة الحيض، كما أن العهد القديم اعتبر المرأة الحائض مدنسة وتدنس كل ما حولها (لاويين: 19- 23).

يرتبط «دم الحائض» بالدنس عند الديانات التوحيدية كافة، وقد منعت الكنائس المسيحية في الماضي على المرأة الحائض دخول الهيكل والمناولة لأنها في وضع نجس (أنظر: الخوري، فؤاد اسحق: ايديولوجيا الجسد، رموزية الطهارة والنجاسة) كما ذهبت بعض المعتقدات المسيحية في الغرب الى حدّ اعتبار أن دم الحيض يجلب الشر ويقضي على المحاصيل الزراعية، ويجفف منابع الماء، وهذه معتقدات عملت الكنيسة المسيحية في العصور الوسطى على نشرها وتكريسها وتبريرها دينياً.

في الإسلام حرّم بعض الفقهاء على الحائض مسّ المصحف، وأجازوا لها أن تقرأ القرآن عن ظهر قلب، كما حرموا عليها دخول المسجد (البعض أجاز دخول الحائض المسجد مروراً وعبوراً) «فلا يُقبل منها الصوم والصلاة أيام الحيض ولكن عليها أن تقضي ما فاتها من صوم رمضان دون ما فاتها من الصلاة»، لكن بعض الأئمة أجازوا دخول الحائض الى المسجد ومن بين هؤلاء الإمام الألباني.

ليس النقاب ظاهرة إسلامية فحسب؛ النساء اليهوديات ارتدين النقاب وقد ورد ذكره في سفر التكوين (الفصل الرابع والعشرون: 64 65) {ورَفَعَت رِفقَةُ طرفها فرَأَت إِسحق فنزلت عنِ الجَمَل، وقالَت لِلعبد: مَن هذا الرَّجُلُ الماشي في الصحراء لِلِقائِنا؟ فقال العبد: هو مولاي. فأَخَذَتِ النقاب واستترت به}. كانت المرأة اليهودية تخرج من منزلها واضعة غطاء على رأسها والذي كان أحياناً يُغطي الوجه بأكمله ما عدا عيناً واحدة. أما عند السلفيين الذين يستمدون خطابهم من المذهب الحنبلي الأكثر تشدداً، اعتبروا أن المرأة كلها عورة حتى الظفر، وبعضهم أباح كشف الوجه والكفين لمشقة تغطيتهما.

وعلى الرغم من اندثار النقاب في المجتمع اليهودي في الأزمنة الراهنة صدرت فتوى دينية العام 2010 عن الأصوليين اليهود، تُلزم النساء الإسرائيليات بارتداء النقاب وعباءة واسعة لإخفاء كل أجزاء الجسد، وكان لافتاً انتشار أعداد النساء المنقبات في اسرائيل التي يتفاقم فيها التيار الديني المتشدد، وهؤلاء النسوة أطلق عليهن «نساء طالبان».

لم تتوقف القضية عند فرض النقاب، اليهود الارثوذكس المتزمتون طالبوا بتقسيم الحافلات إلى قسم للرجال وأخرى للنساء، وذلك منعاً للاختلاط ووقوع الرذيلة، وحرموا بيع الملابس النسائية المثيرة في المحال التجارية، كما دعوا اليهوديات الى عدم استخدام الهاتف المحمول لأن صوت المرأة عورة.

تُحيلنا هذه الفتوى على رسالة القديس بولس الأولى الى أهل كُورنتس (الفصل الرابع عشر) حيث قال: «لتصمت نساؤكم في الكنائس فإنه لا يُباح لهن أن يتكلمن، بل عليهن أن يخضعن، كما يقول الناموس أيضاً فإن ابتغين أن يتعلّمن شيئاً فليسألن رجالهن في البيت فإنه عار على النساء أن يتكلّمن في الكنيسة». كما أنها تذكّرنا بشيخ الإسلام ابن تيمية الذي اعتبر صوت المرأة عورة، فالنساء بالنسبة له «مأمورات بالاستتار والاحتجاب، دون التبرّج والظهور، ولهذا لم يشرع لها رفع الصوت في الأذان ولا التلبية».

ومن بين القضايا التي تُثار بين فترة أخرى في إسرائيل منع المتشدّدين المرأة اليهودية من الصلاة عند حائط المبكى خوفاً على طهارته، ومنعهن من ارتداء الشال الذي يقتصر على الرجال فقط، علماً أن مسألة الفصل قبل العام 1880 لم تكن سائدة كما ترجح بعض المصادر.

يعتبر المتشددون اليهود أن هتافات النساء وصلاتهن عند الحائط تُثير شهوة الرجال، لذلك خُصّص مكان خاص لهن. وكانت المحكمة العليا الاسرائيلية أصدرت قراراً العام 2002 يسمح للنساء بالصلاة أمام الحائط من دون تقييد عليهن في اللباس والكلام، ولكنها ما لبثت أن عدّلت قرارها العام 2003 بسبب معارضة التيار الأرثوذكسي، فسمحت لهن بالصلاة ولكن في مكان آخر من الحائط، لأن صلاتهن عنده قد تسبب إخلالاً في النظام العام.

هذا الاتجاه الارثوذكسي الذي يمنع اليهوديات من الصلاة عند حائط المبكى تناهضه مجموعة من الناشطات ينتسبن الى منظمة «نساء الحائط» Femmes du mur des Lamentations وهي حركة نسوية إصلاحية يهودية تأسست العام 1988 خلال المؤتمر العالمي للنساء اليهوديات في القدس المحتلة، وغالبية المنتميات اليها من اليهوديات الأميركيات الداعيات الى المساواة بين المرأة والرجل في الصلاة أمام «الحائط»، وهذا ما يعتبره الحريديم «تدنيساً للمكان المقدس وللقانون اليهودي». (يمكن مقارنة حراك هذه المنظمة مع مطالب رائدات النسوية الإسلامية ومن بينهن أستاذة الدراسات الإسلامية في «جامعة فرجينيا كومنولث» آمنة ودود التي تطالب بأحقية النساء المسلمات في إمامة الصلاة المختلطة في المسجد).

على الضفة الأخرى انشغل بعض العلماء في الإسلام بقرب المرأة من الإمام خلال الصلاة، ورأى أغلبهم أن السنّة أن يقف الرجل عن يمين الإمام والمرأة الواحدة تقف خلف الامام. وغالى بعضهم فرأى أن محاذاة المرأة الرجل تفسد صلاته فيلحقه الضرر وتلزمه الإعادة «ذلك أن النساء مظنّة شهوة فتنقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة». (قرامي، آمال: الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية).

يتفق التيار الديني المتشدد عند اليهود مع الاتجاه السلفي الإسلامي في نقاط عدة. كلاهما نظر الى المرأة من موقع الرهاب الأنثوي الذي يدخل في علاقة تصادمية مع المقدس/ الذكوري، وتلازم الطرفين عقدة السيطرة على النساء وأجسادهن باسم الدين.


السفير

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 19-06-2013