ليلة صب الجيش اللبناني نيرانه على مخيم عين الحلوة - بقلم نضال حمد

  الجيش اللبناني في قضائه ولو جاء متأخرا كثيرا على ظاهرة الأسير في صيدا أنقذ لبنان من فتنة كبرى كان مقرّرا لها أن تبدأ من صيدا، ولكن يجب ان لا ينسى اللبنانيون ان الأسير ليس وحده وان لبنان مليء بالظواهر المشابهة سواء من هذه او تلك الطائفة او الجماعة. وهذه الظواهر التي تنتشر كل فترة كما الفطر في الجسم اللبناني ليست وليدة الصدفة، ولا هي ولادة محلية فقط لا غير بل هي نتاج داخلي وخارجي. تنمو في محيط ملائم لها وتجد من يعتني بها ويرعاها ويساعد في نموها. لذا فأن شبح الفتنة باقٍ وسيلقي بظله على لبنان في المستقبل القريب.  كلنا نعرف ونعلم أن الدولة اللبنانية تعرف وتعلم من هم الذين أطلقوا هذه الظاهرة والذين احتضنوها ورعوها وشجعوها كما في السابق شجعوا ورعوا مثيلاتها. فهل كان على الدولة أن تنتظر حتى يكسر عامودها الفقري ويقتل جنودها بوحشية ويضرب جيشها كي تتعامل مع هذه الظاهرة؟

في مقالة كتبناها بتاريخ 30-6-2012 بعنوان " الشيخ الأسير يأسر صيدا ويقود لبنان نحو الهاوية " حذرنا و قلنا : " توجه الشيخ الأسير هو بالأساس توجه مذهبي لجماعته التي برزت مؤخرا والتي لا نعرف من يقف وراءها ومن يمولها ومن أين لها هذه القوة لتقوم بتهديد حزب الله وحسن نصرالله  وكذلك نبيه بري وأيضا بدعوة الجيش اللبناني لاقتحام المخيمات الفلسطينية وفرض سيطرته عليها. بالرغم من الانعكاسات الخطيرة لمثل هذه الدعوة التي تنم عن عدوانية الشيخ الأسير للمخيمات الفلسطينية (كما عدوانيته اتجاه حزب الله والشيعة) وسلاحها الذي لطالما صان وحمى المخيمات وسكانها من اعتداءات الطائفيين في لبنان بشكل عام. تصريحات الشيخ الأسير وتصرفاته تنم إما عن جهله ولا وعيه أو عن قوة خفية تقف خلفه وتحركه وتمده بالدعم والإسناد والقوة. ".

الأسير لم يكن يمثل أهل "السُنة" في لبنان ولو انه قدم نفسه منقذا لهم بمواجهة ما سماه سيطرة "الشيعة" على البلد وعلى الجيش وعلى الدولة. والمعركة التي خسرها هو خسرها وحده ولا يجب ان يعتقد اي كان أنها خسارة لأهل السُنة في لبنان. فهي لم تكن بين أهل السنة والجيش بل كانت بين جماعة متطرفة متشددة لعبت وغامرت بمصير البلد والتعايش وبين الجيش الذي يمثل كل طوائف لبنان كدولة تعيش على التوافق والتعايش بين الطوائف والمذاهب والأديان.  ومن يفكر ويعتقد وليس مهما من أي طائفة كانت انه كسب معركة ضد طائفة أخرى فهو على خطأ. مع العلم ان معركة عبرا أظهرت وفضحت الذين كانوا يشجعون الأسير ويرعونه ويساندونه.ويجب ان تقوم الدولة بملاحقة ومحاسبة هؤلاء. هذا إذا كانت فعلا دولة وجادة في مكافحة ومحاربة الفتنة بالبلد.

حزب الله صبر وتحمل وبإمكانه شكر الأسير على انتحاره سياسيا ونهائيا وتوفيره على الحزب دخول معركة جانبية كانت بالتأكيد ستؤدي الى فتنة طائفية ومذهبية في لبنان وهذا هو الهدف الذي كان يسعى إليه الأسير ومن يقف خلفه. أما عن دعوته المخيمات والجماعات الأصولية فيها لمساندته بالرغم من تهجمه على المخيمات وسلاحها في وقت سابق، فتلك الدعوة لم تجد صداها إلا عند مجموعة صغيرة في أطراف عين الحلوة بحي التعمير وحي الطوارئ حيث لا سلطة للمخيم عليهما ولا للجيش اللبناني. أما المخيم بشكل عام وبكل تشكيلاته السياسية والفصائلية الوطنية والإسلامية واليسارية رفضوا ذلك ووقفوا محايدين. وبالرغم من تحرك محدود لجماعتي جند الشام وفتح الإسلام لنصرة الأسير في الحيين المذكورين، مدعومين بجماعة الأسير هناك، والقصف العشوائي الذي قامت به مدفعية ورشاشات الجيش للمخيم وبعض أحيائه بدون تمييز وبكثافة مبالغ فيها فضلت القوى الفلسطينية العض على الجراح والتحمل والصبر على طريقة حزب الله وعدم الانجرار للفتنة ولفخ جر المخيم الى المعركة التي لأطرافها أهدافا تجلت في توريط المخيم، أو لسداد فواتير قديمة لدى البعض، أو لعرض عضلات والقيام باستعراضات قوة ميدانية ضد المخيم.

لهؤلاء نقول مخيم عين الحلوة ليس لا جماعة جند الشام ولا جماعة فتح الإسلام ولا جبهة النصرة المحدودي العدد والعدة والفاقدين للدعم والإسناد والشعبية في المخيم. ولن يكون ملاذا لا للأسير ولا لغيره كما تروج وسائل الإعلام اللبنانية التي عودتنا على حملاتها العنصرية والإعلامية البغيضة ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان. مخيم عين الحلوة هو أكثر من 80 ألف لاجئ فلسطيني، محاصرون منذ عشرات السنين في هذا الكانتون، المقفل من كل الجهات، والمحاصر بحواجز وجدار عازل وأسلاك شائكة ودبابات ومدافع ورشاشات الجيش العربي اللبناني الشقيق. لقد ساهمت المعاملة السيئة للحواجز على مداخل المخيم، وملاحقة السكان ومحاولات توريط الشباب في المخيم للعمل لصالح المخابرات اللبنانية في نمو واتساع محدود لبعض الجماعات الإسلامية المتشددة في المخيم. ولا يخفى على المتابعين للشأن اللبناني والشأن الفلسطيني في لبنان هذا الأمر الذي بدوره ساهم ويساهم في تأزيم العلاقة بين الطرفين التي هي بالأصل مأزومة بسبب القوانين العنصرية التشريعية المتبعة ضد الفلسطينيين في لبنان.

حي التعمير وحي الطوارئ

يجب توضيح أمر هام وهو أن حيّ الطوارئ في منطقة تعمير عين الحلوة حيث يتجمع مقاتلون من جند الشام وفتح الإسلام وبعض مناصري الشيخ الأسير. هو حي مختلط لبناني فلسطيني تعيش فيه عائلات فقيرة جدا من الطرفين وفيه بؤرة لاستقطاب المتشددين، الذين استخدمهم سياسيو لبنان في أوقات سابقة في حروبهم الداخلية والطائفية والمذهبية. الحيان يقعان في منطقة لا تتبع سلطة الفصائل الوطنية في مخيم عين الحلوة. وهي منطقة حرام بين المخيم والتعمير. في حي الطوارئ هناك نفوذ قوي لعصبة الأنصار الإسلامية التي أعلنت رفضها الانجرار لأي معركة مع الجيش اللبناني ورفضت دعم الشيخ الأسير في معركته مرارا.  يعني الحيان لا يخضعان لسلطة أي كان لا الجيش ولا لجنة المتابعة المنبثقة عن الفصائل الفلسطينية في المخيم. الاشتباكات التي دارت هناك كانت مع تلك العناصر اللبنانية والفلسطينية الإسلامية المتشددة وليس مع مخيم عين الحلوة. لذا لم يفهم احد في المخيم لماذا قامت المدفعية والرشاشات التابعة للجيش اللبناني بصب غضبها ونيرانها العشوائية على المخيم .

ليلة مخيم عين الحلوة تحت القصف العشوائي :"ماتخافوا بعدنا عم نقصقص بزر..."

   في مكالمة هاتفية مع قريبتي في عين الحلوة قالت لي أنها وأطفالها غادرت المخيم الى جواره. وأخبرتني أنها عندما عبرت أحد الحواجز التابع للجيش اللبناني على مدخل المخيم قال لها احد الجنود اللبنانيين : "ماتخافوا بعدنا عم نقصقص بزر...".. وأضافت هي معقبة : " هم كانوا يريدون استدراج المخيم حتى ينفذوا مخطط نهر البارد2 ".  تابعت تقول: هذا الكلام للجندي الذي يعتقد انه "رامبو" في ميدان يبدو انه لا يعرف أن المقاتلين فيه أشداء ويمكنهم الوصول الى حاجزه وجلبه مكبلا مع ما تبقى له من "بزر" التسلية خلال ثواني، والوصول الى التعمير وحي الزهور والسرايا وجبل الحليب وجبل سيروب و درب السيم ومغدوشة والإسماعيلية والمية ومية ومارالياس خلال ساعات. كل هذا ممكن جدا جدا إذا تطورت الحملة على مخيم عين الحلوة فالهجوم خير وسيلة للدفاع لكن كل هذا هراء لأن معركة المخيم وكذلك الجيش ليست هنا بل مع الصهاينة أعداء فلسطين ولبنان والعروبة والمقاومة العربية.

أن مواقع الجيش اللبناني المتمركزة على التلال المطلة على مخيم عين الحلوة في جبل الحليب وجبل سيروب وغيرها كانت ليل الأحد - الاثنين فتحت نيران رشاشاتها بشكل عشوائي على المنازل في مخيم عين الحلوة. فأصابت مستشفى الأقصى في المخيم التابع لجمعية بدر وللواء منير المقدح إصابات مباشرة بالصواريخ والرشاشات. وكذلك بعض المساكن المدنية القريبة منه والأخرى البعيدة عنه في حارات أخرى.
الجيش يقول انه كان يستهدف حي الطوارئ في التعمير والحي بعيد كثيرا عن هذه الأماكن ...
هل جنود الجيش لا يعرفون ما يفعلون ام انهم لا يجيدون استخدام أسلحتهم؟؟..

مخيم عين الحلوة كله وبكل قواه وقف على الحياد وضد تدخل جند الشام وفتح الإسلام بشقيهما الفلسطيني المحدود العدد والعدة ضد الجيش. فلماذا يعاقب المخيم بهذه الطريقة؟

منزل عائلتي ومنازل جيراننا وأقرباؤنا من المنازل التي أصيبت واحد أطفال العائلة أصيب بجروح برصاصة رشاش 14 ونصف تابع للجيش في موقع جبل الحليب كان يطلق صلياته على المخيم..الطفل أصيب داخل منزله وآخر قتل على الطريق أمام منزله.

 بما أنني كما كل فلسطيني من المخيم عائلته هناك كنت أتابع بشكل متواصل للأحداث وعلمت من مصادر في المخيم أثق بها كما أثق بنفسي ان عشرات آلاف الطلقات ومئات القذائف من مدافع الجيش استهدفت عين الحلوة ليل الأحد-الاثنين الماضيين. قال لي من حدثتهم من أهل وأصدقاء غالبيتهم لا يؤيدون ولا يناصرون لا جند الشام ولا فتح الإسلام ولا الأسير: كانت عملية قصف حاقدة ومنظمة وعشوائية، لم تهتم بحيوات أهل المخيم الذين وقفوا على الحياد في معركة الشيخ الأسير مع جيش لبنان الجريح. فلو ان أهل عين الحلوة كانوا جزءا من المعركة لما بقيت لا مدافع ولا رشاشات ولا ملالات للجيش اللبناني تستطيع العمل والرمي على المخيم من التلال المحيطة به. ولكان جيء بالجنود مأسورين الى عين الحلوة لأخذهم في جولة على الأحياء والمنازل التي كانوا يدكونها برصاص وقذائف الحقد.

نعم هناك تعبئة حاقدة لجنود الجيش ضد المخيمات وبالذات ضد عين الحلوة. بالرغم من أن الفصائل في المخيم استطاعت تهدئة الاشتباكات ووضع قوات فصل بين الجيش وجند الشام وفتح الإسلام ووقف الاشتباكات هناك.  لذا نقول ونقدم مليار شكر لأهل المخيم الذين تحملوا وصبروا وعضوا على الجرح وشيعوا ضحاياهم بصمت وفوتوا الأمر على رصاص وقذائف الفتنة الشرعية وغير الشرعية. وبدوري أقدم الشكر للطفلة التي حين كلمتها هاتفيا في مخيم عين الحلوة قالت لي : "عمو نضال... هذا القصف من (إسرائيل) مش من الجيش اللبناني".

 

* مدير موقع الصفصاف

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 25-06-2013