نفاق السلام! - محمد كناعنه - أبو أسعد

إحتفلَ العالم ليلة الثلاثاء/الاربعاء بتسعينية شمعون بيرس الرئيس التاسع لدولة "إسرائيل"،إحتفالاً يضاهي إحتفالات الملوك والقياصرة والأباطرة في مختلف العصور، ويفوق ذلك، على أنّهُ جاءَ في سياقٍ يتمُّ فيهِ تزوير التاريخ، أَو بالأصح سرقة التاريخ من التاريخ ذاته، وعلى ما يبدو لم يعرفَ العالم إحتفالاً بهذا البَذخ النفسي والمعنوي وإن جازَ التعبير بهذا العُهر والنفاق السياسي والأخلاقي.هذا عدا عن البذخ المادي، وما يُسمى بوزارة المالية ووزيرها يتفَنَنّونَ في سَحق شرائح الفُقراء وخاصة العرب، وهذا ليسَ من باب الطبقية فقط، وإنّما هو إمعان في مُمارسة السادية تجاه مجموعة من البَشر هم حطباً في مشروع تومي ويوسي وشمعون ومناحيم وبلفور ووايزمن وروتشيلد وبن غوريون وغولدا، ولو كان بيرس حقاً "أَينشتاين إجتماعي" كما سمّاه كلينتون، لفَضّل أن ينفق الملايين التي صرفت في احتفاليته على "اليهود" المشرّدين في شوارع مدن "دولة الرفاه"، وحينها قد يخرجهم من حاويات الزبالةحيثُ يبحثون يومياً عن قوتِ يومهم، ولكنّه ليسَ كذلك.

هذا الرجل من الرعيل الأول ممن واظبوا على صناعة "الدولة" وكانَ لَهُ الباع الطويل قَبل النكبة في عملية التحضير لإنشاء كيان صهيوني على أرض فلسطين، واظبَ وعملَ على تسليح العصابات الصهيونية وعملَ وقام ببناء المُستعمرات، عملَ وواظب على تجنيد القوى البشرية لدعم الاستيطان وتقوية العصابات المسّلحة.. كل هذا كانَ قبلَ عام 1948، وذهبَ بعدَ ذلك ليكونَ المسؤول الأول عن الملف النووي "الاسرائيلي" ورَجُل الموساد، وصاحب القُدرة على تجنيد أحدث الأسلحة لجيش الاحتلال، من طائرات الميراج الفرنسية والغواصات الفرنسية والألمانية، دفع فرنسا للمشاركة في عدوان 1956،على مصر جمال عبد الناصر، ورغم أَنَّهُ تدرّج في معظم الوظائف القيادية الكبرى وعُرِفَ عَنهُ ما عُرف من نشاط لصالح "الدولة" إلاّ أنّه كانَ دائماً يخسر في المعارك السياسية حتى أُطلقَ عليه لَقب لوزر "الخاسر".

بيرس هذا كانَ في مُختلف الوزارات ورئيساً للحكومة أكثر من مرّة، وحاملاً لجائزة نوبل "للسلام" وهوَ من أشدّ السياسيين خُبثاً ومهارةً، وأن يحتفل العالم بهذا الرجل إنّما يَدُل على مدى وعُمق علاقة هذا الكيان القائم على أنقاض شعب آخر مع العالم الرسمي. ويدُل إلى أي مدى نجحت الحركة الصهيونية في تثبيت "روايتها" المزيّفة ونشرها في دهاليز عقول ساسة العالم، لدرجة أن مطار "بن غوريون" الدولي كانَ في حالة من التأهُب والأزمة، زحمة الطائرات الخاصة فقط وصلت إلى ستين طائرة قادمة من كلّ أصقاع الارض لتُشارك الرجل- الدولة في تأكيد دَعم الغاصب والمُغتصب، وصدق زياد الرحباني" أهلاً بالرأي العام".

قبلَ "انقلاب" عام 1977 كانَ بيرس يميناً في مواقفه وممارسته، وتحوّلهُ إلى ما يُسمى "معسكر اليسار السلام" كانَ من دَواعي التوجُّه السياسي الانتخابي، وحينَ أَقدمَ على إقناع رابين بمشروع أوسلو قالَ عن هذا الاتفاق إنّهُ "اكبر إنجاز للحركة الصهيونية بعد إعلان قيام الدولة"، ولكنّهُ لم يتخلى يوماً عن عقلية العُدوان والاغتصاب، ومشاريع بيرس في تهويد الجليل واستيطان النقب اكبر دليل على ذلك.

في تسعينية شمعون بيرس جاءَ يوسف كراجة، طفلٌ فلسطيني، يبلغُ من العمر عشرة أعوامٍ، وما يُسمى ب "مركز بيرس للسلام" أنقذَ حياتَهُ قبلَ عقد من الزمان، هل حقاً وصلَ العُهر بهذا العالم لينسى أطفال قانا الذين دَفنهُم طيران بيرس عام 1996 في عدوان عناقيد الغضب، الذنب ليس ذَنبُ هذا الطفل الذي لم يقرأ بَعد عن هُدى الطفلة التي قتلها جيشُ الاحتلالِ وهي عائدة من المدرسة وعلى ما يبدو لم يسمع حتى الآن صرخات محمّد الدرّة ولم يُحدّثوه عن سارة الرضيعة ورصاصة القََنص، وداهود الجنين الذي قُتِلَ في رحمِ أمّهِ برصاصةٍ قد تكونُ من صُنعِ بلير أو كلينتون أو ميركل، إنّها من صُنعهم جميعاً تلك الرصاصة التي تغتالُ الجنينَ في رحمِ أُمّهِ، يوسف حتماً سيتعرف قريباً على معنى الحواجز وألم الحوامل الفلسطينيات في طابور الانتظار عندَ بوابة الموت أَو فُسحة الحياة، لن تحصل نساء فلسطين على فرصة إلاّ بما شاءَ بيرس، ليصنعَ من الفُرصة قصة وحكاية مؤثرة كحكايتكَ يا يوسف.

ويُسألُ السؤال هُنا: هل نلوم ذاكَ الطفل المغرَّر بهِ؟ الذي صعدَ خشبة المسرح وشكر بيرس على الهواءِ مباشرة وعلى مَسمَع ومرأى ملايين الناس حولَ العالم! ألا يخجل "قادة" العَرب من حجم التضامن مع دولة الاحتلال، والأبترتهايد مع كيان تمَّ صنعهُ في دهاليز التآمر الامبريالي العالمي.. "القُواد" العرب يقدّمون الهدايا بالملايين لزعماء الغَرب وهؤلاء يقدّمون السلاح بالملايين "لاسرائيل".

شاهدتُ الاحتفالَ من باب الاهتمام بشخصية الرَجُل الذي كانَ محط خلافٍ على الساحة السياسية "الاسرائيلية" وغَدا رمزاً "وطنياً" في مصنع الهُويّة "الاسرائيلية"، هذا المصنع الذي تحوّل إلى مفاعل لِصَهرِ هُوُية المُستوطن، المُحتل إلى "مُواطن" في "دولة" تُسمى في عُرفها والعالم "ديموقراطية" و "متنوّرة" و "الواحة في صحراء الشرق". ألا يستحق الأمر مِنّا قليلٌ من الغيرة، وكثيرٌ جداً من الجهد والعمل الدؤوب لنمحوا غُبنَ من سرقَ التاريخ، ولنُعيد كتابتهُ من جَديد.
 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 26-06-2013