عساف ... والجوع إلى انتصار - د. فايز رشيد

لم يجمع الشعب الفلسطيني على قضية خارج القضايا المتعلقة بالشأن الوطني المباشر ,كما أجمع على تأييد الفنان الفلسطيني محمد عساف في سباق برنامج"محبوب العرب"والذي كسب لقبه عن جدارة وكفاءة. توّحد الفلسطينيون في كل مواقعهم:في الضفة الغربية وقطاع غزة ,في المنطقة المحتلة عام 1948 وفي الشتات.البعض رأى في ظاهرة التأييد القوي : مبالغة لا لزوم لها،وخاصة أن البرنامج من وجهة نظرهم يعتمد على المصالح المادية للفضائية المنظمة أولاً وأخيراً،كذلك فإن أمام الشعب الفلسطيني قضايا أهم بكثير من قضية"تأييد عساف" , فلو كان المرشح للكسب غير فلسطيني لكان رأي الفلسطينيين غير الذي رأيناه.أيضاً:حرّم البعض(مثل حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة) بل قام بتكفير كل من يصوّت لصالح عساف أو يستمع اليه . وبالمناسبة خرج الأخير من حدود رفح عن طريق التهريب،بعد أن منعته سلطة حماس من الخروج،وكأن إن شارك في مثل هذا البرنامج فقد اقترف إثماً عظيماً , وكأنه اقترف الخيانة بحق وطنه وبلده،وكأن الذين يصوّتون لصالح الشاب الفلسطيني خرجوا عن الدين الإسلامي الحنيف.خرج عساف من الحدود مجهولا وعاد بطلا وطنيا , استقبلته حشود جماهيرية لا تعد ولا تحصى . كتابات كثيرة تناولته في الصحافة , كما احتل فوزه أخبارا رئيسية في الفضائيات. الصحف الصهيونية غطت نجاحه وكتبت مقالات رئيسية عنه .

في نقاش وجهة النظر السابقة نقول:إن ما جرى هو ظاهرة طبيعية تماماً , فالشعوب تعيش أفراحاً واسعة وطويلة عند الفوز في مباراة كرة قدم،وخاصة إن كسبت كؤوسا في مسابقات الكرة،وهي تعتز إذا استطاع أحد أبنائها كسب جائزة ما في تنافس مع دول اخرى،فلماذا ننكر على الشعب الفلسطيني هذا الحق؟ ولماذا نستكثر عليه الفرح تضامنا مع فوز كبير لأحد أبنائه ؟ الفلسطينيون يعيشون في مرحلة تحرر وطني , وهم يعانون جراء قضيتهم الوطنية والمآسي التي أُقترفت بحقهم وما تزال منذ قرن زمني تقريباً.هم بلا دولة مستقلة مثل باقي دول العالم.وهذا ما يضاعف من قيمة أي انتصار يحرزه فلسطيني في مجال ما،فبرغم الظروف القاسية والصعبة وأجواء المخيمات في الوطن والشتات, وبرغم العراقيل الموضوعة أمام الفلسطينيين , لم يمنعهم ذلك من تحصيل العلم في كافة المجالات , حتى أن نسبة المتعلمين في الشعب الفلسطيني هي من أعلى النسب بين الشعوب الأخرى على مستوى العالم،والكفاءات الفلسطينية موزعة في جميع انحاء القارات والدول ,ونسبة الأمية بين الفلسطينيين هي من أقل النسب بين شعوب الأرض.

الفلسطنينيون مبدعون في كافة المجالات , حتى أن الحجر تحول في أيديهم إلى سلاح مقاومة . الابداع الفني الثقافي الفلسطيني معروف وملموس . قامات وهامات كثيرة فلسطينية لها وجودها العالمي المعترف به دولياً مثل: ادوارد سعيد وهشام شرابي والشهيد غسان كنفاني ومحمود درويش وجبرا إبراهيم جبرا وإبراهيم طوقان وغيرهم من أجيال سابقة.الفلسطينيون لعبوا دوراً تنويرياً في العالم العربي , وهم من أكثر أبناء الأمة العربية الواحدة انشداداً إلى الوحدة العربية والتكامل العربي والعمل العربي المشترك , لأنهم يرون في ذلك قضية وطنية قومية ,كما يرون أن الوحدة هي طريق مأمول لتحرير وطنهم المغتصب.

لقد لعب الوضع الفلسطيني الحالي المأزوم للأسف،بسبب الانقسام وتداعياته: من تراجع المشروع الوطني الفلسطيني عقوداً إلى الوراء،لعب دوراً في تعزيز ظاهرة التأييد لعساف , فأمام النكسات المتعددة التي واجهها شعبنا وقضيتنا , والاحباطات المتعددة بسبب الرهانات الخاطئة لقادته المتنقذين ,في التقرير بشأن القضية الوطنية،أصبح يبحث عن انتصارٍ أيِّ انتصار, فوجد التجسيد في المراهنة على عساف في سباق عربي متين،فالأصوات الثلاثة المتقبة للحلقة الأخيرة هي كلها أصوات قوية ومرشحة للفوز.

إن من أبرز أهداف الفن والثقافة هو: خدمة الناس ,وفي الحالة الفلسطينية هو خدمة القضية , فلا فن من أجل الفن وفق الفهم الأول الأفلاطوني للقضية , وإنما فن من أجل مشروع ثقافي, وفي الحالة الفلسطينية هو خدمة المشروع الوطني.لقد جسّد عساف في أغانيه المنتقاة هذا الهدف , ولذا ازداد الناس تعاطفاً معه.لقد رفض محمد عساف مديح الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أميخاي أدرعي له(على صفحته في الفيس بوك)وأجاب هذا العدو المتطرف "إنني اضطرت اضطراراً للإطلاع على صفحتكم وإنني أرفض المديح من قبلكم لأنكم معتدون ومحتلون لأرضنا"،عساف كتب هذه الجملة على صفحته هو وليس على صفحة الناطق باسم جيش الحرب الصهيوني.

الابداع الفلسطيني بما فيه ابداع عساف وإنجازاته, هو جزء أصيل من الابداع العربي العام،هذا الابداع الذي يتأسس على الثقافة العربية الأصيلة،هذه التي تشكل جبهة ثقافية صلبة, أثبتت أصالتها في كل المعارك التي واجهتها وتواجهها الأمة العربية.وفيما يتعلق بهذه الجبهة والعدو الصهيوني يمكن القول:إن الجبهة الثقافية العربية ظلّت عصية على الكسر،رغم الانكسارات العديدة في الجبهات الأخرى.الجبهة الثقافية ظلت ضد التطبيع مع العدو الصهيوني،رغم محاولاته احتراقها.لا يمكن أن يتم التطبيع بين ثقافة تحررية أصيلة متغلغلة في أعماق التاريخ وبين مشاريع ثقافية عديدة تبعاً للأجناس العديدة التي تتنباها،وهذا بالضبط ما هو قائم في الكيان الصهيوني الوليد منذ ما يقارب الستة عقود،فلا يمكن القول بوجود"ثقافة إسرائيلية"رغم المحاولات الصهيونية لتسييد مقالة"الثقافة اليهودية الواحدة".الإسرائيليون جاءوا مستوطنين غزاة من دول عديدة في كل انحاء العالم،فما هو الرابط الثقافي بين يهود جاءوا من روسيا وبين مهاجرين يهود جاءوا إلى فلسطين من إثيوبيا على سبيل المثال لا الحصر.مفهوم "الثقافة اليهودية الواحدة"هو مفهوم مزّيف،حاولت الحركة الصهيونية ,وهي تحاول وستظل تحاول تمرير وتأصيل هذا المفهوم من أجل :الربط ما بينه وبين التاريخ،الذي يحاول الإسرائيليون الاتكاء عليه.

التاريخ الحضاري الثقافي الفلسطيني العربي هو أيضاً موجود منذ أن وُجد التاريخ،وهو النبع الذي يستقي منه مبدعونا أعمالهم الأدبية وفنونهم في كافة المجالات.فلسطين كانت منارة في التاريخ القديم وهي ما تزال حتى هذه اللحظة،حاول الإسرائيليون وما يزالون البحث عن آثار تربطهم بفلسطين وتاريخها , لم يجدوا.هذا ما أجمع عليه كل خبراء الآثار والمنقبين على صعيد العالم.وأمام هذا الخواء التاريخي لجأ الإسرائيليون إلى سرقة التراث الفلسطيني من: زي شعبي وأكلات شعبية والادعاء بأنها إسرائيلية،خدمة لمقولة زائفة يرددونها هي مقولة"الثقافة الإسرائيلية"التي لم تكن, وهي غير موجودة،ولن تكون مستقبلاً . مهما طال العمر بالوجود الإسرائيلي،فسيظل شارعه مزيج من الفسيسفاء الإثنية العرقية المختلفة(وفقاً لأصولها السابقة)التي لا ولن تنتج ثقافة موحدة.

يبقى القول:أن محمد عساف مبدع فلسطيني عربي عليه الارتقاء بالتراث الشعبي الغنائي الفلسطيني ,وما أكثره ,على طريق الارتقاء بالاغنية العربية الهادفة،الملتزمة وهو يمتلك الموهبة والثقافة التي تؤهله لأن يلعب هذا الدور.

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 27-06-2013