فلسطين بين عساف - د.امديرس القادري

من خيام الشقاء والتهجير القسري ، ومن علب الصفيح التي يطلقون عليها مجازاً منازل ، و من على أرض مخيم خان يونس في غزة ولد هذا الفتى الفلسطيني محمد عساف والذي بين ليلة وضحاها راح يتردد اسمه في كل أرجاء وأنحاء الوطن العربي وذلك بعد أن حقق الفوز في برنامج " محبوب العرب " ، هذا البرنامج الذي قد يتباين ويختلف المحللين والنقاد حول أهميته ، وحول الأهداف والأغراض التي انطلق من أجلها ، فالبرامج التي على شاكلته أصبحت لا تعد ولا تحصى ضمن ما بات يعرف بتلفزيون الواقع .

الإحصائيات تشير إلى أن هذا الشاب قد حاز على ما يزيد عن الستين مليون اتصال هاتفي تأييداً وترشيحاً للفوز ولنيل الجائزة الأولى ، وهذا رقم غير مسبوق في تاريخ هذا البرنامج الذي كان يجمع ملايين الأسر حول شاشة التلفاز لمتابعته وعلى مدى عدة شهور ، وهذا بطبيعة الحال لا يعني أبدا القفزعن الشق التجاري الذي غالبا ما يرافق هذه البرامج التي لا شك في أنها قد أصبحت تدرالملايين من الدنانيرعلى جيوب الجهات والمؤسسات المُنظمة التي تقوم بالإستثمار في هذا المجال و بعد أن تسعى إلى شفطها من جيوب الغالبية العظمى من فقراء ومسحوقين هذا الوطن العربي وتحت عنوان تابع واتصل وصوت لنجمك المفضل .

الكتابة حول عساف لا يمكن أبداً أن تنفصل عن الكتابة عن فلسطين و قضيتها الوطنية ، فالحزن الفلسطيني المزمن موجود و قبل أن يُدخل عساف و حنجرته الفرح و البهجة إلى قلوب الملايين ، فأي نجاح فلسطيني قد يتحقق على مختلف المستويات و الصعد يجب أن تسبقه فلسطين القضية ، هذه هي الحقيقة التي لا يختلف و لا يتجادل حولها اثنان ، و هذا ما يجب أن يعييه و يستوعبه جيدا بلبل فلسطين الصاعد محمد عساف ، والذي يجب عليه أيضا أن يدرك بأن طريق التمسك بقضيته هو البوابة الوحيدة و الطبيعية التي يمكن يسلك عبرها سلم الإرتقاء الوطني عبر المجال الفني الذي استطاع أن يبدع فيه و أن يتخطى جميع المنافسين ليكون الأول عليهم .

الآن لم يعد مهماً أن نتحدث عن " محبوب العرب " كبرنامج فهذا لا يعنينا ، و ليس مهماً أن نستظل براغب علامة ، و نانسي عجرم ، و أحلام ، و غيرهم من الذين وجدوا و بعد سنوات الفرصة مواتية ليتذكروا فلسطين ومعاناة شعبها وصمود أسراها القابعين في الأقبية والزنازين الصهيونية ، التجارة و المتاجرة انتهت و بات القرار في يد العساف الذي يجب عليه أن يختار بين ما هو هابط فنيا ، و بين توظيف حنجرته في خدمة قضية شعبه التي ليست بحاجة الآن إلى الحب والرومنسية بقدر ما هي بحاجة إلى الأداء الوطني الجاد والملتزم بعذابها والذي لاهدف له سوى التمسك بعدالتها و بحقها وبحتمية عودتها إلى أصحابها الشرعيين وهذا ما يجب أن يركز عليه العساف إذا ما أراد البقاء في مقدمة المحبوبين من شعبه وأمته .

أما التجارالذين ينتمون زورا إلى فلسطين من أمثال منيب المصري و مازن عباس الذين صعدوا إلى مسرح " محبوب العرب " قبل والديه فإن عليه أن يحذر منهم جيدا ، فهؤلاء وغيرهم من الذين انضموا إلى جوقة المؤيدين لا هم لهم سوى البحث عن أرباحهم الخاصة من وراء هذا الحماس المنقطع النظير الذي أبدوه قبل و أثناء الفوز ، و بالتالي فإن على محمد عساف أن يحذرهم وأن يبتعد عنهم حتى يضمن لنفسه النظافة الضرورية واللازمة ليكمل المشوار الطويل الذي بدأه بالفوز على مسرح " محبوب العرب " .

و في ذات السياق فإننا نود التأكيد أيضا لمحمد عساف إذا ما قُدر له أن يقرأ هذه السطور بأنه ليس بحاجة إلى مرتبة السفير التي منحه إياها الرئيس عباس لأن الضرر الذي قد يأتي من وراءها أكثر بكثير من أية فائدة ، فالأفضل لك و لمستقبلك يكمن في المحافظة على أن تظل سفيرا لشعبك و لقضيتك ، فالمسحوقين والمضطهدين من جماهير شعبك الفلسطيني هم من يحملون في قلوبهم حبا صادقاً و نقياً لك وللكوفية و العلم الفلسطينيان اللذان حملتهم يداك في لحظة إعلان الفوز ، وما عليك سوى التمسك بهما سلاحاً ، أما هدايا وهبات الرؤساء فليست سوى شكليات فارغة لا هدف لها سوى إبعادك وأخذك بعيداً عن الدرب الذي يريد شعبك أن يراك دائما سائرا عليه و بين جنباته ، هذا هو السمين الذي سيفيدك و يغنيك ، و ما عدى ذلك فهو الغث الذي لا يقدم ولا يؤخر .

أيها العساف ، و يا إبن فلسطين كم أخاف عليك من غرور الشهرة وبريقها ، و من الأضواء الكاذبة التي ستجتهد الفضائيات التجارية ، و وسائل الإعلام المختلفة في أن تشعلها أمامك لكي تنسى فلسطين و كوفيتها ، كم أخاف عليك من سلاح المال الذي لن يمدك إلا بأمراض الطمع والجشع ، و هنا فأنا لا أدعوك لأن تجوع و تعرى فخذ حقك دائما في كل المحطات القادمة من حياتك ، و لكن اياك أن تنسى صندوق شعبك والذي يجب أن تضع فيه كل حبك المعنوي والمادي مما قد تجود به نفسك ، و تذكر دائما بأن الكثير من العواصم والمدن و بكل مستوياتها الرسمية لم تكن أبدا في يوم من الأيام مع قضيتك و مع معاناة شعبك ، بل إن البعض منها لا يترك فرصة لممارسة التأمر إلا و أقدم على ارتكابها وهذا يعني بأن عليك أن تتمسك بفلسطين وعلمها و كوفيتها ، و بتراب مخيم خان يونس فهم الأصدق و ليوفقك الله في ما أنت مقدم عليه .

د.امديرس القادري

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 29-06-2013