أسامة سعد «الناصري» الذي يعيش في التاريخ
 

يعرف «الصيادنة» أنه متى أقفلت أبواب الدنيا في وجههم، فبإمكانهم التوجّه مباشرةً إلى الأمين العام لـ«التنظيم الشعبي الناصري». لا عناء في طلب الموعد. الجميع هنا يعلم أين يقع مكتب الدكتور أسامة سعد، بالرغم من أنه في «زاروب صغير» يخلو من أي لوحة كتب عليها: «هنا مكتب الأمين العام لـ«التنظيم الشعبي الناصري»، ولا حتى قوى أمنية مولجة بتأمين الحماية، ولا سيارات فارهة تشي بأن مرجعية سياسية تقبع في هذا المكان.
المكتب الواقع بالقرب من ساحة الشهداء، وعلى بعد سنتمترات من «مدرسة الراهبات»، وفي المبنى ذاته لـ«المحكمة الشرعية الجعفرية»، يعكس وجه «العيش المشترك»، وإن كان قد فرض بعفوية وعلى مرّ التاريخ.
مكتب «التنظيم» قد يكون أقرب إلى عيادة طبيب أكثر من كونه مكتباً سياسياً. الصيداويون يدخلون بكلّ أريحية بانتظار دورهم، كلّ ما عليهم فعله للجلوس مع سعد، هو التوجّه إلى مساعدتِه وفاء لإعطاء أسمائهم وأرقام هواتفهم ونوعيّة المراجعة. مدة الانتظار، لا تقاس بالنسبة لمشاغل «الدكتور» الذي يرابض في مكتبه منذ التاسعة صباحاً وحتى ساعات ما بعد الظهر.
الجميع هنا ينشغل بالضيوف، «قهوة أو شاي»؟ تسأل إحداهن. فيما «شباب سعد» كخليّة نحل، يدخلون ويخرجون.
وبعد الانتظار، حان موعد لقاء «الدكتور». يجلس الرجل الخمسيني على إحدى الكنبات الحمراء الخشبية، التي هي أقرب إلى «جلسة عربيّة». هنا أيضاً لا تكلّف. بعض الضيوف يتحلّقون حول «أبو معروف»، وبعضهم الآخر يجلس على طاولة مستديرة ينتظرون ما إذا كان سعد بحاجة إلى أي شيء، غير أن «أبو الفقراء» لا ينبس ببنت شفة فيها أمر لأي كان.
يرمي «الدكتور» السلام على ضيفه بكثير من الـ«أهلا». يشدّ بـ«قوة ترحيبية» على يد ضيفه. لا يدخل أحدهم إلا ويكون سعد قد وقف للترحيب به منادياً كلا منهم باسمه، ثم يرتمي من جديد على كنبته الحمراء.
ببساطة شديدة، تعكس شخصيّته، يبدو مظهر «أبو معروف». قميص وجاكيت وبنطال جينز، لا إضافات سوى ساعة يد قديمة، ليست من الماركات التي يتفنّن في شرائها ذوو الياقات. يدقّ هاتفه الخلوي الذي بيع في الأسواق قبل انتشار «الجيل الثالث» بسنوات.
يهوى «الحكيم» متابعة كلّ الأمور بدقة، من مراجعات الزوار إلى الاتصالات السياسية، والأمور اليومية في «التنظيم»، وحتى أصغر الأشياء. يعرف كلّ من يعمل معه أنه «وان مان شو»، لا يوزّع الأعمال على أفراد «التنظيم»، ولكن ما «يشفع» له أنه ليس عنيداً. «أسامة الديالكتيكي» يقتنع بسرعة وبقوة المنطق. عندما يتحدّث عن الأمور السياسية، ينظر إلى كلّ الجالسين حوله، كما لو أنه يقول: «هل أعجبكم؟».
الرجل الأسمر الشاحب تزيده آثار الحزن اسمراراً. فليس قليلاً أن يخسر «الدكتور» والده ثم أخاه. هو ليس «مهضوم»، غير أن كلّ من يعرفه يقول إن تواضعه وبساطته وحنانه تطغى عليه، في تعاطيه مع الناس ومع العاملين معه. يحبّ أن يمشي في الأسواق التجارية، ولا يكلّ من الاستماع إلى معاناة هذا وحاجات ذاك.
حنان «الحكيم» الذي انصرف عن مهنة الطبّ إلى مهنة السياسة، يظهر أيضاً عندما تقع عينيه على مريض في مكتبه محاولاً القيام بـ«إسعافاته الأولية».
«أبو معروف» الهادئ والصبور، قد يخسر هذه الصفات، عندما يتعلّق الأمر بمراجعة عالقة لأحد المواطنين. هو يفضّل أن يلتقي بهؤلاء مرة أو مرتين، مرة للاستماع وأخذ تفاصيل المراجعة، ومرة ثانية لإبلاغه أن الموضوع قد عولج. لا يشاء أن يلجأ إليه أحدهم دون قدرته على تلبية احتياجاته.
أما الطلبات اليومية فدائماً ما تتمحور حول فرص عمل ومساعدات في التعليم والطبابة. امتلاكه لخمسة مستوصفات في المدينة ومدرسة مجانية وأخرى شبه مجانية تعينه على تلبية حاجات الناس. لا يمكن لمن يقصده في خدمة ما إلا أن يدخل إلى غرفة «الدكتور»، فبالرغم من أنه عيّن مدير مكتبه طلال قردان مديراً لمكتب الخدمات الاجتماعية، غير أنه يفضّل أن يستمع إلى المواطنين بنفسه.
«رجل الخدمات»، «كاريزما» ولدت من رحم قضايا الناس وهمومهم. يحبّ الفقراء، فهو أصلاً يعيش حياتهم، لا ازدواجية معايير في يومياته. حتى أولاده، معروف ومنار ومحمد، لا يعيشون على أمجاد آل سعد. أن يهاجر ابن «الدكتور» إلى إحدى الدول الخليجية للعمل، يعني أن أسامة سعد فعلاً هو ابن أبيه «أبو الفقراء».
وبالرغم من علاقة سعد المتينة بأهالي المدينة، إلا أنه في قرارة نفسه يعرف أن الأغنياء ليسوا «مغرمين به». فخطابه الذي يستهدف «المعتّرين» لا يعني في قاموسهم شيئاً.
إذاً، لا تزال الطبقيّة تتسرّب في علاقة سعد مع مجتمعه الصيداوي. فالرجل يظهر كمن يعيش في عهد الشيوعية، وإن كان لا يجاهر بذلك.
جميع العاملين معه يرددون أن «الأمين العام» ما زال نفسه منذ بدء حياته السياسية وحتى اليوم. بساطته في التعاطي مع الناس، لا تنعكس بساطة في فهم التركيبات السياسية، إذ إنه ملمٌّ بخباياها وزواريبها.
السياسي الذي لا يتغيّر، متأكد من أن رصيده الشعبي يتغيّر، في أغلب الأحيان هبوطاً. بكلّ بساطة، يمكن أن يسعى «الدكتور» إلى «ضربة سياسية» ترجّح كفته أمام كلّ خصومه في المدينة. الأمر بسيط: خطاب طائفي يشحن النفوس، وسيكون أسامة سعد في اليوم التالي زعيماً سنياً دون منازع. هذا الأمر البسيط يبدو في عيون «المنعتق» من الطائفية مستحيلاً. يؤكد المقربون منه أنه يرفض الحديث الطائفي حتى في مجالسه الخاصة، تماماً كما يرفض تصنيف نفسه بأنه شخصية سنية.
«الناصري» يبدو كمن ما زال يتربّع داخل التاريخ اليساري، غير آبه إن كان اليسار قد اندثر فعلياً عن الحياة السياسية للبنان، فيكفيه أنه يتغلغل داخله. يعتنق العلمانية بكثير من الإيمان، من دون أن يركّز كثيراً على الطائفية التي تنمو في لبنان. يبدو زمان أسامة سعد غير الزمان الذي يمرّ به لبنان. يعرف أن ذلك «يقضم» من رصيده، ولكن لا همّ، فالمبدأ بالنسبة إليه يتقدّم على الحنكة.
خطان أحمران قد يظهران في حديث سعد: أمن صيدا والمقاومة. وفي أزمة صيدا الأخيرة، كان مجهوده أكبر، اتصالات واجتماعات يومية مع أعضاء «التنظيم»: «لا تخرجوا من منازلكم ولا تحملوا السلاح، دعوا الجيش يتصرّف». وما حصل مع الحزبيين سرى أيضاً على الفلسطينيين لحماية المخيمات.
ومن يسمع الرجل كيف يتحدّث عن «المقاومة» يدرك ماذا تعني له. يعيش سعد «ناصريته» بكلّ تفاصيلها. يقدّر انتصار المقاومة الإسلامية في تحرير الجنوب في العام 2000، وكلّ الإنجازات التي قامت بها، ولكنه في الوقت عينه، لا يسهو عن باله أن المقاومة تأسست في العام 1982، و«حزب الله» أكمل المهمّة من بعدها.
اتصالات أسامة سعد بحلفائه لا تنقطع، في حين يبدو أن حرصه لكي لا يكون تابعاً لأي طرف وجرأته قي قول الأمور كما هي، قد يبعدانه في بعض الأحيان عن واجهة الحلفاء.
وإذا كان سعد يقضي أيامه في مكتبه، فإن ذلك لا يلهيه عن الاهتمام بعائلته. يقول المقربون منه إن أولاده هم أصدقاؤه، يهتمّ بتفاصيل حياتهم ويثقفهم سياسياً.
أما المقدّس عند «الدكتور» فهو يوم الأحد. يردّد على مسمع كلّ من يزوره: «يوم الحد ما تكلمش حدّ»... يخرج سعد من منزله صباحاً ليتوجّه إلى «مرج البسري» التي حوّلها، في سنوات قصيرة، من أرض قاحلة إلى حقلٍ «ينكش» فيها بنفسه، ويهتمّ بالأشجار ليحصد منها كلّ أنواع الفواكه والخضار.
الرجل الذي يعيش «حياة الفلاحين» يعرف أن ما يزرعه في «مرج البسري» يزرعه أيضاً سياسياً في صيدا، ولكن ما يحصده من بستانه لا يستطيع حصده في الصناديق الانتخابية. يعرف «الدكتور» ذلك ولا يأبه.

 

السفير
 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 29-06-2013