السلطان أردوغان - ربى الحسيني

تركيا ليست مصر أو تونس، فحسني مبارك وزين العابدين بن علي كانا دائماً جزءا من النظام، ولم يتعرضا للاعتقال أو التعذيب، ولذلك لم يتوقع أحد منهما سوى أن يواجها معارضيهما بالسوط والرصاص. ولكن لرجب طيب أردوغان قصة أخرى، فهو تعرض لعنف النظام مرات عدة، ولذلك كان مفهوماً أن يتوقع البعض ردة فعل مغايرة منه ضد المتظاهرين، الذين امتدوا من «ميدان تقسيم» وحديقة «جيزي» في اسطنبول إلى أنقرة وأزمير ومرسين ومدن أخرى.

إذا نظر البعض إلى مسيرة أردوغان في الحكم خلال السنوات العشر الماضية، سيرى رجلاً تحوّل من معتقل سياسي إلى رئيس بلدية إلى متحكم بالدولة، من أصغر مسؤوليها إلى رئيس جمـهوريتها. ويعكس تاريخه مع الإعلام، ومن خلال اعتقال صحافيين، وسيــطرته على الأقلام والشاشات، نموذجــاً لحكــم «حــزب العدالة والتنمية» في مواجهة المتظاهرين الشباب.
تعرض أردوغان إلى الاعتقال والتعذيب في العام 1998 ولسبب بسيط: قصيدة قرأها تقول «مساجدنا ثكناتنا.. قبابنا خوذاتنا.. مآذننا حرابنا.. والمصلون جنودنا.. هذا الجيش المقدس يحرس ديننا»، الأمر الذي اعتبر وقتها تشكيكاً بالنظام العلماني. وينقل حسن جمال، في الصحيفة الإلكترونية التركية «تيه 24»، عن أحد رفاق أردوغان القدامى، أنه تم اعتقاله في العام 1977 بسبب مشاركته في تظاهرة غير مرخصة، وتعرض وقتها أيضاً للتعذيب. وليس ذلك فقط بل أنه أيضاً تعرض لمضايقات سببها ارتداء بناته للحجاب. وبالنتيجة، وكمواطن تركي، تعرض أردوغان لعنف الدولة. ولذلك كله، يقول جمال «كنا نتوقع من شخص عاش هذا النوع من التجارب أن يكون متفهماً، صبوراً ومتساهلاً».

ويجدر الاعتراف، أنه خلال محاولاته للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، نجح أردوغان في تظهير صورة الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان. ولكنه ومع مرور الوقت تحول إلى الحاكم الوحيد، وبلغ درجة جعلته يظن أنه «الدولة».

تحول أردوغان إلى مصدر خوف في عالم الأعمال، لأنه رجل يخاف على مصالحه وقادر على فعل أي شيء للحفاظ عليها. ولذلك خضعت له المؤسسات الإعلامية، وهي جزء لا يتجزأ من عالم رجال الأعمال، حتى أنه أصبح صاحب الكلمة الفصل في بعض المواضيع ليحدد ما هو مسموح بنشره. وليس ذلك فقط، بل «أن وسائل الإعلام كانت تلجأ إليه مباشرة أو إلى مساعديه لمعرفة الطريقة التي يجب إن يُعرض بها خبر معين».

وكان أصحـاب الوسائل الإعلامية ورؤساء التحرير يجتمــعون في أنقــرة لمعرفة ما هو الخط الأحمر الذي لا يستطيعون تجاوزه. والأمر لا يتوقف هنا أبداً، بل إن أردوغان كان أيضاً صاحب الكلمة الأخيرة في تحديد من يمتلك الوسائل الإعلامية. وقد انعكس ذلك كله على التغطية الإعلامية للاحتجاجات في «تقسيم».

إن طريقة تغطية وسائل الإعلام التركية للأحداث خلال أسبوعي الاحتجاجات بينت بوضوح قوة الرقابة المفروضة على الإعلام من الافتتاحيات وحتى الكاريكاتور. ونقلت صحيفة «لو موند» الفرنسية أبرز الأمثلة، حين تحدثت عن عرض قناة «سي إن إن» التركية لوثائقي حول حيوانات البطريق في وقت اشتدت فيه الاشتباكات في «تقسيم». أما وسائل الإعلام المعارضة، والتي غطت التظاهرات بالتفصيل، فقد أتهمتها اللجنة التركية للإعلام المرئي والمسموع بالتحريض على العنف. هذا وجه تركيا المظلم.
وليس ما حصل في «تقسيم» أولى سياسات القمع التركية، «فعادة ما يواجَه الفنانون حين يدافعون عن سينما قديمة، أو النقابات حين تسعى للاحتفال بعيد العمال في الأول من أيار، وحتى الطلاب والأكراد والنساء»، كما كتبت «لو موند». ولذلك تدان تركيا من قبل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان منذ سنوات. وقد تم توقيف عشرات المحامين والصحافيين، والأساتذة الجامعيين، حتى أن أردوغان قال مرة، إن «بعض الكتب أصبحت أكثر خطورة من القنابل».

تضم المعتقلات التركية اليوم حوالي 60 صحافياً، أما التهمة فهي «الأعمال الإرهابية». حتى أن منظمة «مراسلون بلا حدود» وصفت تركيا بـ«أكبر سجن للصحافيين في العالم». وقد تراجعت أنقرة من المرتبة 154 إلى المرتبة 170 في ما يتعلق بحرية الصحافة، بحسب المنظمة.

وقصة أردوغان مع الإعلام تتجسد بالفكرة التالية، بحسب ما كتب جمال في «تيه 24»، «كلما رأى أردوغان أن الدولة تتجسد فيه، كلما شعر أنه محق»، فحين غضب من بعض الافتتاحيات النقدية، توجه إلى أصحاب الصحف ليقول لهم «أنتم من تدفعون لهم، راقبوا محرريكم». كما أنه اختصر الأمر بالقول «ليختفِ هذا النوع من الصحافة». وهنا يلفت جمال إلى أن أصحاب الصحف تعلموا الدرس ورضخوا فعلاً لرئيس الحكومة.

سياسة أردوغان أفقدت العديد من الصحافيين عملهم، والعدد بقي في ازدياد، وإذا نظرنا إلى عدد الصحافيين المعتقلين، لعرفنا مباشرة أن حرية الرأي تراجعـت فعلاً.

باختصار: «أردوغان يتدخل بكل شيء، ينظم ويعاقب، ويرافقه كبرياؤه ضد كل من يعارضه. ولذلك عبّر الناس عن غضبهم من تلك السياسة الفرعونية، وخصوصاً في اسطنبول، حيث يعتبر نفسه السلطان».

وحين قرر إطلاق اسم السلطان سليم الأول على جسر فوق البوسفور، لم يأخذ بالاعتبار مشاعر العلويين الذين عانوا من حكم السلطان العثماني. ولم يتوقف هنا، بل قرر من بعدها أن يبني مسجداً في «ميدان تقسيم». ولكن «أردوغان الذي يظن أنه قادر على فعل أي شيء، والذي يهدد بإنزال نصف الشعب إلى الشارع، اختار طريقاً خطراً جداً لا يمكن أن يؤدي سوى إلى تقسيم تركيا».

صحيح أنه تم إخراج المتظاهرين من «تقسيم»، إلا أن جدار الخوف انكسر فعلاً، وفضح أردوغان بعنفه وكبريائه. فضحه شباب يؤمنون بالحرية، ويتابعون وسائل التواصل الاجتماعي، شباب يحاربون من أجل الأخلاقيات، ويحترمون الاختلاف، وكل ما يطالبون به هو احترامهم بالمقابل.

إعداد ربى الحسيني
 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 29-06-2013