أسرى بلا حراب، المعتقلون الفلسطينيون والمعتقلات "الإسرائيلية" الأولى 1948 – 1949

 

الاعتقال والسجون والتعذيب مفردات لا تخص الشعب الفلسطيني وحده، بل عانت شعوب كثيرة من هذه الظواهر القمعية، المعادية للحرية والكرامة الانسانية، وخاصة الشعوب العربية. إلا أن الشعب الفلسطيني هو الوحيد الذي امتدت معاناته على عقود من الزمن على أيدي الغزاة الصهاينة، ان لم نأخذ بعين الاعتبار ممارسات الاحتلال البريطاني قبلهم، كما رواه المناضلون والمقاومون في مذكراتهم، امثال القائد بهجت أبو غربية، الذي خصص عشرات الصفحات للحديث عن الاعتقالات الجماعية في صفوف الشعب الثائر والتعذيب والاعدامات التي كانت ترتكبها سلطات الاحتلال البريطاني في فلسطين.

ومن يتابع اليوم موجات الاعتقال الجماعي والتعسفي التي يشنها الاحتلال في الضفة الغربية، بما فيها مدينة القدس، بين الحين والآخر، تفصل بين موجة وأخرى فترة "هدوء" يتم اعتقال خلالها عشرات المناضلين، لا بد أن يعود الى تاريخ زرع هذا الكيان على أرض فلسطين، وكيفية اعتقال الآلاف من الفلسطينيين والعرب في عامي 1948 و1949. ومن يرصد اليوم اغتيال المقاومين في سجون الاحتلال، ان كان بسبب الاهمال الطبي المتعمد (آخرهم الشهيد ميسرة ابو حمدية) أو التعذيب (آخرهم الشهيد عرافات جرادات) أو الاعدام الميداني في السجن، وفي أثناء أو بعد الاعتقال، لا بد وان يعود الى كيفية معاملة السجناء والمعتقلين بين العام 1948 و1949. ومن يتابع اليوم محاولات المحتل لإبعاد المناضلين والأسرى والمقدسيين وأبناء فلسطين عموما عن الوطن، سيكتشف ان سياسة الإبعاد كانت وما زالت من أهم مرتكزات العدو منذ العام 1948 في تعامله مع الشعب الفلسطيني.

شكلت شهادات الأسرى أو المعتقلين الأوائل لدى الاحتلال، وبعض الوثائق من أرشيف الجيش "الاسرائيلي" ("الملفات المتاحة والمفتوحة أمام الباحثين") وأرشيف الصليب الأحمر الدولي، المادة الأساسية لهذا الكتاب، اضافة الى بعض المقابلات لسجانين وبعض الكتب والمذكرات، ومنها "كنت أسيرا" لقائد سرب الطيران المصري عند الرحمن عنان، الذي صدر في العام 1997 في القاهرة. وبخصوص الشهادات التي تم تسجيل معظمها بين 2005 و2007، في الداخل المحتل عام 1948، يجب التأكيد هنا على أهمية التأريخ الفلسطيني من خلال الروايات الشفوية، بسبب أهوال النكبة ومحاولات طمس التاريخ وعمليات التشويه التي ترتكبها حتى اليوم المؤسسة الصهيونية في فلسطين. إلا انه يجب تدعيم هذه المادة الشفوية بالوثائق المتوفرة والبحث العلمي حتى تصبح مادة موثقة يمكن الاعتماد عليها في الأبحاث اللاحقة. والشهادات المهمة التي نقلها المؤلفان حول الاعتقال والسجون في هذه الفترة المفصلية من تاريخ فلسطين، تعتبر مادة غنية لدراسات أخرى، حول سياسة الاعتقال وسياسة النهب والتهجير، والأجواء الرهيبة التي عاشها كل من بقي في الأرض المحتلة بعد عام 1948. تحتل هذه المادة الخام ما يقارب 140 صفحة من الكتاب.

من خلال الشهادات وهذه الدراسة التي أعدها الباحثان مصطفى كبها ووديع عواودة (الأول هو استاذ جامعي ومؤرخ من مواليد قرية أم القطف في المثلث، والثاني كاتب وصحافي من كفركنا في الجليل)، تظهر الخطوط العريضة التي رسمها الاحتلال بشأن الاعتقال والتعامل مع الشعب الفلسطيني، وخاصة في الأراضي المحتلة عام 1948. اذ كيف يمكن الفصل بين الأمس، حيث اقترح الاحتلال على المعتقلين مقايضة حريتهم بابعادهم عن الوطن، واليوم، عندما يقترح الشيء نفسه على المقاومين الأسرى، كما حصل مع الأسير البطل سامر العيساوي مؤخرا، وأسرى آخرين (اياد ابو خضير على سبيل المثال الذي يرفض ابعاده الى الاردن أو دول اوروبية، وهو ما يزال في السجن رغم انتهاء مدة محكوميته، او سامر البرق). الإصرار الصهيوني على إبعاد كل فلسطيني عن وطنه، يدلّ على أنه يواصل تطبيق نهج التطهير العرقي والديني في فلسطين المحتلة، أي اقامة دولة "الشعب اليهودي" منذ 1948، ويستغلّ كل حدث (معركة كنيسة المهد في بيت لحم عام 2002) أو وضع معيَن (الاعتقال) لفرض الإبعاد عن فلسطين.

ومن الخطوط العريضة الأخرى، التعامل الهمجي والعنصري مع الفلسطينيين في هذه الفترة، كما ورد في شهادات الأسرى وعائلاتهم، والتمييز الطائفي والديني، قبل التمييز على أساس الانتماء السياسي. فان كان الشيوعيون الفلسطينيون قد استفادوا من امتيازات خفيفة في المعتقلات، بسبب اعترافهم بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين وبالتقسيم، قبل ان تنقلب عليهم الأمور بعد السنة الاولى، بسبب تنظيمهم للأسرى وخوض معارك ضد السجانين، حاولت المؤسسة الصهيونية تمييز المسلمين عن المسيحيين وهؤلاء عن الدروز، في عملية الاعتقال والتسهيلات في السجون (زيارات بعض الوجهاء المتعاملين أو مسؤولين أجانب في الكنيسة)، كما تفعل الآن المؤسسة الصهيونية في محاولة تجنيد المسيحيين في أجهزتها الأمنية، بعد أن فرضت التجنيد على الطائفة المعروفية في فلسطين 48. ولكن تلك هي سياسة المحتل، أينما كان، في الجزائر كما في بلدان أخرى من العالم، فهو يحاول دائما تقسيم الشعب الواحد الى فئات متعددة. واتبع المحتل سياسة التفريق هذه، ليس فقط على أساس ديني وطائفي، بل ايضا على أساس طبقي، وسياسي، ومناطقي وعائلي، في داخل المعتقلات.

تراوح عدد المعتقلين في سجون الاحتلال، في هذه الفترة، ما بين 7 آلاف كحد أدنى و12 ألف معتقل كحد أقصى، كما استنتج الباحثان، من خلال مقارنة اللوائح المتوفرة لديهما. ينتمي المعتقلون الى جنسيات عربية مختلفة، ولكن أغلبهم (82%) فلسطينيون. فان كان بعض العرب من العسكريين أو شبه عسكريين، متطوعين أو تابعين لقوات نظامية، فمعظم الفلسطينيين من المدنيين. ورغم الطابع المدني، أصر الجيش الصهيوني، في البداية، على أن يعتبرهم "أسرى حرب"، لأسباب دعائية، في أغلب الظن، محاولا اثبات انه كان يواجه جيوشا ضخمة مؤلفة من العرب والفلسطينيين، وكان يهدف ايضا مبادلتهم بالأسرى الصهاينة الذين وقعوا في أيدي السلطات الاردنية، أي ترحيلهم وإبعادهم عن فلسطين. وعن عملية الترحيل، يبدو أن الأسرى الفلسطينيين الذين تم تهجير عائلاتهم وتدمير قراهم وأحيائهم في هذه الفترة، ولم يبق لهم أي ارتباط عائلي في البلاد، قد وافقوا على ترحيلهم. ولكن تفيد ايضا الشهادات أن العديد من المبعدين تسللوا ورجعوا، وتم اعتقال البعض منهم.

اعتقلت سلطات العدو الفلسطينيين بناءا على لوائح معدة مسبقا، كما تؤكده مصادر مختلفة، ومنها مذكرات صالح البرانسي (في "النضال الصامت، ثلاثون سنة تحت الاحتلال الصهيوني" مقدمة هشام شرابي، 1981) الذي اعتقل فور دخول جيش العدو الى المثلث بعد اتفاقية رودس مع الاردن في العام 1949. ولكن تفيد الشهادات ان عملية الاعتقال كانت غالبا عشوائية، طالت كل فلسطيني من الفئة العمرية 15 – 75 عاما في القرى والمدن التي احتلت ولم يتم تهجير أهلها أو كل أهلها. لقد خضعت العديد من القرى الى ابتزاز المحتلين، الذين حددوا مسبقا عدد قطع السلاح التي يطالبون الأهالي بتسليهما مقابل عدم اعتقال العدد نفسه من الشبان. ولكن غالبا ما كان يتم الاعتقال رغم تسليم قطع السلاح. وكما هو الوضع االحالي، كان يتم الاعتقال وتجميع المعتقلين (الموقوفين هو المصطلح الحالي) في مراكز اعتقال حيث يتم التحقيق معهم قبل انتقالهم الى المعتقل. وتشير شهادات المعتقلين "كثرة عملية نقل المعتقلين من معتقل الى آخر والتي كانت تجري إما بأعداد صغيرة (من 1-9) وإما بمجموعات كبيرة تصل الى المئات" أي انه منذ تلك الفترة، يشكل نقل الأسرى من سجن لآخر سياسة متواصلة في التعامل معهم، ل"إحباط محاولات التنظيم والقيام باحتجاجات داخل المعتقل" ومنعهم من الاستقرار المادي والمعنوي.

لقد تم اعدام الكثير من المعتقلين، رغم تعليمات قيادة الجيش الصهيوني، كما وردت في وثيقة رسمية صادرة عن هذه المؤسسة، تطالب الجنود بمعاملة الأسرى وفقا للمعايير الدولية، والتي بقيت حبرا على ورق، يعود اليها المؤرخون الصهاينة وأشباههم لاضفاء شرعية على وجود الكيان وصبغة أخلاقية على ممارساته. ولكن في الواقع، أعدم السجانون أسرى لأسباب انتقامية أو عنصرية، وتنقل بعض الشهادات كيف كان السجان يطلق النار على الأسير مدعيا انه كان يحاول الهروب. ولكن، بعد الوقت، "بدأت تتكون علاقات بين السجانين والسجناء"اتسمت احيانا ببعض لمحات الانسانية.

ويروي جمعة غنام من طيرة الكرمل في شهادته كيف تم اعدام "بدم بارد" العديد من المقاومين المعتقلين في سجن عكا، بعد محاكمة صورية قصيرة. فيقول : "بعد أن فرغ اليهود من محاكمتنا بقينا حوالي 17 سجينا من أصل 36 سجينا، أي أعدم منا 19 شخصا ظلما وبهتانا دون محاكمة عادلة ولا محامي دفاع."

من أبرز المعتقلات التي زج فيها الأسرى في هذه الفترة، اضافة الى معتقل عكا الذي يقع في القلعة التاريخية، كان معتقل إجليل الذي افتتح في أيار 1948، أي بعد شهر من تهجير سكان قرية إجليل القبلية، "في المباني التي بقيت قائمة"، وهي تبعد عن يافا قرابة 13 كلم في اتجاه الشمال الشرقي. وكانت أول دفعة من المعتقلين فيه، قرابة 50 أسيرا من قرية زرعونة (قضاء الرملة، ومسقط رأس الشهيد فتحي الشقاقي). في هذا المعتقل، تم اعدام سليم اليافاوي الذي كان عضوا في اللجنة القومية التي دافعت عن يافا. وافتتح معتقل عتليت في تموز 1948، جنوب حيفا، في إطار المعسكر البريطاني ثم امتد نحو الغرب في اتجاه البحر. أما المعتقلات الأخرى، الصرفند وتل لتفنسكي وام خالد، لقد اقميت في قرى مهجرة أو بالقرب منها، وتم اعتقال فيها الأسرى الذين كانوا يعملون سخرة أو بالأجر لصالح المجهود الحربي للعدو. وكان معتقل حيفا عبارة عن بيت كبير ملك عائلة فلسطينية استولت عليه الشرطة الصهيونية وجعلته مركز اعتقال مؤقت.

يتضح من خلال ملاحقة موضوع العمل بالسخرة أو بالأجر في المعتقلات الصهيونية، في تلك الفترة، من خلال الشهادات والوثائق المتوفرة، انه قبل الثامن من شهر آب 1948، كانت أعمال السخرة هي السائدة، اذ لم يدفع أي مقابل للمعتقلين الذين كانوا يعملون، ولكن بعد هذا اليوم، بفضل تدخّل "مؤتمر العمال العرب"، الذي ذكّر سلطات الاحتلال بواجب احترام "اتفاقية جنيف فيما يتعلق بتشغيل المعتقلين" ودفع الأجر "في حالة كون عملهم لفائدة السلطة". تشير بعض الشهادات الى الضغوط التي مارسها المحتل لإجبار المعتقلين على الخروج الى العمل، ولكن تفيد ايضا الى أن هذه الضغوط خفّت بعد الاضراب عن الطعام الذي قاده الشيوعيون في المعتقلات. تنوّعت الأعمال التي قام بها المعتقلون، ولكن الأكثر فظاعة هي العملية الممنهجة لاخلاء البيوت من محتوياتها، في القرى الفلسطينية المهجرة. ويروي الأديب محمد البطراوي من أسدود كيف اضطر الى "فك قرميد البيت (الذي كان أبوه قد ركّبه قبل ذلك بعام وأكثر ليس إلا) وتحميله" دون معرفة السجان عن العلاقة التي تربط الأسير بهذا البيت.

ما زال تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة يعاني من الغموض والثغرات والتوثيق العلمي، في معظم مراحله. يسد هذا الكتاب القيّم البعض منها، لا سيما في السنوات الأولى لقيام كيان العدو، ويمكن اعتباره خطوة الى الأمام في هذا المسعى، اذ أورد تفاصيل عديدة تساعد الباحث والمهتم بشؤون الأسرى وبتاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله ومقاومته ضد الكيان المحتل على فهم هذه الظاهرة التي أصبحت جزءا مهما من تاريخ النضال الفلسطيني، أي الحركة الأسيرة، التي يمتد تاريخها الى فترة الاحتلال البريطاني. ويمكن في هذا الصدد متابعة دور الهيئات الدولية في التغطية "القانونية" على ممارسات الاحتلال وكيفية اقحام مصطلح "حقوق الانسان" في القضايا السياسية والكفاحية.

لا تزال حقبات من هذا التاريخ الحديث مهمشة من قبل الباحثين والمؤرخين، كالفترة الممتدة من 1950 الى 1967 التي يغطيها الجهل والنسيان. فاستعادة الذاكرة وتسليط الضوء على كافة المراحل التي عاشتها الحركة الوطنية الأسيرة يساهم في توحيد الشعب الفلسطيني، في كافة مكوناته، لمواجهة الذين قسموا البلاد والتاريخ واعتبروا ان الأراضي المحتلة عام 1967 هي فلسطين. كما ان العودة الى ما قبل الغزو الصهيوني، أي الى فترة الاحتلال البريطاني يساهم في فهم أعمق لدور القوى الغربية في زرع هذا الكيان واستحالة الاعتماد عليها للتخلص من الاحتلال والتبعية، وهي التي زجت الآلاف من الشباب الثائر في سجونها وأعدمت المقاومين الأسرى، الشهداء عطا الزير وفؤاد حجازي ومحمد جمجوم، في يوم 17 حزيران سنة 1930. فان تم تخليد ذكراهم، كم من المجاهدين والمقاومين ينتظرون نبش الذاكرة وكتابة الابحاث القيمة، لاستعادة تاريخ البطولة الفلسطينية، تستوقف الجيل الصاعد وتساعده على مواصلة طريق النضال والفداء ؟

المؤلفان : مصطفى كبها ، وديع عواودة
دار النشر : مؤسسة الدراسات الفلسطينية، حزيران 2013

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 30-06-2013