ذهول غربي من قدرات «ايغوز» حزب الله على تعديل خطة «نطح الحائط» في القصير - ابراهيم ناصرالدين

بلغت سذاجة وزير حليف مكلف بالحوار مع حزب الله لاقناعه بالعدول عن موقفه المؤيد للتمديد للمجلس النيابي،انه اقترح على مفاوضيه ان يطلب الحزب من كوادره وعناصره العودة من «الجبهة السورية» يوم اجراء الانتخابات، «فكلها 24 ساعة» وكل شيء يعود الى طبيعته، فهذه معركة وتلك معركة فلماذا لا نخوضهما في الوقت نفسه؟هذا السؤال على «طرافته» يدل على ضيق افق معظم القيادات السياسية اللبنانية التي لا تدرك حتى الان ان الحرب الفعلية التي يخوضها الحزب في سوريا،ليس فقط ضد «التكفيريين» وانما ضد الجيش الاسرائيلي المتورط مباشرة بالحرب ويقدم الدعم الاستخباراتي واللوجستي والعملي على الارض للمسلحين.

فكلام الرئيس السوري بشار الاسد وربطه مشاركة حزب الله في المعارك بالصراع مع اسرائيل،بعد ساعات على مجاهرة الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله بهذا «التدخل» واسهابه في شرح عناوينه العريضة، يؤكد ان هذا الدخول المدروس والمباشر لحزب الله في الحرب لم يكن ارتجاليا او عبثيا، بل جاء بعد معلومات موثقة عن تفعيل اسرائيل لتدخلها العملاني على الارض،وتشير المعلومات المتوافرة الى ان التورط الاسرائيلي في ما يحصل في سوريا بدأ يتكشف بعد سلسلة من الاعتقالات في صفوف المسلحين وعمليات رصد الكترونية، ومتابعة على الارض، افضت الى نتائج موثقة تشير بوضوح الى تورط اكثر من وحدة «نخبوية» في الجيش الاسرائيلي بمهمات محددة في سوريا الى جانب «جيش» من الاستخبارات العربية والاقليمية والدولية،وتبين ان الوحدات الاسرائيلية تعمل بالتنسيق الكامل مع جهاز امني موحد يقوم بتوفير المعلومات الاستخبارية اللازمة لتنفيذ العمليات داخل سوريا.

وتفيد تقارير موثوقة ان المعارك في القصير وريفها كشفت عن حجم التورط الاسرائيلي لمنع حزب الله والجيش السوري من استعادة تلك المنطقة الاستراتيجة الهامة، واذا كان «عملاء» الموساد يتولون المهمة في تلك المنطقة لادارة شبكة الاتصالات المتطورة للمسلحين،فقد تم التعرف على اكثر من وحدة نخبوية تعمل في سوريا، ومنها وحدة «شالداغ» وهي الوحدة التي تم رصدها في اول الامر، وهي وحدة «الكوماندوس» التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، ومهمتها الرئيسية تحديد أهداف العدو وتوجيه الطائرات الحربية الإسرائيلية والطائرات بدون طيار لإصابة الهدف، وقد واجه حزب الله هذه الوحدة اكثر من مرة خلال الاحتلال الاسرائيلي للجنوب، وقد كلفت هذه الوحدة بتوجيه الصواريخ المتطورة التي استهدفت المواقع السورية قرب دمشق، حيث تتفوق هذه الوحدة على باقي الوحدات النخبوية لأن عناصرها متصلون مباشرة بالشيفرة الخاصة بطياري سلاح الجو الاسرائيلي. وقد شارك عناصر الوحدة بشكل فعال في الهجوم الإسرائيلي عام 2007 على المفاعل النووي السوري في دير الزور.

اما وحدة «سييرت متكال» أو سرية الأركان فتعتبر من أكثر وحدات الجيش الإسرائيلي نخبوية، وافرادها هم الاكثر حيوية على الاراضي السورية، فدور هذه الوحدة منذ انشائها هو القيام بعمليات عسكرية معقدة خلف خطوط العدو، وعمليات التصفية في الخارج، ومن الناحية التنظيمية تتبع هذه الوحدة لرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) بشكل شخصي.وبحسب المعلومات فان عناصر هذه الوحدة يقومون بعمليات داخل الاراضي السورية، منها زرع الأجهزة الالكترونية للتنصت،ورصد ومتابعة تحركات الجيش السوري على الارض واجراء تقويم لقدراته العسكرية، وتأمين معلومات حول خارطة انتشار الاسلحة الكيميائية والصواريخ البالستية البعيدة والمتوسطة المدى.

كما تشارك وحدة الكوماندوس البحرية، المعروفة باسم «شيطييت13»، في العمليات وهي تعتبر الوحدة المختارة التابعة لسلاح البحرية الإسرائيلي،وقد رصدت السفن الروسية تحركات تلك الوحدة قبالة الساحل السوري في الفترة التي بدأ فيها الخبراء الروس بتطوير رادرات صواريخ ياخونت البحرية.

هذا التدخل الاسرائيلي الفاضح مرشح للأزدياد والتمدد خصوصا ان اوساط ديبلوماسية في بيروت تحدثت امام بعض الشخصيات السياسية اللبنانية عن حالة من «الذهول» في الاوساط العسكرية الغربية ونظيرتها الاسرائيلية ازاء التبدل النوعي والسريع في الخريطة العسكرية على مختلف الجبهات السورية التي شارك فيها مقاتلو حزب الله بفعالية، وتبين ان التقديرات الموضوعة والتي ارتكزت فقط على عدم قدرة الجيش السوري على مواجهة حرب العصابات، فشلت، لانها لم تلحظ اي امكانية لقيام قيادة حزب الله بتلك الخطوة الجريئة في الدخول بكامل العدة والعتاد في المواجهات.

وشبهت تلك الاوساط فعالية قوات النخبة في حزب الله بوحدة «إيغوز» الاسرائيلية التي تم تشكيلها في العام 1993 لتكون رأس الحربة في مواجهة مقاتلي الحزب في جنوب لبنان، حينها استثمرت القيادة العسكرية في الجيش الإسرائيلي الجهد والإمكانيات في تشكيل هذه الوحدة، التي كان هدفها إعادة الاحترام للجيش الإسرائيلي في أعقاب سلسلة إخفاقاته أمام مقاتلي حزب الله،لكن التجربة الراهنة في معارك القصير تفيد ان الحزب استفاد بشكل مذهل من تجربة تلك الوحدة ويطبق على الارض تكتيكات كانت تستخدمها خلف «خطوط العدو».

وكان من السهل على الارض تمييز عناصر تلك «الوحدات الخاصة» والتي ما تزال تشكل رأس حربة في العمليات القتالية التي ادت الى تساقط القرى المحيطة بالقصير كأحجار الدومينو،وعمليا كان لها الفضل في تغيير مسار المعركة خلال الساعات القليلة الماضية بعد ان غيرت من الخطط التكتيكية على الارض، فبدل الاستمرار في «نطح الحائط» في القسم الشمالي في القصير، وهو التعبير العسكري لوصف التحصينات المحكمة في تلك المنطقة، قادت تلك الوحدات عملية الالتفاف على ذلك «الحائط» من خلال الدخول الى مطار الضبعة والقرى المحيطة به، وهي عملية التفاف «عبقرية» ستؤرخ في العلوم القتالية،لانها تمت بوقت قياسي، وباقل الخسائر الممكنة،بعد ان ادخل الحزب الى ساحة القتال سلاح صاروخي جديد حل مكان سلاح الجو السوري،نظرا لتداخل جبهات القتال،وقوته التدميرية هي محل متابعة في اسرائيل خصوصا ان كلمات السيد نصرالله حول تدمير بناء في تل ابيب مقابل تدمير اي بناء في الضاحية شهد او تجربة عملية. ويضاف الى ما تقدم اسلوب القضم الممنهج للمناطق المتبقية تحت سيطرة المسلحين في المنطقة والتي حلت مكان تكتيك الهجوم الشامل الذي حقق اهدافه الاولية في بداية المعركة،رغم التكلفة البشرية المرتفعة، لكنه لم يعد مجديا في مرحلة قتال الانفاق المتواصلة بنجاح.

اذا تخوض اسرائيل حربا «بالوكالة» مع حزب الله على الاراضي السورية، هي تحرص حتى الان على ابعاد قواتها النخبوية عن خطوط التماس المشتعلة تجنبا للوقوع في «المحظور»، لكنها تنظر بقلق كبير الى التحولات الاستراتيجية على الارض ولا يبدو انها تملك اجابات واضحة لمواجهة هذا التحدي الجديد،ولان الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، خاصة اذا ما سلمت روسيا صواريخ اس 300 الى دمشق، فقد اختار حزب الله تحضير نفسه لأسوأ السيناريوهات، ومن خلال اندفاعته في الحرب الاستباقية في سوريا، تبنى بوضوح ما قاله ميكيافيلي يوما، «أن يهابك الآخرون أهمّ من أن يحبّوك».

الديار

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 01-06-2013