محمد كناعنه- أبو أسعد - "وين البلد"

سؤالٌ يتردّد على ألسنة العديد من الناس في مجتمعنا العربي ممن ضاقت بهم سُبل الصَبر من مأساة المشهد في مشهَد المأساة، تسمع أَقوالهم فتعتقد أن ميدان التحرير في البلد سوفَ يلتهب، تشعُرُ بتنهُداتهم والغيظ يفيضُ غضباً على واقع حال غدا أشبه بالجحيم وكأَنَّ النار سوف تشتعلُ في تلابيب الجَهل والتخلُّف، لا مُبالغة فيما أقول من كلامٍ حولَ مأساة المشهد الذي يلفُّ حياتنا ويلتف حولَ أعناقنا ويَسدلُ الستار عن جماليّةِ الربيع الذي لا يأتي إلاّ بإذن من الشتاء ولا يودّعنا إلاّ ليغرُس فينا طعمَ الشَوق ومعنى أن تتجدّد بعدَ حرٍّ ينسابُ بينَ أغصان الجداول الزاحفةِ صوبَ نهر الحياة، وخريف العُمر يقترب لِيَفنَى الجسد ومن بَعدِ الغناءِ وأنينُ الناي لا سرَّ للوجود، والفراشاتُ ألوانٌ وأشكال تبعثُ البهجة في بسمات الأطفال وضحكاتهم وهم يقفزون على رؤوس أصابع أقدامهم بين أزهار الربيع المتَجدِّد، رونقاً وعطراً وحُلمٌ، كالعروس في بياضها، كالمرأة في عنفوانها، كالبسمة في سِحرها، كالموج يُداعب رمال الشاطئ ويرسُم في انسحابهِ صوبَ البحر صورة الله الساكن فينا صفاءً ونقاءً ومحبّةً.

أما آن الأوان لِنُمزّق هذا الحاجب الاسود بينَ ما كان في حَضرةِ البيدر ومَوسم الحصاد وحَلقةُ كانون النار وما آلَ بنا الحال في غزوةِ شَهوة المال والهاتف النقّال والسباق مع العَصر إستهلاكاً لا إنتاجاً، فساداً لا أخلاقاً، وهل في ظلّ ما نشهَد، كثيرٌ علينا أن نَحلم بالعودة إلى نَسيجنا المفقود والممزّق على مذبَح الصَمت حتى غَدونا أُمّة صامتة، نسكُت عن الكلام في حضرة الصمت الذي باتَ سيّداً في نهجنا ومنهجنا، نَصمتُ عن الخطأ عن الظُلم والفساد، عن العهر السياسي والنفاق الاجتماعي، نغضُ الطرف عن التجارة بالدين والمُتاجرةِ بالوطن والتلاعُب بالقضية.

هذه الصرخة منَ المُمكن حملَها من سُوريا إلى فنزويلا عبرَ تركيا ومصر وقطر وليست إنتهاءً بعرابة أو مجد الكروم أو لجنة المتابعة مروراً براديو الشمس وقوفاً عندَ سيّدة الاعلام سناء لهب، الاعلامية الأقوى في مُجتمعنا العربي في هذه البلاد المنكوبة بمُثقفيها وأكادمييها وإعلامييها، والأنكى أَنّها كذلك بسياسييها- ومن باب الانصاف أقول أنّ لكلِّ قاعدة إستثناء، والاستثناء موجود وحاضر في المشهد، لكنّهُ وللأسف صامت- ولا يُمكن لنا أن نعتمد نشاط الفيسبوك، كوجه للمقارنة أو المحاججة، فدُعاة التغيير من على هذه الشبكة لا يُعدّون ولا يُحصَون ورَصيدهم على الشارع صفر كبير جداً جداً.

ونبدأ من هُناكَ، من حيثُ تُطلقُ الصرخة الموجعة كلّ يوم جمعة مساءً، ملفات تُفتح في برنامج وضعَ نصبَ عَينيهِ كسرَ حاجزَ الصمت رافعاً شعارَ "لا صمتَ بعدَ اليوم"، في مُجتمع مًتحضِّر من المفروض أن يخلق الاعلام رأي عام حول قضايا حارقة تمس حياة هذا المجتمع، وليسَ صُدفة أنّنا دائماً نتحدّث عن الاعلام العبري على أنّهُ إعلام مُجنَّد، وهو كذلك بالفعل، وفي أحيان عديدة شاهدنا كيف أنَّ هذا الاعلام يدفع السياسيين الصهاينة إلى تصعيد العدوان على غزة أو لبنان في قضايا التحريض على الجماهير العربية الفلسطينية في البلاد، ولكن هل يملُك إعلامنا العربي في الداخل الفلسطيني قوة تجنيد رأي عام حول قضايا لا عدَّ لها ولا حصر من الفساد، قبلَ أشهر معدودة فُتح ملف لجان الحج والعمرة وتقرير لجنة تقصي الحقائق المكلّفة من قبل لجنة المتابعة العليا، بانَ للعيان حجم الفساد والنهب باسم الله على الأرض، وكان مصير التقرير الدفن في مقبرة المصالح الفئوية والذاتية ووراءَ الأكمة مالٌ ومالٌ ومالْ.

في بلدنا خليفة وأتباعٌ تُبّع، يعتدي على من يشاء منهُم ونساءَهُم تغسلُ قدميهِ بالماءِ والملح ليُحافظ على صلابة الجسد ليوم الفتح العظيم، ويأمُرَهم بقطع صلة الرحم، البلد تَعلم وتدري، الناس يِسمعونَ والصمتُ سيّدهُم، كانَ حواراً فاضحاً لكلّ المعايير على الهواءُ مباشرةً، وحينَ بكتْ الاعلامية سناء لهب والمحامي جمال شعبان حتماً بكى معهُم زُجاج الاستوديو على ذاكَ البلور الطفولي المنكسر في مرآتنا.

في سوريا تتضح خيوط المؤامرة أكثر وأكثر، تركيا أمريكا إسرائيل قطر السعودية جون ماكين القرضاوي الحريري وما زال بعضُ أدعياء "اليسار" يقولون "بالثورة" في سوريا، وفي فنزويلا عندما قامَ بعض مئات الآلاف من الشعب ضدّ الراحل هوغو تشافيز بدعم وتحريك أمريكي لم نكن معهم لأنّهم أعداء للثورة وهذا الحال في نيكارغوا أيام الكونترا وفي كوبا، فليسَ كل من خرجَ للشارع هو ثائر، ونحنُ نعم مع الشعب السوري ضدّ المؤامرة وفي سَعيهِ نحو الحريّة والديمقراطية، والى جانب سوريا قيادة وشعب في مواجهة مشروع إسقاط دولة الممانعة والمقاومة.

قد تَفيضُ المشاعرُ والافكارُ، وتتنوَّعُ المشاهد، شمسٌ تغيبُ هناك، وأخرى قد تُشرِقُ هنا، مركَبٌ يُبحرُ صوبَ الجنوبِ وآخر يأتي إلى شاطئنا، وتبقى البوصلةًُ واحدة، كما الربٌُّ واحد، فالعدالةُ ومصلحةُ المظلومينَ والمقهورينَ هيَ بوصلتُنا، يُؤلمُ أن تكتُبَ لمن لا يقرأ كما يؤلم أن تصرخَ ولا أحدَ يسمع، ولكن رغم ألمِ هذا وذاك يبقى حقٌّ علينا أن نستمرَّ في محاولة كسرِ حاجز الصمتِ هذا بالكلمةِ المكتوبة، بالموقف في مُعاداةِ كلّ ظلمٍ، أو حتى بدمعةٍ على الأثير مباشرة.
 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 09-06-2013