رسالة الى دمشق - بقلم : فؤاد شريدي


كما يجثم التائه في الصحراء على حافة بئر مهجور تصدعت جنباته وجف منه الماء ... أجثم امام اوراقي وامتشق قلمي لأكتب كعاشق يكتب لحبيبته الرسالة الاولى ... ويكاد قلبي يسقط من صدري على دفاتري واوراقي ... لانني اكتب رسالة الى مدينة القديسين والانبياء ... الى مدينة اسمها دمشق .. الى المدينة التي قال عنها الله سبحانه وتعالى .. ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ..

ماذا عساني اقول لدمشق ... لمدينة فتحت ذراعيها للسيد المسيح .. عيسى بن مريم عليه السلام .. ليقيم كنائسه ... ليتقدس اسم رب جميع البشر وتسمو الوهيته ..

ماذا اقول لدمشق ... وماذا اكتب عن دمشق ... دمشق التي كتبت بدمها تاريخا من صفحاته اشرقت شمس الحضارة البشرية ..

باي حبر ... وباي ابجدية اكتب لدمشق .. التي فتحت ذراعيها لخاتم النبيين والمرسلين محمد صلوات الله وسلامه عليه .. حضنته قبل النبوية تاجرا .. وعانقته نبيا ورسولا ليقيم المساجد لعبادة الله الواحد الاحد .

ماذا اقول لك يا دمشق ... يا مدينة القديسين والانبياء .. يا مدينة الياسمين .. وشقائق النعمان .. يا مدينة على ارضها انتصرت انسانية الانسان .. دمشق يا مدينة الحب والشمس والعصافير والشعراء .. اذا كان المجد قصيدة شعرية .. فانت فيها بيتٌ من اجمل الابيات .. دمشق كل الغزاة رحلوا عن ارضك وتلاشوا وصاروا اكواما من الرماد .. دمشق يا اخت بيروت والقدس وعمان وبغداد ... يا مدينة لم يُخلق مثلها في البلاد .

في تاريخ سورية القديم .. في غابر الازمان .. وقبل هبوط الاديان كان السوريون يعبدون الها اسمه ادونيس .. هذا الرب الخرافي ... ادونيس الفتى الوسيم الذي ذهب ليصطاد الأيائل لحبيبته عشتار .. فغدر به خنزير بري .. بعد صراع استمر لوقت غير قصير .. سقط على اثره العاشق الوسيم ادونيس صريعا مضرجا بدمه .. وخالط دمه مياه الينابيع والانهر في ارض سورية ... واغلب الظن ان العاشق السوري ادونيس ما زال ينزف ... لان الانهار والينابيع ما زالت تتدفق في الارض السورية ... ومنذ ذلك التاريخ .. ما زال الليطاني يعانق بردى تخليدا لهذه الاسطورة السورية الرائعة ..

سورية الطيبة بارضها وشعبها توغلت في شعاب الازمان .. واهتدت الى معرفة الرحمن الله الواحد الديان .. تخلت عن الشرك وعبادة الأوثان .. واحتضنت رسالتين سماويتين الرسالة المسيحية والرسالة الاسلامية المحمدية ... ومن ارضها انطلقت هاتان الرسالتان الى جميع اصقاع الدنيا ..

دمشق يا مدينة الحب والياسمين ... من اين جاء اليك كل هذا الحشسد من القتلة والمجرمين ... امن دم مسيلمة الكذاب .. ام من دم ابي لهب .. ام من دم ذاك الخنزير البري الذي صرع فتاك الوسيم ادونيس ؟؟؟ ... انا الان احاول العبور من نافذة جرحك .. لأشهد ان دم ادونيس قد استيقظ ليجري في سواعد جيشك البطل ليصرع الخنزير البري في مدينة القصير والضبعة وعلى معبر الجولان .. وفي حلب الشهباء ...

من اين جاءت اليك هذه الوحوش يا دمشق .. التي تجتث الرؤوس وتقطع الاوصال وتأكل القلوب والاكباد .. امن سلالة هند بنت ابي عتبة الاعور التي اكلت قلب حمزة عم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم .. ام من دم ذاك الخنزير البري الذي قتل فتاك الوسيم ادونيس في قديم الزمان ... ؟؟؟ ..

لقد جاءوا اليك يا دمشق من كل مكان .. من ليبيا ومن اليمن ومن السعودية وقطر والشيشان .. متسترين براية لا اله الا الله محمد رسول الله .. والتاريخ يشهد .. انك لم تكوني يوما الا مع الله ورسوله .. ومن ارضك انطلقت الرسالات السماوية والاديان .. لقد جاءوا اليك كاسراب الجراد ليغتالوا ياسمينك ومواسمك .. وحضارتك وانسانيتك ... لقد جاء رجب طيب اوردغان .. حاملا خنجر هولاكو وجده جنكيزخان متخفيا بعباءة الخليفة والسلطان ... هل استيقظ المغولي التركي عثمان الاول بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية .. ليفتح حدود امبراطوريته .. لهذا الحشد من القتلة والمارقين .. ليستبيحو دم اهلك باسم الدين ؟؟؟

من جرحك يا دمشق اعبر لأرى بام عيني ... ادونيس ينهض من دمه ... ليصارع الخنزير البري .. ويقتله في مدينة القصير وفي الضبعة ومعبر الجولان .. وفي حلب الشهباء .. وارى انطون سعادة .. ينهض من دمه ليصرع التنين الذي غدر به ليلة الثامن من تموز عام 1949 ويخاطب امته .. سيظل هتافنا يدوي في العالم لتحي سورية بشامها وفلسطينها وعراقها واردنها ولبنانها ..

امام جسدك المثخن بالجراح اقف يا دمشق .. اجمع دمي المبعثر باقة ورد لأضعها على أضرحة الآف الشهداء من جيشك الباسل الذي سطر تاريخا من البطولات لم يعرف التاريخ لها مثيل .. لم نقرأ في كتب التاريخ ان جيشا شُنت عليه حربا عالمية صمد وانتصر كما انتصر جيشك السوري البطل .. من دم شهدائك يا دمشق ستشرق شمس انتصارك الأكيد ..

من نزف جراحي كتبت اليك رسالتي يا دمشق .. وسأظل اكتب لك حتى تصل اغصان ياسمينك الى السماء .. لينثر وريقاته البيضاء .. فوق القلوب السوداء ولكي تنتصر المحبة على الحقد والبغضاء .. وتمطر السماء عطرا من رياحين غوطك الخضراء .. في ختام رسالتي يا دمشق لا اقول لك وداعا .. بل أقول الى اللقاء



فؤاد شريدي

سدني – استراليا

11-6-2013

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 11-06-2013