أوقفتْ جريدة "العرب اليوم" نشر مقالات الكاتب، ابتداءً مِِنْ هذا المقال الذي كان من المفترض أنْ يُنشر اليوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إلى أين تريدون الذهاب بالبلاد؟ - سعود قبيلات

اختطَّتْ السياسة الأردنيَّة الرسميَّة، بوجهٍ عامّ، خطَّاً حذراً تجاه الصراع الدائر في سوريَّة، منذ نشوئه وإلى فترة قريبة. بالطبع، لم تسر الأمور دائماً وفق هذا الخطّ وتلتزم تماماً بمساراته؛ إذ كان ثمَّة انفلات في الحدود، أحياناً، وتسريب مسلَّحين، في بعض المراحل، وبلغ الأمر، أحياناً، حدَّ إصدار بيانات صريحة مِنْ بعض الجماعات المحليَّة تقول فيها إنَّها أرسلتْ أعداداً كبيرة من المسلَّحين للقتال في سوريَّة. كما أنَّ الصحافة الأميركيَّة سرَّبتْ قبل أشهر معلوماتٍ تقول إنَّه ثمَّة مراكز تدريب أُقيمتْ على الأرض الأردنيَّة يقوم فيها مدرِّبون أميركيّون بتدريب مسلَّحين للقتال في سوريَّة، واُستُقدِم جنود وضبّاط أميركيّون، علناً، للبلاد، على خلفيَّة الصراع الدائر في سوريَّة. الأمر الذي أثار الكثير مِنْ مظاهر الشكّ والريبة والاعتراض، محليّاً وإقليميّاً ودوليّاً. وقد التزمت سوريَّة الصمت، غالباً، حيال هذه التجاوزات، أو في أسوأ الأحوال، اكتفتْ بالإشارة والتنبيه والتذكير بالمبادئ الأساسيَّة للعلاقات بين الدول، خصوصاً الشقيقة منها والجارة. إدراكاً من الأشقَّاء السوريّين – بتقديري - للضغوط الكبيرة التي تُمارَس على الأردن، وبأنَّ الحفاظ على أمن الأردن وكيانه مصلحة سوريَّة، مثلما أنَّ الحفاظ على أمن سوريَّة وكيانها مصلحة أردنيَّة لكلّ أردنيّ وطنيّ يمتلك قدراً كافياً مِنْ بُعد النظر والشعور بالمسؤوليَّة. والمسألة، هنا، ليست مسألة عواطف وتقييمات رغبويَّة، بل هو تقدير واقعيّ موضوعيّ. لأنَّ القوى التي تستهدف وجود الأردن ومصالحه هي نفسها القوى التي تستهدف وجود سوريَّة ومصالحها.

لكن الغريب في الأمر، هو أنَّ السياسة الأردنيَّة الرسميَّة، انحرفتْ عن خطِّها، ذاك، فجأة، في ربع الساعة الأخير؛ وبالتحديد عندما بدا واضحاً أنَّ سوريَّة وحلفاءها يكسبون الحرب بكلّ مستوياتها العسكريَّة والسياسيَّة، وأنَّ الطرف الآخر، المحلِّيّ منه والإقليميّ والدوليّ، يخسر، ويتراجع، ويبحث عن سبل تساعده على الخروج مِنْ الصراع بأقلّ ما يمكن من الخسائر. في هذه اللحظة، بالذات، بدلاً مِنْ أنَّ تعزِّز السياسة الأردنيَّة الرسميَّة موقفها السابق الذي اتَّضح أنَّه كان يتَّسم بقدرٍ من الحكمة والانسجام مع المصالح الوطنيَّة، انحرفتْ فجأة، لتتَّخذ خطّاً منحازاً يشبه ذاك الذي بدأتْ تتخلَّى عنه أطراف أخرى، إقليميَّة ودوليَّة، سبق لها أنْ سارت فيه واكتشفتْ فشله ومخاطره.

إنَّ مناورة "الأسد المتأهِّب"، التي قوامها الأساسيّ قوَّات معادية لسوريّة، وللأردن، أيضاً، وللأمّة العربيَّة؛ وكذلك استقدام صواريخ باتريوت وطائرات إف16 إلى الأرض الأردنيَّة، هي خطوات خاطئة لم تستفزّ سوريَّة، وحدها؛ بل، أيضاً، إيران وروسيا. ثمَّ تلى ذلك الهجوم الأخير المبرمج على السفير السوريّ مِنْ وزير الخارجيَّة العابر للحكومات، السيِّد ناصر جودة، ومِنْ بعض الأوساط البرلمانيَّة المحسوبة على خطِّه. وقبل ذلك، جرى افتعال المشكلة المعروفة مع السفير العراقيّ ومحاولة حشد الرأي العامّ، مذهبيّاً وطائفيّاً ضدّه وضدّ حكومته. لا شيء مِنْ ذلك يمكن أنْ يخدم مصلحةً بلادنا وأمنها ومستقبلها في الظروف الجديدة للمنطقة والعالم.

يتشكَّل، الآن، بجوارنا، حلف قويّ وذو امتداد غير مسبوق؛ يبدأ مِنْ لبنان ويمرّ بسوريَّة (التي ستصبح قريباً دولة مركزيَّة متنفِّذة في الإقليم، وتمتلك ثروة هائلة من النفط والغاز)، والعراق، وإيران.. إلى أنْ يبلغ الصين وروسيا. ولم يبدِ هذا الحلف أيّ موقف عدائيّ للأردن أو أيّ نوع من التهديد لكيانه؛ بل، على العكس مِنْ ذلك، فهو، يمثِّل، موضوعيّاً، قوَّة احتياطيَّة جبَّارة لمساندتنا على مواجهة المخطَّطات الخطيرة التي يدبِّرها الحلف الآخر ضدّ بلادنا وضدّ القضيَّة الفلسطينيَّة. بل إنَّ أطرافاً عديدة من هذا الحلف الذي تشكَّل حول سوريَّة (إيران، روسيا، العراق) قدَّمتْ عروضاً جدّيَّة لمساعدة الأردن اقتصاديّاً.. نذكر منها، على سبيل المثال، عرض النفط الإيرانيّ، ومشروع مدّ خطّ للنفط من العراق إلى العقبة. بالمقابل، فالحلف الآخر الذي انجرّ الأردن الرسميّ مؤخّراً للسير في خططه وترتيباته ضدّ سوريَّة، لم يقدِّم لنا أيَّة مساعدات جدِّيَّة، وظلّ يبتزّ بلادنا طوال المدَّة الماضية بهدف دفعها لانتهاج سياسات معادية لمصالحها.. لا تقف عند حدود توريطها في الصراع الدائر في سوريَّة، بل تتعدَّى ذلك، إلى إجبارها على اتِّخاذ خطوات جدّيَّة على طريق تصفية القضيَّة الفلسطينيَّة على حساب كيانها الوطنيّ، وإراحة "إسرائيل" مِنْ أعبائها وتبعاتها. وهذه أمور معلنة، تقريباً، ولا تحتاج إلى تكهّنات واستنتاجات. فإلى أين يسير بالبلاد هؤلاء الذين يحرقون جميع سفنها ويدمِّرون جميع خياراتها، إلا ما يقودها إلى الانتحار بالخضوع لضغوط أعدائها والاستجابة لاشتراطاتهم الخطيرة والمدمِّرة؟

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 12-06-2013