محمد لافي الوجع حد الموت في استلهام استثنائية القصيدة !!! - محمود حامد



في زمن الوجع والفاجعة, وارتباك العين فيما تعيشه من ارتباك المرحلة, وما تمخض عنها من مآسٍ داميةٍ, ومشاهد ضارية توشك أن تصل إلى حد الجنون الآثم, والذي تجاوز في فوضاه العارمة, ما لا يخطر في احتمال الظنون, بينما هو قائم وواقع ضمن حقائق اليقين, والتي تؤكد على أن ما يجري بحقيقته المطلقة, وما نراه نراه يقيناً بالعين المجردة, من خلال أمورٍ وأحداثٍ كانت تنسجها يد الغيب بضراوة في غيابها البعيد, وعندما تفجر انهمارها الضاري العاتي كالزلزال, فاجأتنا المباغتة الموجعة, واكتسحتنا بجنونها العاصف, فإذا بنا, في خضم ما يجري, سنابل طريّة العود, لم يكتمل, بعد, نموها الحياتي والوجودي, لم تستكمل, بعده, نهوضها الراسخ لتثبيت قدمها على حافة الكون الإنسانية , طامعة بجزء من الصدارة المتقدمة احتذاء بكينونات أخرى متقدمة تجاوزت فلكنا الكوني باتجاه الكواكب والمجرات القصية ,متجاوزة المعقول واللّامعقول الكونيّ بحثاً وتقنيةً , وكنّا نحن , ومازلنا , تلك السنابل الطرية الغضة , ما أن هبت العاصفة حتى كسرتنا على وجع انهيارنا لما آلَ حالنا إليه !!! في مطلع ألفية ثالثة , يتجاوز البشر حدود الوجود , ونحن نمضي سريعاً باتجاه الهاوية , والخراب والمستحيل , وكأننا لا شيء مطلقاً في عالم زاخر بالتقنيات , والاختراعات , والاكتشافات المذهلة , بينما عالمنا المتناثر بجغرافيتة الممزقة , وخرائطه المبعثرة هنا وهناك كما نحن في مواجع الدم والشتات والأسى ,صنوفاً من العثرات الضالة , هكذا نبدو كأننا خارج الحضارات كلها , خارج التاريخ , وجغرافية الزمان والمكان !!! شتات قبليّ ينهض على ذكريات الطلول , يصحو , ويغفو , يغيب في حال من الوجع المؤرق والدامي , لا يكترث بما يجري , ويرقب الأحداث المستحيلة بعين انكسر ضياؤها , ذلك الوميض الزجاجيّ المتناثر حول مشاهد خارقة ,ما اعتدنا عليها , ولا تصورنا أن تباغتنا, ونحن في أشد حالات التشرذم , والعبثية , والهذيان والجنون المارق !!؟ في هكذا حال : كيف نفكر بالشعر , والحياة , بابتسامات عابرة تنسينا ـ للحظات ـ ما نحن فيه !!؟ بخلوّ الذهن إلا من الشعر والسّمر والذكريات , ومواقد الحنين والتذكّر , ومساءات ندية , وذكريات دافئة طرية كأعواد القصب الطرية يوقد عليها فينبعث بخور عطرها ليسكر سمارها !!؟ أيٌّ من هذه الأشياء , ونحن نعيش أسوأ الخراب التاريخي وجوداً , وجغرافية , وانكساراً وضبابية رمادية قاتمة لم تترك لنا إلا اللون الأسود في ضراوة عتمته , حيث نبحث فيه عن وميضٍ ما , فلا نرى إلا ظلماتٍ بعضها فوق بعض , نهرب من الخراب إلى الشعر , نذهب إلى محمد لافي , ثم نخلد إلى معناه الموجع الأرق , فنراه أيضاً غارقاً في أساه , وأرقه , وفيضه الأرجواني الحزين : فيض دم وشعر *...

من يوقظ القلب المغلف باشتعالات الدماء !!؟

دم عليكَ , دم عليَّ , دم على كل الشوارعِ ,

والمباني ,والنهارِ ,

دم على وجه المدينة والقرارِ ,

دم على فرح الصغارِ ,

دم على هَمِّ الكبارِ ,

دم على الأيام حافلة بأوجاع المسارِ ,

دم على الرايات داخلة إلى زمن الحصادِ ,

دم على الخيلِ الفرارِ ,

دم على ثلج السكوت , دم على وهج الحوار

... قصيدة " دم " محمد لافي دمشق 1985م :

...حقيقة اليقين التي عشناها , عبر تاريخنا الطويل , هي مفردة لصقت بنا حتى حلت بنا , وحللنا فيها , وأصبحنا كلانا كينونة واحدة , لا ثاني لها "دم" مفردة تختصر تاريخنا , وجغرافيتنا المبعثرة في مزق خرائطنا , ولون شمسنا المصبوغ بالأرجوان , ولقمتنا اليومية المعجونة بالدم والتعب والعرق المرّ , وشعرنا المتوهج المنسوج بخيوطه الحمراء القانية , هذا كله يدل على واقع ساخن , ودام , ولزج الملوحة عشق ساحات نضالاتنا الضارية : حيناً , في مجابهة الغزاة الغاصبين , والحين التالي , الأقسى والأمرّ آن تفرّغنا في مجابهة بعضنا بعضاً , فإذا بنا الأشدّ فتكاً على بعضنا بعضاً من كائنات التاريخ كلها , وأمام سخونة الساحة الضارية , برز فينا الضدّ العاري من احتمالات التاريخ كلها , ساحة نار ومستحيل وعار يقابله : ثلج السكوت , من قبل الملايين ـ المنسوبة للعُروبة ـ آن فقدت الأمة إحساسها , والمشاعر صدق نواياها , وبرزت خفاياها القبلية / الأسطورية , واتسعت الظنون لدرجة الخرافة , وضاعت الحقائق في جحيم التطورات السوداء القاتمة !!!

وعادت قصيدة (دم) لترسم تاريخنا العربي القاني كله , من بدايات لا أول لها إلى نهايات لا حدود لها .. مفتوحة على قصيدة (دم) لتكون فاتحة وخاتمة ديوان الشّعر العربيّ كله ... على امتداد العصور:

*دم عليكَ , دم عليَّ ,

دم على الحزن الشّفيفِ ,

دم على ورق الكتابة والمكاتب والرُّفوفِ ,

دم على النخب المؤجل والرَّغيف

دم على العمر المُضَيَّعِ في الرَّصيفِ ,

دم عليكَ , دم عليَّ ,

دم على كل الشموس ولحظتي الحبلى

دم في كل منعطف على الأحياء والقتلى

دم مثل السوار ... دَمُ !!!

... وردت مفردة (دم) ثلاثاً وعشرين مرةً في قصيدتها المعنونة باسمها , وهي أطول قصيدة دم ليس فقط في تاريخنا المعاصر, من عام نزفها فوق ترابها العربي الدمشقي المؤرخ :

دمشق 1985م لتظل ممتدة ... مستمرة لعامنا الدموي 2013م , بل هي سابقة تاريخية خطيرة لبست كينونتنا القانية من أزل الكون , وإلى امتداده المطلق !!! وما كان بودي أن أبدأ بدراستي لتجربة محمد لافي الشعرية / الاستثنائية / بقصيدة ـ دم ـ ولكن الظروف الراهنة جميعها , والمحيطة بنا , دفعتني للذهاب بعيداً في الدم , حتى بتّ أتخيل كغيري : بأن الياسمين أحمر , والنهار أحمر , والكباد أحمر , والزعتر أحمر , وشقائق النعمان أكثر حمرةً من غيرها لأنها حقيقة تاريخنا الدامي , والدموي فوق ترابنا , وهو دمنا القاني والمتميز / المُفرد في كينونة الوجود والحياة وبنسيج الوطن والأمة !!!

إذا كان الجزء الأوسع من شعر محمد لافي يشكّل القيمة القانية من تلك التجربة المهمّة , والقيمة الفائضة في الشعر عن تلك القيمة الفائضة من الدم والحزن والخراب النفسي والروحي للشاعر العربي المعاصر, فتلك القيمة مضافة لوجع الإبداع لا تقل أهمية ومعياراً لائقاً بها كسواه تماماً , وبالمثل الإبداعي المطلق !!!

ولئن كانت بعض التجارب الشعرية العربية تشكل استثناءً , عالي القيمة , في عالم الشعر ,فإنها بالمقابل , تنخرط ضمن إطار كيانها الوطني وتلك النغمة الحزينة المؤثرة , والتي يندرج تحتها الواقع الشعري العربي بمجمله ,ولكن بتفاوت القيمة والإبداع , ومحمد لافي صاحب التجربة الطويلة والمهمة في إطار شعرنا العربي المعاصر , يشعر قارئه بتلك الخصوصية المفردة ,والتي تدل على شاعرها من خلال المحاكاة : بين نبض صوته الوجداني , وقصيدته , حتى ليتكاملا في نسيج شعري واحد , كما تتكامل الصورة في المرآة بين الأصل وشبيهه :

ـ راية ـ

*...هكذا شرّقوا , وغرّبوا , وشمّلوا ,

ارتجلوا سورة الأرض , وارتحلوا

ركبوا العربات

هكذا كسرتْ حلَمهم في يديكَ الجهاتْ

هكذا دارت الدائرة

هكذا غادروك وما خلّفوا في العشاء الأخير

سوى راية للفراغ

على مدرج الذاكرة ...

... يشعر قارئ شعر محمد لافي أنه قارئ في العمق , يندرج به حتى يغرق فيه للثمالة , ولا يقرأ كتابةً لا تغادر سطح هامشها أبداً , إنه نبض الوجدان الحيّ الخلاق والذي يكتسب وجدان الآخر بضراوةٍ محببة للغاية , وحادة جداً !!!

يشعر القارئ بِنَفَسٍ مختلف ومغاير , وحسٍّ مختلفٍ ومغاير تماماً للمألوف , ونبضٍ مُختلف ومُغاير , ونكهةٍ تغوص في صميم قارئها ليذوبا معاً في متعة التوحّد , والتّمازج حَدَّ الوَلَهِ والذًّوبان , وروعة الرعشة التي تنتاب القارئ والقصيدة , وكأن الشاعر وقصيدته وقارئه ذلك الثالوث المقدس والذي شَكَّل في النهاية ذاك النسيج الثلاثي المتآلف, والمشترك , لتجلي الإبداع في حقيقته الناصعة والمتوهجة لخيوط شمس متألقة بتوهجها الأرجواني المبهر والمثير , وما دون ذلك فليس بشيءٍ أبداً , لا يُمثل أية قيمة في معيار الإبداع , وملاحظة لابد منها : أنَّ القصيدة المكثفة بعدة سطور عند لافي تمتد في تأثيرها عند قارئها حتى تغدو عالماً من الشعر مفتوحاً على الجمال والمتعة :

تقاسيم ـ "تقسيم" :

*... في آخرة الليل , وحين ينام الناس

في آخرةِ الليل : ثلاث نوافذ أرقبها ,

وأوزعها بالقسطاس :

واحدةٌ لا مرأةٍ لم ترني ,

واحدةٌ لصديق ينكرني ,

واحدةٌ ليست لي !!؟

... هذا الترتيب المبهر والمؤثر , والمنسوج بدقة ورقة شعرٍ متناهية , لم يأتِ هكذا , من فراغ إنه متعة لقراءة قاتلة , كان نتيجتها قصيدة قاتلة كذلك !!! فالقارئ يستمتع بقراءة متأنية , لنصٍّ على كثافة نسجه , وقصر جملهِ الشعرية , وبساطة المُفرداتِ المختارة بدقة , فإن قارئه مبهور بذلك النسج المركب من قيمة : شعرية , وفلسفة تلك القيمة , بما تضع القارئ فيه ومن خلاله على حافة التأويل , والتعليل لنص يحتمل المراوغة في عبرته وشعريته.

ولننظر في النص إلى ذلك التَّباين , وتلك المفارقة , في نوافذ ثلاث ـ يحسبها القارئ , للوهلة الأولى ـ نوافذ حُبٍّ وعشق وهيام , وهي في الحقيقة , مرايا كاشفة لأبعاد النفس الإنسانية بمزاجيتها , وتقلباتها لدى تصورها للأشياء بمنطقٍ مُترع بالشَّكِّ , وارتباكٍ في احتمالاتٍ متضادة متنافرة :

ـ فنافذة لامرأةٍ لم ترني : إن الشاعر خال من هموم الوجدان , والعشق , هذا في ظن الظاهر , والباطن يخفي الكثير الموجع .

ـ والنافذة الثانية : لعين القلب , وهي تكشف عن حقيقة الصداقة والأصدقاء , من خلال الهبوط بتلك الحقيقة لدرجة إنكار ما يتعلق بمفهوم الصداقة والأصدقاء .

ـ النافذة الثالثة : نافذة عرضية لا وجود لها , أو هي غائبة , فيما يدعى [عين البصيرة] وهذه لا يعيها عموم الناس , بل خواصهم المؤهلون لذلك , والنافذتان الأوليان هما في حقيقتهما الأقرب لذلك هما : العينان المشكلتان لوعي الرؤية المادية [العينية] في مقابل عين الرؤيا الأعمق .

... ما وقفت عليه فيما مرت من قصائد لمحمد لافي كان من مجموعة البدايات الأولى / الدمشقية والتي تحمل عنوان : نقوش الولد الضال لمحمد لافي خلال مرحلة الثمانينات , والتي قذفت بلافي ضالاً متسكعاً في حواري دمشق عاشقاً وعابراً ومهموماً وطنياً بما جرى ويجري فوق ساحة فلسطين والعروبة , واستلهاماً للمستقبل بما تتنبأ به الرؤيا الشعرية بعين بصيرتها لذلك المستقبل الخفيّ , والغامض والغائب , إلا ما تستبصره عين البصيرة , والآن بين يَدَي المجلد الخاص بمحمد لافي إصدار بيت الشعر الفلسطيني , وليت هذا البيت لا يحتفي بالقلّة القليلة من الشعراء بل تشمل المبدعين العرب والمهمين جداً.

... المجلد الذي بين أيدينا احتوى بين دفتيه مجموعات محمد لافي للآن :

ويقول الرصيف 2010م , لم يعد درج العمر أخضر 2005م , أفتح باباً للغزالة 1996م , ومقفى بالرماة 1993م نقوش الولد الضال 1990م , قصيدة الخروج 1982م, الانحدار من كهف الرقيم 1975م, و مواويل على دروب الغربة 1973م.

... ثماني مجموعات شعرية , في ظاهرها , ولكنها , تمثل في حقيقتها : أعماراً محتملة من عمر الشعر والحياة ,وكينونة التراب الفلسطيني على امتداد كينونة الزمان صاغها الشاعر قيمةً خالدة مضافة لذلك التراب العظيم الخالد , فتحت باباً للغزالة :

*...لاوقت للتذكار ,

لكني أرنُّ على مفكرتي كأجراس الكنائس

كلما انفتح العروض فتحت باباً للغزالة ...

كي تسلمني إلى أدراج بابك

...نص مفتاحه عنوانه .. في ثلاثية محكمة السبك للكلمات الثلاث : الفتح الباب الغزالة : وهي تشكل مفاتيح الروح والتي تسرح بصراً وبصيرةً فيما هو كائن ويكون عبر رقعة من الأرض تشكل روح الوجود فلسطين , ثم يأخذنا العنوان إلى داخل تلك الومضات والفيوض لنقف , على الخفي المتجلي في نسيج ظاهر يبدو الأعمق لوجدان يبدع ما ينسج وينزف , فالشعر استلهام ,ونزف وليس ذلك الكلام المرصوص كحجارة الأرصفة للعبور فوقه , بل قيمة عليا للنفاذ لغيبها الفاتن بنداوة وعذوبة وشفافية توازي متعة قراءتها متعة قيمتها :

*... لا وقت للتذكار ,

لكني أتابع جملة العمر القصيرة

من مدى شجرٍ يضيع ...

إلى مدى سفرٍ يسجله الغبار على إهابك

من ثقل ما تتحمله الرؤيا للنفاذ إلى عمق تلك التراكيب المدهشة , يصل الوجدان إلى ضرورة المتعة مرهقاً , لكنه سعيد جداً بالكشف عن المفاتيح القصيَّة السرية لولوج ذلك العالم السحريّ من الشعر والنغم المنهمر كبحة النايات الحزينة والوقوف على حقيقة الخفيّ بثوبه الظاهر بكثافة دلالاته المعبرة !!!

تلك هي التغريبة الفلسطينية في شعرها الملتصق بوجع ترابها , إنها تغريبات , وليست تغريبة واحدة , رافقت الدهر مذ صحا عليها ترافقه إلى جهة محددة لا ثاني لها , جهة ظل مفتاحها سر وجهتها إلى حيث " العودة " عودة الغائب للأرض , غائب مفتاحه دمه ونضالاته على امتداد الحقب , وأرض لصقت بشعبها حيث رافقته في إقامته وغربتة ... هكذا ولد من الأرض وشعبها شاعر حمل خلاصة الثنائي فكان ذاك الشعر المضمَّخ بالأرجوان والعنفوان , محمد لافي واحد من تلك الكوكبة والتي نزفت فأبدعت , وتركت للأجيال ما تحتفي به وطناً وشعراً وقضية خالدة :

*...(ذهب الذين أحبهم )

صفوا أراملهم على سطر الحياة ,

وواجبات البيت ...,

واتسع رثاء على الشبابيك الأخيرةِ

هل كتبنا غُرَّة المنفى ,

وآخر ما تبقى من عتابك !!؟

(ذهب الذين أحبهم )

فهنا على مد المدى صفوا الخلايا باتجاه الغيمِ ,

وانسابوا سواقي في سهوب الخضرة الأولى

استضافوا الطير ,

وامتهنوا النشيد البكر سارية القوافل في رحابك

وهناك غابوا في غيابك

سأقود قافية المراثي

من ذهابك في الحروب ... إلى إيابك .



هامش :

محمد لافي ...

وصل نزيفك إلى وجعنا ... فانتابتنا تلك الرَّعشة العاصفة .. فحولناها مثلك إلى مغناةٍ في ناياتٍ توجع , فتلد قصائدها من تراب عاشق , ومثله دم أحدّ في العشق وأروع !!!

ـ محمود ـ






 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 13-06-2013