ليس استشراقاً معكوساً بل خيانة حميدة للاستشراق
فيصل جلول: نصوصنا العربية تستجيب لتوقعات السيد الأبيض

عناية جابر

كتاب «الجندي المستعرب» جديد الكاتب فيصل جلول، يروي فيه يوميات المستشرق مكسيم رودنسون في لبنان وسوريا وجزئياً في فلسطين. عن غاية جلول من إعداد هذا الكتاب، والاستشراق بشكل عام، كان هذا الحوار:

الهاجس الذي دفعك إلى قبول إعداد كتاب عن تفاصيل حياة المستشرق مكسيم رودنسون هو دفاعه عن العرب، هل يعني الاستشراق بالنسبة إليك أن يكون الكاتب الغربي مدافعاً عن العرب؟
^ اشير الى ان كتاب «الجندي المستعرب» يروي يوميات رودنسون في لبنان وسوريا وجزئيا فلسطين ولا يغطي مجمل حياته، وهي شديدة الغنى ومتنوعة. وأقول انه في المواجهة الغربية بين من ينتج معرفة مؤذية للعرب ومن يستخدم ادواته المعرفية لتحقيرهم والتحريض عليهم وتشييد اكاذيب حولهم وتجميع المعرفة من اجل احتلال اراضيهم كما فعل الرحالة شارل دو فوكو وآخرون كثر غيره، بين هذا النوع من المستشرقين الذين كانوا بمعظمهم موظفين في الادارات الكولونيالية، وبين مستشرق من طراز رودنسون الذي وضع نصب عينيه مهمة التعريف بالعرب بوصفهم امة كالأمم الاخرى، فيها الابطال وفيها السيئون، بين هذا وأولئك اخترت رودنسون؛ وهنا نتحدث عن مستشرق وليس عن كاتب، فالاستشراق مهنة ارتبطت بالمؤسسة الكولونيالية الفرنسية. ويهمني ان اشير الى انني اخترت هذا لنفسي واني انا من قرر إعداد الكتاب ولم يعرضه احد علي. نعم يهمني من يدافع عني في مواجهة تيار كاسح يعتبر الصراع الحضاري مع امتي عملية تاريخية مستمرة، الى ان يرث الله الارض وما عليها.

ثقافة التبعية

أن يكون المستشرق مخبراً لسلطته الحاكمة الغربية، هل هذا مفيد على الصعيد المعرفي أم غير مفيد؟
^ هنا يصعب التعميم ولا بد من مناقشة كل حالة على حدة. لقد وضع فولني كتابا عن مصر لخص فيه أشياء كثيرة حول النظام والمجتمع والاقتصاد في هذا البلد، وخلص إلى نتائج أعطاها لنابليون بونابرت الذي استخدمها كخارطة طريق في احتلال مصر. السؤال هنا يدور حول الغرض من إنتاج المعرفة: أي الاحتلال والسيطرة على الثروات المصرية. هل هذا النوع من المعرفة مفيد بعد مرور كل هذا الزمن؟ نعم مفيد إذا ما درس بوصفه مهمة علمية لغرض كولونيالي وليس بوصفه مهمة معرفية لـ«تحضير» العرب «المتخلفين». بعضنا ينظر الى الحملة الفرنسية على مصر بوصفها صدمة الحداثة الاولى، وبالتالي يدعون الى السير على خطى الغربيين... علما اننا نفعل هذا منذ قرنين تقريبا دون جدوى، ما يعني أن هذا النوع من المعرفة هو بالضبط كالسراب الذي يرسي في صفوفنا ثقافة التبعية والتخلف، في معرض الحديث عن التقدم.
وبعد إعدادك هذا الكتاب هل ترى أن الاستشراق موقف الغرب من الشرق، بكلام آخر هل الاستشراق أيديولوجي؟
^ الاستشراق ايديولوجي بامتياز، وهنا احيل القارئ على مؤلف ادوار سعيد حول الاستشراق، فهو يجيب بتوسع عن هذا السؤال الهام. لنتأمل في مزاعم لامرتين حول الفلسفة العربية وأطروحته الشهيرة عن وجود فيلسوف مسلم واحد من أصل عربي، فيما كل الفلاسفة الآخرين شأن ابن سينا والرازي وابن رشد والغزالي وغيرهم من اصول غير عربية، وبالتالي لا اثر لفلسفة عربية على حد زعمه. واذا كانت الأيديولوجيا في احد تعريفاتها وسيلة للتعمية عن الواقع وتحريفه و«دمغجته»، فان لامرتين لم يفعل شيئا آخر في تناوله للفلسفة العربية غير هذا الفعل الايديولوجي... لنتخيل الأدب والفكر الفرنسي من دون ايميه سيزير وسنغور وفرانز فانون وصمويل بيكيت واوجين يونسكو وامين معلوف والطاهر بن جلون وسمير امين وكثيرين غيرهم، لان هؤلاء ليسوا فرنسيي الاصل فكيف سيكون الرد؟ ألا يمكن ان يصل الى حد اتهام القائل بالعنصرية. لم يضمر لامرتين في انتاجه المعرفي عن العرب والمسلمين غير هذا النوع من الخطاب الايديولوجي التفكيكي بغية التدمير ليس ألا.

الغالب والمغلوب

لنفترض أن مستشرقاً مثل رودنسون (جاك كولون مثلاً) مناصرا لقضايا العرب، كتب نصاً ايديولوجياً عن العرب. كيف تصنّفهُ؟ هل يصح تصنيفهُ نصاً استشراقياً؟
^ أطلق صادق جلال العظم صفة «الاستشراق معكوسا» على هذا النوع من الانتاج المعرفي... اما انا فلا يمكنني ان اجيب عن سؤال افتراضي. لقد كتب رودنسون سيرة نادرة في حيويتها عن الرسول العربي ولم يجرؤ احد على نشرها بالعربية حتى الآن، رغم انها تنطوي على تقدير موضوعي نادر لرسولنا وأثره في مصيرنا ومصير العالم... هذا النص استشراقي خائن للمؤسسة الاستشراقية، وأقول هذا على قياس خيانة فرد بورجوزاي لطبقته البورجوازية... واذكر انني اثناء إعداد الكتاب ترددت في مخاطبة رودنسون بالمستشرق، فقال لي ساخرا: لا عليك، فالاستشراق ليس مرضا معديا... أظن ان وجوب الرد على السؤال يقود الى هذا التقدير لـ«الجندي المستعرب». بكلام آخر، الانتاج المعرفي المضاد للاستشراق ليس استشراقا معكوسا كما قال العظم، وانما ببساطة خيانة حميدة للاستشراق.
اذا كانت نصوص مصادر الكاتب العربي أوروبية، هل يمكن تصنيفها برأيك ضمن مفهوم الاستشراق؟
^ اذا عدنا الى التعريف الماركسي للثقافة السائدة بوصفها ثقافة الطبقة السائدة، وهو ما خلص اليه ابن خلدون قبل ماركس ببضعة قرون عندما قال ان المغلوب يتزيا بزي الغالب، ويتبع مأكله ومشربه وثقافته، فإننا نخلص الى ان انتاج المعرفة محكوم بعلاقة الغالب بالمغلوب.
في حالنا العربية عندما يكون الغالب هو الرجل الابيض الغربي فيجب ان ندرك انه سهر ويسهر على ضمان غلبته، وبالتالي على احترام هرمية دولية، بوسائل ثقافية اثناء السلم، وحربية خلال الازمات والحروب. وقد بحثت هذا الجانب بتوسع في كتابي: «مصر بعيون الفرنسيس». أخلص من هذا إلى التأكيد على ما ورد في السؤال من ان نصوص الكاتب العربي ـ غالبية الكتاب على الاقل ـ محكومة بالمركزية الاوروبية اي بشروط الغلبة. فالكاتب يستجيب في لاوعيه لما يتوقعه منه السيد الأبيض، وتقييمه وعلاماته وميدالياته وجوائزه .
هنا اود ان اتوسع قليلا. لقد طرحت فكرة الحداثة في انتاجنا الثقافي بوصفها صراع النور مع الظلام على قياس ما طُرح في اوروبا. معلوم ان «الظلام» الاوروبي تم اختصاره بفكر القرون الوسطى الديني المسيحي. وقدمت العلمانية عندنا بوصفها النظام الأمثل الذي يقودنا إلى الحداثة. لقد تمثلنا السيرورة الغربية في طلب الحداثة وأخطأنا مرتين. الأولى لأننا افترضنا أن قروننا الوسطى شبيهة بالقرون الوسطى الأوروبية، أي ظلامية، في حين أنها كانت حقبات نور حقيقية بنت اوروبا حضارتها على جزء كبير منها، وأخطأنا كذلك في تقديم الحل عندما طرحنا العلمانية بوصفها نظرية صراع مع الإسلام كما المسيحية، وطالبنا بفصل «الكنيسة الإسلامية» عن الدولة، علما أن الإسلام لا كنيسة فيه كما لاحظ محمد عابد الجابري، وبالتالي لا أساس للطرح العلماني بصيغته المذكورة.
في المحصلة عندما نسير على رسم الغرب، فإننا ننتج نصوصا تحت سقف المركزية الاوروبية، الامر الذي يقودنا حتى اليوم الى الهاوية. اما الهاوية فنراها في طرح الدكتور عزمي بشارة الذي يقيس الثورات العربية بأدوات غربية، ويرى أن لا غضاضة في الصراع الطائفي، طالما انه ضرب من العفن الذي كان قائما في عهود سابقة، وقد عرضه «الربيع العربي» للأوكسجين على حد تعبيره. في حين استخلص ادونيس في لحظة تخلى فيها عن حذره المعهود بأن الحداثة لا تصح إلا عندما نهدم بنى المجتمع العربي. المأساة الكبرى اننا هدمنا لبنان وهدمنا العراق وها نحن نهدم السودان وليبيا وسوريا من دون جدوى.

أجرت الحوار: عناية جابر

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 13-06-2013