إن الأعمال بخواتيمها.. أحمد يوسف ناطق غير رسمي باسم حماس - بقلم نضال حمد

أذكر أنه في بداية تحول موقف حركة حماس الى العلنية ضد النظام السوري تحت يافطة النأي بالنفس، كانت أولى التصريحات العنيفة المضادة للنظام السوري ورئيسه بشار الأسد صدرت عن وكيل وزير الخارجية الأسبق في حكومة حماس المقالة من قبل عباس، احمد يوسف، حيث شن الأخير هجوما لاذعا على النظام السوري ورئيسه وسياساته وعلى الرئيس السابق الراحل حافظ الأسد وفترة حكمه التي وصفها بالدموية.

على اثر ترجمتنا لتصريحات احمد يوسف التي نشرتها اكبر الصحف النرويجية اليومية على الإطلاق صحيفة "افتنبوسطن"، نفا بعض كوادر وقادة حماس في حينه ان يكون هذا هو موقف حركة حماس مما يجري في سورية وقالوا أن تلك التصريحات ليست حمساوية وأنها لا تخص الحركة لان الأخير ليس ناطقا باسم الحركة ولا هو قائدا من قادتها. نفي حماس لذلك عزز لدي القناعة بأن حماس تستخدم احمد يوسف بنفس الأسلوب والطريقة ولنفس المهام التي كان الراحل ياسر عرفات يستخدم كثيرين من الفلسطينيين للقيام بها وعلى سبيل المثال لا الحصر ياسر عبد ربه. وبغية التحضير لاتخاذ موقف ما يتطلب تهيئة الأجواء قبل اتخاذه. بنفس الأسلوب والطريقة وبحماسة تعمل حماس على تقديم مواقفها خاصة هذه الأيام حيث المنطقة أمام مخاض عسير بعد كل ما جرى ويجري في سورية والمنطقة.

 لنعد 16 شهرا الى الوراء ولنعيد قراءة أقوال احمد يوسف للصحيفة النرويجية التي قابله مراسلها في غزة، يوم 9-2-2012 ؟

"شن احمد يوسف هجوما عنيفا على الرئيس السوري بشار الأسد، والقيادة السورية وأعلن وقوف حماس الى جانب المعارضة السورية. وإن حركة حماس تعارض حليفها السابق النظام السوري. وأضاف يوسف ان الرئيس السوري بشار الأسد سوف يسقط قريبا مثلما سقط من قبله حكام تونس ومصر وليبيا. وتابع ان حركة حماس تدعم الشعب السوري ضد النظام الذي يقوم بخرق حقوق الإنسان. لقد حاولت قيادة حماس في السابق تصوير الأمر كما لو أن حماس تقف على الحياد في الصراع بين حلفاء الأمس في سورية والمعارضة السورية. والآن بات واضحا أن حماس لم تعد تتوافق مع النظام الذي وفر لها البقاء في سوريا منذ سنة 1999. ان الرئيس بشار الأسد مذنب وان الجرائم التي يقوم بها اليوم من نوع الجرائم التي قام بها والده سنة 1981 عندما قتل ما يصل الى 40 ألف شخص خلال الانتفاضة في مدينة حماة السورية".

بعد تلك التصريحات أصبحت مواقف حركة حماس تأخذ منحى معاديا للنظام السوري ومؤيدا ومساندا للمعارضة.

اليوم نقرأ تصريحات مماثلة لأحمد يوسف أطلقها عبر جريدة النشرة يوم 11-6-2013 في مقابلة مع مراسل الجريدة بغزة محمد فروانة. وجاءت كلها تقريبا عن علاقة حركة حماس بحزب الله اللبناني. وهذه المقابلة هي التي استدعت استحضاري للمقابلة السابقة، لأنها ذكرتني بهذا البيت الشعري الجميل والمعبر للشاعر الجاهلي العظيم طرفة بن العبد الذي يقول فيه:

كلهم أروغ من ثعلبٍ

فما أشبه الليلة بالبارحة

تصريحات احمد يوسف الناطق غير الرسمي باسم حماس لا تختلف كثيرا عن تصريحات  صلاح البردويل الناطق الإعلامي الفعلي باسم الحركة، لكنها واضحة أكثر وصريحة بشكل اكبر وتهيئ لإعلان وإصدار مواقف أقوى واخطر في المستقبل القريب. وبما أن الخلافات القوية وفقدان الثقة في العلاقة بين حزب الله وحماس وصلت الى مرحلة متقدمة جدا جدا، ورائحتها دخلت الى كل الأنوف، كان من الطبيعي لأي متابع سياسي ان يهتم بالخبر الذي انتشر قبل فترة عن طلب حزب الله من حماس مغادرة الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تتمتع حماس بوجود عدد كبير من مكاتبها ومنازلها الخاصة، وفرتها لها قيادة حزب الله في أيام "اللولو" كما يقولون، وفي شهور العسل الطويلة التي جمعت الفريقين. ورغم قيام حماس بنفي هذه الأخبار على لسان قائدها في لبنان علي بركة إلا أننا نأخذها على محمل الجد، كما ونميل أكثر لصالحها ولجديتها ولتصديقها أكثر من تكذيبها. فالعلاقة بين الطرفين انتهت وكل واحد منهم يقف ويقاتل الى جانب طرف آخر في سورية.  فتصريحات احمد يوسف عادة تسبق تصريحات القادة الأوائل لحماس وتحضر او تمهد لهم الطريق للإعلان عن اتخاذ قرارات مصيرية.. وما حصل مؤخرا من تصعيد غير معلن بين الحركة والحزب ما هو إلا بداية لإعلان القطيعة النهائية بينهما .

ماذا قال احمد يوسف في مقابلته مع جريدة النشرة أعادت القدس العربي نشر مقتطفات منها يوم 11-6-2013 ؟

 أن “حزب الله” ليس صاحب قرار فيما يتعلق بوجود “حماس″ في لبنان أو عدم وجودها، بعدما تناقلت وسائل الإعلام عن تهديد “حزب الله” لحركة “حماس″ بالخروج من لبنان على خلفية قتال عناصر الحركة في مخيم اليرموك في سوريا، وهذا ما نفته الحركة مؤخراً.

صحيح ان حزب الله ليس صاحب قرار فيما يتعلق بوجود حماس في لبنان لكنه بالتأكيد صاحب قرار ونفوذ فيما يتعلق بالأماكن اللبنانية الموجودة فيها مكاتب وبيوت حماس لأنها كلها تقريبا موجودة في مناطق نفوذه وحمايته وتحت وصايته، ويجب تذكير احمد يوسف بان حزب الله هو الذي وفر لحماس كل هذه المكاتب وحمايتها من الضاحية الجنوبية في بيروت حتى الجنوب والبقاع والشرق في لبنان. ونذكر احمد يوسف بأن الحزب ساهم مساهمة كبيرة وفعالة في دعم وجود حماس وتعزيزه في لبنان ومخيماته على حساب الآخرين. لذا يستطيع الحزب أن يؤثر كثيرا على فعالية وجغرافية وجود حركة حماس في لبنان. وهي إن خرجت من تلك الجغرافية ستتجه بالتأكيد الى جغرافية حلف الحريري جعجع جنبلاط المعادي للمقاومة. فهل تفعل ذلك؟ كل شيء هذه الأيام مع حماس ممكن، وبما أنها رفعت رايات المعارضة المسلحة السورية فقد تفعل ما يشبه ذلك في لبنان أيضا.

يضيف احمد يوسف : أن علاقة حركته بـ “حزب الله” أصابها الكثير من الفتور، لافتاً إلى أن مشهد العلاقة في هذه المرحلة يعيش حالة من القلق والتوتر، بعد أن تورط الحزب في الصراع الدائر في سويا، ودخوله للقتال إلى جانب قوات النظام السوري، مشيراً إلى أن مشهد الدم السوري والمواطنين المدنيين السوريين الذين يقتلون برصاص “حزب الله” شيء صعب على الناس تقبله. أن “حماس″ بحاجة إلى “إيران” و”حزب الله”، “لكن سلوك الأخير جرح هذه العلاقة التي كنا نريدها علاقة وطيدة وقوية مع الحزب .وعما إذا كانت “حماس″ خسرت “حزب الله”، رأى أن حكما من هذا النوع مبكر، مكتفيا بالقول أن العلاقة أصبحت في أقصى درجات الفتور والاقتراب من “حزب الله” الآن ولأي حركة يحرجها أمام الشارع العربي والأمة العربية والإسلامية.
 

يتحدث احمد يوسف عن تورط الحزب في الصراع الدائر في سورية وينسى ان حركته كانت أول من تورط في هذا الصراع عبر انحيازها الى المعارضة، إسقاط (مخيم اليرموك)، إدخال المسلحين الى مخيمي (درعا) و(الرمل). مشاركة عناصرها في القتال في منطقة ادلب وغيرها، مصرع كادرها القسامي ( محمد قنيطة) الذي قدم من غزة للقتال في سورية، الحديث مؤخرا عن قتلى ومعتقلين ومهندسي أنفاق من حماس قتلوا او اعتقلوا في معركة القصير .. هذا مجرد غيض من فيض.. ثم مغادرة حماس دمشق وإقامتها في الدوحة واسطنبول ومشاركتها ميدانيا وسياسيا وإعلاميا واخوانيا في الحملات المنظمة ضد سورية.

ان كل فروع حماس في العالم وبالذات في أوروبة منخرطة بالحرب ضد سورية سواء عبر الإعلام والنشاطات وجمع التبرعات للمعارضة ورفع رايات الجيش الحر وإشهار العداء ونكران الجميل لسورية وقيادتها وجيشها. وكذلك عبر التحريض المذهبي. وهناك قتلى لحماس سقطوا وهم يقاتلون الى جانب المعارضة المسلحة، وهناك معتقلين من حماس اعتقلوا لمشاركتهم في المؤامرة على سورية. وهناك قوائم أسماء ووثائق وملفات وأسماء لأحياء حمساويين اشتركوا ومازالوا في العدوان على سورية. وهناك عناصر حماس الذين يساهمون في احتلال مخيم اليرموك وغيره من الأماكن.

يبدو ان الحلال على حماس وقطر وتركيا حرام على حزب الله وإيران عند احمد يوسف. و يبدو ان احمد يوسف يتعامل بهذا المنطق مع تدخل حزب الله في سورية. ويبدو كذلك انه لا يرى كل التدخلات الأخرى بالرغم من تعدديتها واختلافاتها وألوانها الخضراء التي تشبه الى حد كبير راية حماس, هذا إذا ما استثنينا راية حلفاء حماس في القتال الدائر بسورية، أي الراية السوداء التابعة للقاعدة وجبهة النصرة. ولا يريد أن يتحدث احمد يوسف عن دور قطر والسعودية وتركيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا والكيان الصهيوني والإخوان المسلمين واتحاد علماء المسلمين(القرضاوي واشباهه) والتكفيريين في تدمير واستباحة وتخريب سورية. هذا كله لم يره بينما رأى فقط تدخل حزب الله.  

 في نفس المقابلة أعرب يوسف عن اعتقاده بأنه سيكون من الصعب عودة العلاقة و”حزب الله” متورط بكل هذه الدماء التي سالت على أرض سورية أو بقي داعما لهذا النظام، وأى أنه من الصعب أن تعود العلاقة بالشكل التي كانت عليه في السابق، وقال: “نحن مع كل التقدير لما قدمه “حزب الله” في السابق لأجل خدمة الحركة وتوفير تدريبات لعناصرها، وكل الامكانيات التي كان يقدمها “حزب الله” ويحاول أن يساعد فيها المقاومة الفلسطينية، لكن الأعمال بخواتيمهما وبالتالي إن مشهد الدم السوري والمواطنين المدنيين السوريين الذين يقتلون برصاص “حزب الله” شيء صعب على الناس تقبله”.

يعرف اي عاقل في هذه الدنيا بأن العلاقة بين حزب الله وحماس وإيران بالتأكيد لن تعد كما كانت. لان كل طرف منهم صار نقيضا للآخر ويلتزم معسكرا معاديا للطرف الآخر. يعني حزب الله وحماس الآن هما نقيضين، ويتواجدان في معسكرين متحاربين، فكيف ستكون العلاقة بين متحاربين؟

  أما مشهد حماس في الطرف المعادي للأمة فهو من أكثر المشاهد السوداوية والمحزنة والمؤلمة والمفجعة لنا نحن كتاب المقاومة وثقافتها، الذين دافعنا عن مقاومة حماس لسنوات طويلة... لكن هذا لن يمنعنا من التصدي لسياسة حماس المنحرفة والتي تشكل خطرا حقيقيا على القضية الفلسطينية ومستقبل المقاومة وثقافتها في فلسطين ومخيمات الشتات.  ان الحقيقة واضحة ولا تحتاج الى توضيحات أو تفسيرات ولا الى تحليلات.. الحقيقة واضحة بالنسبة لتمحور حركة حماس في هذه الأيام، فهي اختارت المقاومة السلمية من قطر واسطنبول بعدما أوقفت المقاومة المسلحة في غزة والضفة .. ببساطة ومن دون كثير عناء يا سيد احمد يوسف إن حماس حسمت خياراها وانحيازها واصطفافها لتصبح أداة بيد محور عملاء أمريكا والغرب من العرب والمسلمين...

في الختام نقول يبدو ان تصريحات احمد يوسف تمهد الطريق لموقف حمساوي قد يؤدي الى انقطاع العلاقة نهائيا بين حماس وحزب الله، على غرار ما حصل بعد تصريحاته بشأن سورية العام الفائت. والى أن يحين موعد الحسم نستعيد كلمات أحمد يوسف التي ختم فيها تلك المقابلة: "إن الأعمال بخواتيمها" .

 

* مدير موقع الصفصاف
 

رابط خبر مقابلة احمد يوسف مع الصحيفة النرويجية في شباط2012

http://www.safsaf.org/word/2012/feb/71.htm

*

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية

safsaf.org - 14-06-2013133